خمسة وعشرون عاما مرت على اتفاقية أوسلو، والتي تم توقيعها في 13 سبتمبر/ أيلول 1993، بين الكيان الصهيوني ومنظمة التحرير الفلسطينية.

اتفاقية اعترفت فيها المنظمة بحق “دولة إسرائيل” في العيش في سلام وأمن على 78% من أراضي فلسطين )أي ما عدا الضفة والقطاع( وحل القضايا الأساسية المتعلقة بالأوضاع الدائمة من خلال المفاوضات، على أن تبدأ حقبة جديدة خالية من العنف، وأدانت فيها المنظمة استخدام “الإرهاب وأعمال العنف الأخرى”، والتزمت بتعديل بنود الميثاق الوطني للتماشى مع هذه الاتفاقية، وبإلزام كل عناصر أفراد منظمة التحرير بها. وفي مقابل ذلك التزم الصهاينة بالاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل للشعب الفلسطيني، وبدء المفاوضات معها، على أن تنسحب “إسرائيل” من أراض في الضفة الغربية وقطاع غزة خلال خمس سنين على مراحل بدءا بأريحا وغزة اللتين تشكلان 1.5% من أرض فلسطين. فيما تقر “إسرائيل” بحق الفلسطينيين في إقامة حكم ذاتي – وليس دولة مستقلة ذات سيادة – على الأراضي التي تنسحب منها في الضفة الغربية وغزة.

كما تم الاتفاق على إقامة مجلس تشريعي منتخب للشعب الفلسطيني في الأراضي الخاضعة للسلطة الفلسطينية، وإنشاء قوة شرطة من أجل حفظ الأمن في الأراضي الخاضعة للسلطة الفلسطينية، وعلى أساس أن “إسرائيل” هي المسؤولة عن حفظ أمن منطقة الحكم الذاتي من أي عدوان خارجي، ثم بعد ثلاث سنين تبدأ “مفاوضات الوضع الدائم” تجري خلالها مفاوضات بين الجانبين بهدف التوصل لتسوية دائمة. وتشمل هذه المفاوضات القضايا المتبقية بما فيها: القدس واللاجئون والمستوطنات والترتيبات الأمنية…

والآن، وبعد ربع قرن من هذه الاتفاقية المشؤومة، وبعد مسار طويل ومتاهة مضللة من التسويفات ومن التنازلات ومن التراجعات ومن الأماني الكاذبة، أفاقت الأمة على شمس الحقيقة الحارقة، وعلى صدمة الكذبة التاريخية المرة التي سوق لها عرابو القضية الخاسرة من أول يوم صدّق فيه المصدقون أن العدو يمكن أن يتنازل مع مرور الزمن الذي لا يزيده إلا قوة وتجبرا، أو أن ما أُخذ بالقوة يمكن أن يسترد بالمفاوضات، أو أن من كان خصما وحكما في آن يمكن أن يعترف لنا بحق مهما كان قليلا.

وكانت قاصمة الظهر في هذا المسار المنحدر بالقضية الأولى للأمة إلى الهاوية أن توجت اتفاقية أوسلو مسارها بأكبر هدية تلقاها الكيان الصهيوني وهي اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بالقدس المحتلة عاصمة أبدية للصهاينة في 15 ماي 2018 التي تزامنت مع الذكرى السبعين لضياع الأرض المباركة، وما هي إلا حلقة من سلسلة حلقات “صفقة القرن” التي يسوق لها دونالد ترامب.

وآخر هذه الحلقات، إضافة إلى وقف تمويل الولايات المتحدة للأونروا وإغلاق مكتب منظمة التحرير بواشنطن، ما ألمح إليه وزير المواصلات والشؤون الاستخبارية الصهيوني يسرائيل كاتس من أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تعكف على صياغة مخطط هدفه توطين اللاجئين الفلسطينيين في كل من الأردن ولبنان وسوريا والعراق. وهو مخطط ومطلب إسرائيلي قديم طفا على السطح في مع مخطط “صفقة القرن”. 

وفي الليل الحالك الذي يغطي القضية الفلسطينية منذ استهلال مسار أوسلو، يشع مسار المقاومة الذي تقوه حماس وباقي الفصائل المقاومة خاصة في غزة، فينير الطريق أمام الإرادات الصادقة التي أبت أن تبيع القضية في المزاد الإقليمي أو الدولي، على الرغم من الحصار العاتي الذي يطبق على المقاومة في غزة منذ أكثر من عشر سنين، وعلى الرغم من سلسلة الحروب العدوانية التي خاضها العدو الصهيوني ضد القطاع في العشرية الأخيرة، وعلى الرغم من تعاطي الأنظمة مع القضية ما بين اللامبالاة والتواطؤ والخيانة.

فهل يراجع الفلسطينيون ما بنوه على أوسلو من أحلام فيفيقوا وينهضوا ويوجهوا دولاب السفينة الوجهة الصحيحة؟

ومتى يعون بأن القضية لا يمكن أن تنتصر إلا بالمصالحة والوحدة في وجه العدو الأبدي؟

وكيف تستثمر الأمة قدسية القضية وعدالتها ومظلومية الشعب الفلسطيني وتضحياته في الانتصار للحق؟

وإلام ننتظر من المنتظم الدولي أن يكون أرحم بالفلسطينيين من أنفسهم؟

أسئلة تحتاج إلى جواب.