إنه سيدنا عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، أحب سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من نفسه، ومع ذلك، لا يجد حرجا في المعارضة والنصح وإبداء الرأي، بل ويستفهم عن كل ما لا يفهمه، وكم مرة سانده الوحي وأقر رأيه، وكان هذا ديدنه مع غيره ومع نفسه، يقبل النصح ولو كان مرا، “كان أرجح عقلا وأقوى في الدين وأعلى منصبا، (و) كان أكثر تواضعا وأبعد عن الكبر والإعجاب وأعظم اتهاما لنفسه” 1.

أليس هو القائل: “رحم الله امرأ أهدى إليَّ عيوبي” 2، أليس هو الذي جعل الخيرية في الناصح والذي يقبلها قائلا: “لا خير فيكم إذا لم تقولوها ولا خير فينا إذا لم نقبلها منكم” 3 ألم يكن يتهم نفسه بالنفاق ويشدد عليها خوفا من آثاره عليه؟  4بل، من غيره كان يسأل سلمان عن عيوبه مستفسرا وملحا: ما الذي بلغك عني مما تكرهه؟ فيجيبه سيدنا سلمان متمنعا: بلغني أنك جمعت بين إدامين على مائدة وأن لك حلتين حلة بالنهار وحلة بالليل  5.

فلا عجب إذن من موقفه في صلح الحديبية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤيد بالوحي، حين قال: “فَأَتَيْتُ نَبِيَّ اللَّهِ، فَقُلْتُ: أَلَسْتَ نَبِيَّ اللَّهِ حَقًّا؟ قَالَ: «بَلَى». قُلْتُ: أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ وَعَدُوُّنَا عَلَى الْبَاطِلِ؟ قَالَ: «بَلَى». قُلْتُ: فَلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا إِذًا؟ قَالَ: «إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ وَلَسْتُ أَعْصِيهِ، وَهُوَ نَاصِرِي». قُلْتُ: أَوَلَيْسَ كُنْتَ تُحَدِّثُنَا أَنَّا سَنَأْتِي الْبَيْتَ فَنَطُوفُ بِهِ؟ قَالَ: «بَلَى، فَأَخْبَرْتُكَ أَنَّا نَأْتِيهِ الْعَامَ؟» قَالَ: قُلْتُ: لا. قَالَ: «فَإِنَّكَ آتِيهِ وَمُطَّوِّفٌ بِهِ». قَالَ: فَأَتَيْتُ أَبَا بَكْرٍ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا بَكْرٍ، أَلَيْسَ هَذَا نَبِيَّ اللَّهِ حَقًّا؟ قَالَ: بَلَى. قُلْتُ: أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ وَعَدُوُّنَا عَلَى الْبَاطِلِ؟ قَالَ: بَلَى. قُلْتُ: فَلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا إِذًا؟ قَالَ: أَيُّهَا الرَّجُلُ، إِنَّهُ لَرَسُولُ اللَّهِ وَلَيْسَ يَعْصِي رَبَّهُ، وَهُوَ نَاصِرُهُ، فَاسْتَمْسِكْ بِغَرْزِهِ، فَوَاللَّهِ إِنَّهُ عَلَى الْحَقِّ” 6.

وما رُفع الحرج عنه وعن الصحابة جميعا الا بعد أن نزل قوله تعالى: إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَىٰ وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا 7.

رجال وأي رجال، نماذج شامخة في النصيحة لرسوله صلى الله عليه وسلم، وكأنهم كشفت لهم الحجب وطويت لهم المسافات ورأوا بعيون قلوبهم مستقبل حالنا وخمول ذممنا وسكوتنا “عن كلمة الحق أمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر ونصحا خاصا وعاما” 8، هي نفسها العوامل المركزية في سموهم سبب في تأخرنا عنهم.

وإذ لم يخفَ عليهم وضعنا، فقد بدا ذلك واضحا عبر تعرضنا لعوامل التعرية التاريخية والتآكل، فسادتنا الرعوية والامعة والرعونة والاستقالة من مهامنا ومسؤولياتنا، فكان كل تنازل تنازلناه عن حرياتنا 9 وأبسط حقوقنا في التعبير عن الرأي أو النقد، كان ثمنه باهضا وسلبا على الشخصية الذاتية للأمة: علماؤها قبل عامتها، فانفصل العلم عن العمل، آفة أخرى، فغاب الذاكرون الصادقون العلماء العاملون، وحل محلهم آخرون تشبتوا بالعادة ولم يخاطبوا الأمة بعمق ولم يوجهوا لها دعوة تعني مجموعهم ولم يقفوا هم مصداقا لما يدعون إليه ونموذجا ورمزا 10،  باعتبار ذلك واجبا دينيا ضيعناه جميعا، يدخل في عموم الحديث: “الدين النصيحة” 11، وليس حقا فقط. 12

وهذا ما فهمه سيدنا جرير بن عبد الله البجلي الذي قال: “بايعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم”. 13

ولعلنا إذا تتبعنا المعنى اللغوي والاصطلاحي لجذر نصح، لشهدنا حقيقة ما يقصده سيدنا جرير رضي الله عنه بقوله “والنصح لكل مسلم”، فقد ورد عند ابن منظور أن “نصح الشيء: خلص. والناصح: الخالص من العسل وغيره. وكل شيء خلص فقد نصح… والنصح: نقيض الغش مشتق منه نصحه وله نصحا ونصيحة ونصاحة ونصاحة ونصاحية ونصحا، وهو باللام أفصح، قال الله تعالى: وأنصح لكم 14 ويقال: نصحت له نصيحتي نصوحا أي أخلصت وصدقت، والاسم النصيحة. والنصيح: الناصح وقوم نصحاء، ويقال: انتصحت فلانا وهو ضد اغتششته… نصحته صدقته” 15، فكان سيدنا جرير إذا اشترى شيئا أو باع يقول لصاحبه: “اعلم أن ما أخذنا منك أحب إلينا مما أعطيناكه فاختر” 16.

وبالتالي، “متى أصبح النصح لله ولرسوله وللمسلمين، خاصتهم وعامتهم، سلوكا في حياتنا، ومنهاجا لعملنا” 17، انعكس ذلك تجديدا للدين وصلابة في الحق، تحت ظل جماعة متحابة ومرتوية بالصحبة على أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم، دون تعميق خلاف يشتت الصف، أو طاعة منقادة لقائد متسلط، رعوية خاملة، تؤذن باستبداد متفرد يزيغ بالأمة عن جادة النواظم الثلاث، لا قدر الله.

فمن حقنا اليوم، ووضعنا كما نرى ونسمع، تخلف وذل وقهر واستبداد واستبلاد ممنهج عبر وسائل الإعلام والبرامج التعليمية المخربة للأخلاق والقيم… أن نتساءل عن دور النصيحة والتناصح، سلوكا في حياتنا العامة والخاصة، في إعادة بناء ما انتقض من ديننا.

·     ألا من نصيحة تحررنا من القيود والأغلال التي أدمت القلوب والعقول والأبدان؟

·     ألا من نصيحة، تستطيع برجالها حفزنا على مواصلة السير على المنهاج؟

·     ألا من كلمة حق عند سلطان جائر، في زمن اختلاط الحق بالباطل، تغير ما بالأمة من وهن؟

·     ألا من نصيحة عبر السلوك الجهادي تعيد نصح العدل والإحسان والعلم والعمل والدعوة والدولة؟

·     أتستطيع النصيحة تمتين روابط وتماسك وحدة الصحبة والجماعة؟

·     لقد انفصلت الصحبة عن الجماعة، فسادت الدروشة والحركة الجوفاء، أنى للنصيحة قدرة على لمها؟

·     هل من نموذج كامل يحتذى ويقتفى أثره، في زمننا جمع الله على يديه وفيه أنواع النصيحة كلها، نحبه ونسير “بسيره ضد التيار مقتحمين معه العقبة، شاهدا بدعوة قسط وعدل لا شاهدا طبقيا”؟ 18.

·     انفصل العلم عن العمل، آفة أخرى، فغاب الذاكرون الصادقون العلماء العاملون، وحل محلهم آخرون تشبتوا بالعادة ولم يخاطبوا الأمة بعمق ولم يوجهوا لها دعوة تعني مجموعهم ولم يقفوا هم مصداقا لما يدعون إليه ونموذجا ورمزا 19، أتصحح النصيحة ذلك…؟   


[1] عبد العزيز المحمد السلمان، إرشاد العباد للاستعداد ليوم المعاد، مطابع دار طيبة، 2005، عدد المجلدات، الطبعة: 13، ص: 21.
[2] عبد العزيز المحمد السلمان، إرشاد العباد للاستعداد ليوم المعاد، مطابع دار طيبة، 2005، عدد المجلدات، الطبعة: 13، ص: 20.
[3] انظر: وَهْبَة بن مصطفى الزُّحَيْلِيّ، الفِقْهُ الإسلاميُّ وأدلَّتُهُ (الشَّامل للأدلّة الشَّرعيَّة والآراء المذهبيَّة وأهمّ النَّظريَّات الفقهيَّة وتحقيق الأحاديث النَّبويَّة، دار الفكر – سوريَّة – ط: 4، ج: 8، ص: 6211.؟
[4] عبد العزيز المحمد السلمان، إرشاد العباد للاستعداد ليوم المعاد، مطابع دار طيبة، 2005، عدد المجلدات، الطبعة: 13، ص: 20.
[5] عبد العزيز المحمد السلمان، إرشاد العباد للاستعداد ليوم المعاد، مطابع دار طيبة، 2005، عدد المجلدات، الطبعة: 13، ص: 20.
[6] صحيح مسلم كتاب الجهاد والسير باب صلح الحديبية 3/1412 ح 94.
[7] الفتح: 26.
[8] عبد السلام ياسين، مجلة الجماعة، العدد: 8، ط: 1/1981، ص: 90.
[9] عبد السلام ياسين، مجلة الجماعة، العدد: 8، ط: 1/1981، ص: 90.
[10] ياسين عبد السلام، الإسلام غدا، ص: 648. بتصرف.
[11] رواه مسلم عن أبي رقيَّة تميم بن أوس الداري.
[12] وَهْبَة بن مصطفى الزُّحَيْلِيّ، الفِقْهُ الإسلاميُّ وأدلَّتُهُ (الشَّامل للأدلّة الشَّرعيَّة والآراء المذهبيَّة وأهمّ النَّظريَّات الفقهيَّة وتحقيق الأحاديث النَّبويَّة، دار الفكر – سوريَّة – ط: 4، ج: 8، ص: 6210.
[13] البخاري (ح7204) ومسلم (ح56).
[14] الأعراف، الآية: 62.
[15] أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم، ابن منظور، لسان العرب، دار صادر 2003، حرف النون، مادة نصح، ج: 14 ص: 269.
[16] فتح الباري شرح صحيح البخاري، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، دارالريان للتراث: 1407هـ / 1986م ، ثلاثة عشرجزءا، كتاب الايمان، ص: 168.
[17] ياسين عبد السلام، المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا، ص: 188، انظر سراج.
[18] ياسين عبد السلام، الإسلام غدا، ص: 645.
[19] ياسين عبد السلام، الإسلام غدا، ص: 648.