أجرى موقع الجماعة نت حوارا مفصلا مع الدكتور مصطفى شكٌري، المفتش التربوي والباحث في قضايا التربية والتعليم، ومنسق وحدة التربية والتعليم بالمركز المغربي للأبحاث وتحليل السياسات، حول واقع وأزمة التعليم في المغرب، انطلاقا من مشروع القانون-الإطار رقم 17-51 المتعلق بمنظومة التربية والتعليم والتكوين والبحث العلمي.

سياق مشروع القانون الإطار، ومراميه وأهدافه، آليات تنزيله وأجرأته، أهم أعطابه واختلالاته… مشكلات الدارجة والمجانية ولغة التدريس وأطر التربية ومناهج التعليم… وغيرها يشملها هذا الحوار. فإلى نصه:

في مستهل حوارنا معك، هل من تعليق حول قضية إقحام الدارجة في بعض المقررات التعليمية وهذا التفاعل الكبير الذي عرفه الإعلام حول القضية؟

شكرا على الاستضافة، وأتمنى لموقعكم دوام التألق في أداء مهامه النبيلة.

من اللازم التنبيه إلى أن من أخطر ما يتهدد أي نقاش مجتمعي حقيقي خاصة إن كان حول موضوع مهم جدا كالتعليم والتربية، هو السقوط في النقاش المغلوط والهامشي والتجزيئي الذي يؤدي بنا إلى عدم طرح الأسئلة الحقيقية وبالخصوص إذا كنا بصدد لحظة زمنية فارقة تعرف احتقانا اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا، وتعرف الاستعداد لتمرير قانون إطار يراد له أن يؤدي وظائف ضبطية تحكمية للحقل التعليمي. وجب الانتباه إلى التمويه والتضليل الممارسين على وعينا الجمعي. قضية الدارجة والعامية عموما قضية قديمة جدا وتناولها العلمي تاريخيا وبيداغوجيا وعلميا قد قيل فيه الكثير مما لا يتسع المجال للتفصيل فيه.

في حالتنا المغربية أسئلة من قبيل: السياق والتوقيت والمروجون والداعمون مهمة جدا. وعلى التناول الجاد للقضية أن يعرض لجوهر المشاكل في التعليم، وعلى رأس ذلك صناعة السياسة التعليمية ودهاليزها، والإرادة السياسية ومقاصدها، ورهن التعليم للقرار السياسي وللإملاءات الأجنبية، ولتغييب الهوية الجامعة والحاجيات المجتمعية، وقضايا الاختيارات اللغوية المفرنسة، والتحلل من التزامات الإنفاق المالي، ومسألة التوظيف والتكوين وغير ذلك.

إن اللغة حاملة فكر وثقافة وهوية واستهداف العربية لا يمكن فصله عن الهجمة الجلية على كل ما يمت بصلة لدين المغاربة ولوحدتهم ولقيمهم. وما عدا ذلك فهوامش على النص الأصلي.

صادق مجلس الوزراء، بتاريخ 20 غشت الجاري (2018)، على مشروع القانون-الإطار رقم 17-51 المتعلق بمنظومة التربية والتعليم والتكوين والبحث العلمي، حيث اعتبرت الوثيقة أن “إصلاح هذا الورش المصيري يعتبر جوهريا”، هل مثلت الوثيقة، في نظركم، خطوة جادة في إصلاح المنظومة التعليمية في بلادنا؟

أرى أنه لا السياقات العامة الحاكمة لإعداد المشروع، ولا المرجعيات المؤطرة له، ولا منهجية الإعداد، ولا المضامين المعروضة المقدمة، ولا الخطوات الإجرائية التنزيلية المعتمدة، يمكن أن تشجع الباحث العلمي المتأني على ادعاء أننا أمام عمل إصلاحي أصلا فكيف بالقول إننا بصدد خطوة جادة؟ وليس هذا تزيّدا أو تحاملا، ذلك أن سياق إعداد المشروع ومرجعياته الموجهة لا تخرجان عن الطابع العام الذي حكم تاريخ ما سمي بإصلاحات التعليم بالمغرب وهي أمور تظهر في المستوى العام في تضخم خطاب الفشل والأزمة، وفي المستوى الخاص في “توجيهات” و”تعليمات” و”خطابات” الملك، ووثائق مؤسساته الرسمية، وكذا في مضامين ومفاهيم “الميثاق” الفاشل تنظيرا وتنزيلا. أما ما يتعلق بمنهجية الإعداد فلا تكاد تخرج عن سلوك النهج نفسه الذي اعتمد في كل البرامج والمشاريع وهو نهج الصدور عن جهة “الدولة/القصر”، ونهج المجالس المعينة وفق المعايير المعروفة، فالمشاورات الصورية، ثم إصدار ركام الوثائق وإلباسها لبوس الإجماع الوطني، والشروع في التنزيل المرتجل والتنفيذ المستعجل في انتظار صدور تقرير دولي آخر يبوء المغرب ذيل التصنيف في التعليم، وخروج خطاب رسمي آخر يلوم “الحكومة” فالدخول في دوامة دائرية أخرى تفرز النتائج ذاتها بسبب سلوك الطريق نفسه.

ارتكز إعداد مشروع هذا القانون/الإطار على أحكام الدستور ذات الصلة بالمجال وعلى الخطب الملكية، حسب ما جاء فيها، وأغفلت الرجوع إلى دراسات الفاعلين والمتخصصين الوطنيين والدوليين التي كشفت الاختلالات التي تشوب القطاع، وقصور محاولات الإصلاح السابقة عن بلوغ هدف تحسين جودة التعليم في المغرب، ألا يعتبر هذا ثلمة في هذا المشروع؟

قراءة تاريخ إصلاحات التعليم بالمغرب تكشف دون مواربة أن التعليم لم يكن قط -إلا في الحدود المرسومة للتنفيذ والتدبير والتسيير- مجالا للنقاش المجتمعي الحقيقي، بلغة واضحة كان مجالا مثله مثل مجالات أخرى حكرا على القصر ولجان مؤسساته الرسمية المعينة، لم يكن التعليم في كنف الأمة، وما عد قضية الشعب أفرادا وجماعات.

وعليه فليس بالجديد أن يصدر مشروع القانون الإطار عن الجهات نفسها المتحكمة المتنفذة، هذه لا زمة بنيوية في تاريخ التعليم بالمغرب. لم تعوزنا قط دراسات الباحثين، وتنظيرات الخبراء التربويين، ومواقف الفاعلين المجتمعيين، وعصارة تجارب الممارسين الميدانيين، ولا تنبيهات وتحذيرات ونداءات المتخصصين، إنما الذي غاب هو الإرادة السياسية التي تسمع لنبض المجتمع ونبض المفكرين والمنظرين، فلا غرو أن نقول إن مصير هذا المشروع لن يكون سوى مصير ما سبقه، والضائع هو الإنسان وهو المجتمع، وهو الوطن، وهو المستقبل.

يندرج هذا المشروع في إطار “الرؤية الاستراتيجية لإصلاح منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي 2015-2030″، والذي أخذ “في الاعتبار أيضا مضامين الميثاق الوطني للتربية والتكوين”، فإذا كان الواقع أثبت فشل هذا الميثاق في إحداث إصلاح حقيقي في المجال، فلماذا يصر المسؤولون على تبنيه والبناء عليه؟

علينا أن ندرك أن الرؤية الاستراتيجية التي صيغت على أعين النظام ومؤسساته تعيش وضعا غامضا بصدد موقعها الاعتباري في نسق “إصلاحات” التعليم بالمغرب، لأنها لا تحدد هويتها بوضوح هل هي تطوير للبرنامج الاستعجالي؟ أم إعادة “استنساخ” للميثاق الذي انتهت عشريته من دون أن يجد طريقه للتنفيذ على علاته. لنتذكر أن البرنامج الاستعجالي نفسه جاء ليدخل نفسا جديدا للإصلاح فمات هو الآخر في الطريق العام السيار للفشل! وإلحاح الرؤية على الاستناد المرجعي للميثاق الوطني للتربية والتكوين، هو إلحاح على التأكيد على     “وهم الإجماع المزعوم” الذي ألصق بالميثاق وهو منه براء، ثم هو استمرار في نجابة التنفيذ لإملاءات المؤسسات الدولية المانحة إذ إن الرؤية جاءت لتكمل ما تبقى من التزامات الدولة المغربية تجاه البنك الدولي    والمؤسسات المالية الأخرى بالنظر إلى أن العديد من المضامين الواردة في الرؤية خاصة ما يرتبط بالتمويل والتوظيف والتكوين والسياسة اللغوية والجوانب القيمية والمناهج الدراسية إنما هي تطبيق ل عناصر متعددة متضمنة في الميثاق، وإنما سكت عنها حتى كانت الأجواء العالمية السياسية ملائمة لتمريرها على يد “خصوم سياسيين” مزعجين ضمن “واجهات” ديموقراطية مزيفة تجنبا للكلفة السياسية التي يمكن أن تلحق صورة النظام الحاكم بسبب ما قد ينجم عن الردود المجتمعية، وتوريطا لهؤلاء المزعجين، ودرءا لمحاولات التغيير التي يمكن أن تلحق حقل التعليم باعتباره أداة من أدوات الضبط المجتمعي عبر تطويع الناشئة لتكون صالحة بحسب المعنى العام للصلاح في الأنظمة الشمولية.

أغرقت الوثيقة في التفصيل في الأمور النظرية، ديباجة وأحكاما عامة وفي تحديد مبادئ وأهداف ووظائف المنظومة التعليمية ومكوناتها، على حساب الشق العملي الذي يهتم بالعملية التربوية وبالفاعلين فيها، هل تعتبرون هذا أمرا طبيعيا؟

حقا هناك عرض لقضايا متعددة تضمنتها الوثيقة، يمكن رصدها في خمسة عناصر كبرى هي: السياسات العمومية الضابطة للعمل الحكومي وللفاعل التربوي، والبنيات الهيكلية لمكونات المنظومة، والمحددات المرجعية للعلاقات التربوية، وتنظيم مهنة التدريس، وقضايا الحكامة والتمويل والسياسات اللغوية. وضمن هذه العناصر تندرج تفاصيل جزئية ذات أثر كبير في رسم معالم نظام تعليمي متحكم فيه. والظاهر البيّن أن الوثيقة سلكت مسارا جعلها تغلب المقاربة التقنوية الصرفة، وما ذاك إلا لطبيعة سياقاتها ومرجعياتها التي تحدثنا عنها آنفا، وهو ما جعلنا نصفها في غير هذا المقام بأنها مشروع تحكمت فيه أربعة هواجس أساسية هي: هاجس تنفيذ التعليمات، وهاجس التقنين الملزم، وهاجس التحكم الضبطي، وهاجس الاستجابة للإملاءت الأجنبية. وهو ما يبرز أن الدولة ماضية في نهج مسلك ضبطي لمختلف مدخلات ومخرجات النسق التعليمي المغلق أصلا تحت دعاوى “الإجماع الوطني” “التعبئة المجتمعية” “التقنين التشريعي” “التطبيق الأمثل والمستمر” للإصلاح. المصيبة في المسألة، أقول المصيبة، لقد تحكمت المقاربة السياسوية في تغليب المقاربة التقنوية نتيجة اعتقاد الحكام أن الترسانات القانونية المقدمة في قوالب تشريعية متحكمة ليس فقط في السياسات الموجهة وإنما في الإجراءات التنفيذية أيضا يمكن أن تضبط نسقا هو من طبعه مجال حي لحياة الإنسان المتعلم المعامل معه. يريد البعض أن يوهم أن إصلاح التعليم يجب أن يتم بمنطق النص المقدس الذي لا راد لحكمه ولا معقب لقضائه. هنا يتم إغفال العوامل التربوية والتفاعلات الصفية، ويتم تناسي الفاعلين الحاملين الممارسين، وغير ذلك من العناصر المتحكمة في إنجاح أو إفشال أي إصلاح كيفما كان. عموما وجب الانتباه إلى أن المشروع يعرض لقضايا مصيرية قد ترهن التعليم وفق ما يريده الحكام لمدد زمنية طويلة وإن كان النقاش العام قد ركز على مسألة المجانية وحدها.

قضية المجانية أستاذ، تثير أسئلة جزئية عدة: تحدثت المادة 43 على أن الدولة تضمن “مجانية التعليم الإلزامي” ثم في المادة 45 تنص على “إقرار رسوم للتسجيل بمؤسسات التعليم العالي في مرحلة أولى وبمؤسسات التعليم الثانوي التأهيلي في مرحلة ثانية”، أليس هذا ضربا للمجانية التي تحدثت عنها المادة 43؟ ثم عندما تتكلم الوثيقة عن “الأسر الميسورة” فهل تملك الدولة نظام تمييز واضح بين الأسر الفقيرة وتلك الميسورة؟ وهل يتمدرس أبناء الأسر الميسورة أصلا في المدرسة العمومية؟ في الدول الديمقراطية نرى أن مجانية التعليم تعني المجانية التامة ابتداء من اللوازم المدرسية والإعفاء من رسوم التسجيل والتأمين، وعدم الاضطرار لتلقي الدروس الخصوصية، أما في المغرب فإن الأسر تضطر لدفع كل ذلك، فعن أي مجانية تتحدث الوثيقة؟ تحدثت الوثيقة في المادة 18 عن تمكين المتعلمين من نظام للقروض الدراسية قصد متابعة دراستهم العليا، هل هذا يعتبر حلا مجديا في الحالة المغربية؟

لا بد من التأكيد على أن التعليم في المغرب لم يكن مجانيا بالمعنى العام الذي توحي به الكلمة، والدليل أن المستلزمات العامة للتمدرس تستنزف جيوب المواطنين عند كل دخول مدرسي وتشكل هاجسا قويا وعبئا ماليا شديدا على التدبير المالي للأسر، زيادة على الاستنزاف الكبير الذي تخلفه المدارس الخصوصية والدروس الليلية وغير ذلك من أعباء الإنفاق على الملبس والصحة والسكن بالنسبة للتلاميذ والطلبة الجامعيين. تنفق الدولة مبالغ مهمة على التعليم (لا تصل للمستوى المرغوب) لا توازي هذا الإنفاق النتائج المحصلة على مستوى المردودية العامة. مما يجعل من إشكال التمويل مأزقا كبيرا للمنظومة بسبب سوء التدبير وكثرة التبذير وغياب المحاسبة والشفافية الماليتين وهدر المال العام. طبعا القانون الإطار يتمسّح بمفردات من قبيل “التضامن الوطني” واعتماد “مبدإ المساهمة”، و”رسوم التسجيل”، و”مراعاة مستوى الدخل”، لكن الحقيقة التي لا يمكن للعبارات المخففة التي تحجبها أن الدولة ماضية في توجهها نحو التخلص من الإنفاق على التعليم بسبب كونه قطاعا اجتماعيا غير منتج؛ يظهر ذلك في التراجع العام لميزانية التعليم في الميزانية العامة للدولة، وإقفال باب التوظيف لصالح التعاقد، والتخلص من التكوين، وفتح الباب للوبيات التعليم الخصوصي، والاتكاء عوض ذلك على فتات التمويل الأجنبي الذي لا يكون لوجه الله. يتم الحديث عن أن الرسوم ستقتصر على الأسر الميسورة، وتضع شرط الاستطاعة للأسر الباقية، وتفتح نظام القروض للطلبة، والحق أن الأسر الميسورة لا تدرس أبناءها في التعليم العمومي، والغموض والتنزيل البيروقراطي سيعطلان النصوص التنظيمية المحددة لمعايير الاستطاعة. والحاصل أن النظرة التسليعية المادية التشييئية للقائمين على تدبير البلاد تغفل أن قطاع التعليم هو مجال بناء الإنسان وتحصين المستقبل عند عقلاء العالم، وأن التناول التسطيحي المقصود على كل حال لمسألة التمويل والمجانية لن تسهم سوى في مزيد من الإفشال المقصود لتعليم يراد له أن يكون مقننا ومسيجا ومضبوطا حتى لا ينفلت منتوجه عن المواطن الصالح للنظام الحاكم. ناهيك عن أن الارتهان الدائم للمؤسسات المانحة لن يسهم إلا في تأبيد رهن مستقبلنا بغايات ليست هي غايتنا وباحتياجات ليست هي حاجياتنا. إضافة إلى أن حل إشكال التمويل مقدور عليه لو تحقق العدل في قسمة مقدرات البلاد، لو تحقق الترشيد في التسيير المالي، لو أنفقت ثروات البلاد في “المعقول” لا في الإلهاء والتمييع والعبث.

بخصوص لغة التدريس، تحدثت الوثيقة عن “الهندسة” و”التناوب” و”التعددية” و”الخيارات” بما يوحي أن هناك ضبابية في رؤية مشروع القانون في التعامل مع إشكالية اللغة؟ وتتحدث الوثيقة أيضا عن “إعمال مبدإ التناوب اللغوي من خلال تدريس بعض المضامين أو المجزوءات في بعض المواد بلغة أجنبية”، هل حسم إذن أمر التعريب؟

من القضايا المهمة جدا التي لم تنل حظها من النقاش العلمي في المشروع قضية اللغة، فالمشروع سيرا على نهج مصدره “الرؤية” ومنهله “الميثاق” يؤكد غياب الإرادة السياسية في حسم الاختيار اللغوي لصالح اللغة العربية، ودعك من التمسح بالدستور وباللغتين الوطنيتين، بحكم أن اللغة الحقيقية الرسمية في المغرب هي الفرنسية وبحكم أن التيار الفرنكفوني هو التيار الحاكم المتنفذ في مختلف دواليب البلاد. المشروع واستنادا إلى مرجعياته يعود ليحسم الاختيار لصالح الفرنسية في الابتدائي منذ السنة الأولى، ولصالح التراجع عن تعريب المواد العلمية، ومع إقرار البكالوريا خيار فرنسية. ما زال التناول للقضية اللغوية حبيس التناول التقني الوظيفي، والتناول المرتهن لفرنسا، يتم تغييب اعتبار اللغة ليست مجرد تواصل إنما هي حاملة فكر وهوية وقيم ومشاعر، وعندنا نحن المسلمين حاملة ديننا والمعبرة عن كلام ربنا. هناك تعويم للمسالة وسط مفاهيم التناوب اللغوي والانفتاح اللغوي، والحال أن المقصود هو الانفتاح على الفرنسية المتدنية أصلا في سلم لغات البحث العلمي.

تحدثت الوثيقة في جانب التأهيل في غير ما مكان عن مدد زمنية تتراوح بين ثلاث سنوات وست سنوات، فهل تكفي هذه المدة لإصلاح حجم الفساد الذي ينخر قطاع التعليم؟ خصوصا وأن مشروع القانون نص في آخر مادة، 57، على أنه يتعين على الحكومة “أن تضع برمجة زمنية محددة لإعداد النصوص التشريعية والتنظيمية اللازمة لتطبيقه وعرضها على مسطرة المصادقة” وهو ما سيأخذ وقتا.

سيلحظ الباحث في ثنايا المشروع هذه الروح الإرجائية التي ترهن الإجراءات التدبيرية بسنوات معينة وبنصوص تنظيمية، من ذلك مثلا:

v   فتح التعليم الأولي في وجه جميع الأطفال المتراوحة أعمارهم ما بين 4 و6 سنوات مع دمج هذا التعليم وجعله جزءا من التعليم الابتدائي في أجل ثلاث سنوات حدا أقصى.

v   تحديد مهلة 6 سنوات للتعليم الخصوصي لتوفير حاجياته من الأطر التربوية والإدارة.

v   مراجعة الرسوم المادية المتعلقة بالتسجيل والدراسة والتأمين وباقي الخدمات ذات الصلة في التعليم الخصوصي عبر نص تنظيمي.

v   إلزامية التعليم بالنسبة للأطفال المتراوحة سنهم بين 4 و15 سنة، والتزام الدولة والأسرة والراعي قانونا للطفل بضمان هذه الإلزامية، مع تعبئة الدولة لكل ما يلزم في أجل 6 سنوات لتحقيق هذا التعليم الإلزامي.

v   إنجاز برنامج وطني لتأهيل المدارس العمومية في أجل أقصاه 3 سنوات.

v   العمل على سد الخصاص الحاصل في مؤسسات التربية والتكوين في مدة أقصاها 6 سنوات.

v   إقامة مراكز للدعم النفسي والوساطة داخل المؤسسات لضمان المواكبة السيكولوجية داخل أجل 3 سنوات.

v   عمل الحكومة بشراكة مع الهيئات الأخرى المختصة خلال 6 سنوات على القضاء على الأمية ومسبباتها ومظاهرها.

v   وضع الحكومة لمخطط وطني متكامل لإدماج من هم في وضعية إعاقة أو في وضعية خاصة في المنظومة التعليمية داخل أجل لا يتجاوز 3 سنوات.

v   تمكين المتعلمين من اللغات الأجنبية في سن مبكرة خلال أجل أقصاه 6 سنوات من دخول هذا القانون حيز التنفيذ.

v   إنجاز مراجعة شاملة لنظام التوجيه المدرسي والمهني والإرشاد الجامعي داخل مدة لا تتعدى 6 سنوات.

v   إنجاز مراجعة شاملة لنظام التقييم والامتحانات والإشهاد الكائن في أجل محدد ب 3 سنوات.

  وبعضها حالم وغير واقعي، كحلم القضاء على الأمية ومسبباتها في أجل ست سنوات وهو ما لم تستطعه البلاد في ستين سنة، خاصة بسبب البيروقراطية وطول الإجراءات المسطرية، وغياب الإرادة السياسية أصلا.

هل من كلمة ختامية تبسط فيها خلاصات عامة حول المشروع وتقدم فيها نظرتك لإصلاح التعليم والخروج من متاهات الإصلاح وإعادة الإصلاح؟

نحن بصدد مشروع مفروض مثله مثل الرؤية الاستراتيجية، مثل البرنامج الاستعجالي، مثل الميثاق نفسه، بل مثل كل الإصلاحات التي خرجت من رحم النظام الحاكم. الغريب أن الجهة التي تتصدى للمشروع ولإخراجه، ونصبت نفسها المرجع الذي يرجع إليه، هي مجرد مؤسسة استشارية، ونعني المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي الذي يمارس هنا وضع الرقابة الدستورية على التعليم وقضاياه. والغاية منه هو مزيد من التحكم والضبط الرقابي للتعليم.

النفاذ إلى عمق التحليل يقتضي التصريح بأن النظام الحاكم ماض في استرداد مواقع أقدامه التي أوهم أنه قد تراجع عنها بعد هبّة الربيع العربي والحراك المجتمعي. ذهبت وعود الدستور الممنوح أدراج الرياح، وأعلن عن فشل النموذج التنموي، ثم عادت القبضة الحديدية للقمع والسجن، وتمضي السلسلة لتحيط بعنق التعليم الذي يمعن النظام به في إذلال شعب وإذلال شباب وأجيال لم تستطع سنوات طوال من التدجين والترويض في طمس فطرتها وإسكات توقها للحرية والعدالة والكرامة، ليقر إجراءات عبثية فردية يحسب أنها ستسد الثغور التي قد تطل منها الأصوات المزعجة غير المؤمنة ب”مغرب الاستقرار والاستمرار” المزعوم.

يبقى الحل الناجع استعادة الثقة بالتعليم أفرادا وجماعات، ولا سبيل لذلك إن لم نقطع مع الاستبداد، ومع التحكم، ومع الإملاءات، وإن لم يحتضن التعليم من طرف الشعب والفاعلين والمفكرين والخبراء وذوي المروءات والكل. وإن لم يجتمع هؤلاء الغيورين في جبهة مجتمعية لإنقاذ التعليم وإنقاذ المدرسة وإنقاذ البلاد.