خصت قناة الشاهد حلقة “حدث الأسبوع” الأخيرة لموضوع جديد الدخول المدرسي لهذه السنة، واستضافت لمناقشته الكاتب الوطني لقطاع التربية والتعليم لجماعة العدل والإحسان الأستاذ محمد الريمي.

في بداية الحلقة طرح المنشط الأستاذ محمد اليقيني على ضيفه الموضوع الذي أثار ضجة اجتماعية مؤخرا، وهو استعمال المصطلحات الدارجة في مقررات التعليم، واعتبر الأستاذ الريمي “هذا الحديث عن المناهج والذي أثار نقاشا حادا في مختلف الأوساط الاجتماعية، انعكاسا من بين انعكاسات عدة لأزمة حقيقية في المنظومة مرتبطة بأزمة المناهج التربوية وضرورة تطويرها، وضرورة تبني مقاربات جديدة ومتجددة في بلورتها”، وأن “النقاش الحقيقي في نظري ينبغي أن يتوجه إلى قضايا أهم، وهي قضايا السياسة التعليمية في المغرب؛ توجهاتها وآفاقها ومخرجاتها”.

وأبدى ضيف الحلقة ملاحظاته على موضوع مشروع القانون الإطار 17- 51، قائلا: “هذا القانون/الإطار جاء ليشكل إطارا قانونيا وتنظيميا لتنزيل ما سمي بالرؤية الاستراتيجية، تضمّن مرسوما ومجموعة من القوانين التنزيلية لمجموعة من الإجراءات والمشاريع التي جاءت بها الرؤية الاستراتيجية، بناء على مجموعة من التشخيصات لواقع منظومة التربية والتكوين في المغرب”، وأضاف “لكنه في نظري اعترضته مجموعة من الاختلالات” أجملها في:

“1- أنه جاء محكوما بنفس العقلية ونفس المنطق الذي حكم الإصلاحات السابقة، والتي من أهمها وأبرزها غياب المقاربة التشاركية وغياب الحوار المجتمعي الذي ينبغي أن يؤطره.

2- أنه قفز على الإشكالات الحقيقية والأزمة الحقيقية التي كانت سببا في فشل المشاريع السابقة.

فإذن هو قانون إطار تضمن مجموعة من المشاريع، لكن هذه المشاريع كان ينبغي أن تخضع لنقاش مجتمعي وإشراك للفاعلين الحقيقيين والممارسين، إضافة إلى مجموعة من الإشكالات التي اعترته، حيث سقط في منطق المشاريع واللجان والمؤسسات ولم ينفذ إلى عمق المشكل.

3- أنه تبنى مجموعة من الآجال والمواعيد التي يصعب تنزيلها وتنفيذها، لذلك سنقع في نفس المشكل الذي وقعنا فيه إبان الميثاق، فجاء كبرنامج استعجالي من أجل تسريع وتيرة الإصلاح، أعطيكم أمثلة: وضع تأهيل جميع المؤسسات التعليمية في ظرف ثلاث سنوات، والقضاء على الأمية في ظرف ست سنوات، وإنشاء مراكز للدعم في ظرف ثلاث سنوات. وهي آجال يصعب الوفاء بها، وبالتالي سنجد أنفسنا دائما ندور في نفس الحلقة التي هي: الإصلاح – وتعجيل وتيرة الإصلاح – وإصلاح الإصلاح، وهي حلقة مفرغة، لأننا افتقدنا فعلا البوصلة الحقيقية في تدبير إصلاح منظومة التربية والتعليم في بلادنا”.

وانتقل الفاعل التربوي لنقطة أساس، وردت في مشروع القانون/الإطار، وهي عزم الدولة على إلغاء مجانية التعليم، موضحا: “تضمن القانون/الإطار مجموعة من البنود والمواد تحت مسمى كبير وهو تنويع موارد تمويل المنظومة، وتضمن مجموعة من المواد خاصة المادتين 11 و45 اللتين تتكلمان عن رسوم للتسجيل بالتعليم العالي ثم بالتعليم الثانوي بالتدرج وبمساهمة الأسر الميسورة في تمويل منظومة التربية والتكوين”، ومبرزا أن “هذا اللجوء إلى خيار البحث عن موارد جديدة في التمويل وضرب مجانية التعليم جاء محكوما بمجموعة من الأسباب العميقة”، محصيا إياها في:

“1- منطق الارتهان لمؤسسات مالية التي تدعو إلى ضرورة تقليص الإنفاق على المجالات الاجتماعية.

2- استمرار العقلية التي كانت سببا في استفحال أزمة منظومة التربية والتكوين عبر مسارات الإصلاح، وهي النظر إلى التعليم باعتباره يشكل عبءا ماليا وتدبيريا، وهي نظرة قاصرة، على اعتبار أننا حينما نتحدث على الإنفاق على التعليم فإننا نتحدث عن الاستثمار، وبالتالي مستقبل الأجيال”. وأضاف مجليا أننا إذا قارنا “الإنفاق على التعليم بدول أخرى، نجد أن المغرب لا يزال متأخرا كثيرا عن مجموعة من الدول، فمقارنة مع فرنسا مثلا لا نشكل من حجم إنفاقها على قطاع التعليم إلا 1/15”.

وفي ذات المحور، نبه المتحدث إلى أننا “عندما نتكلم عن الأسر الميسورة فيصعب أن نحدد هذه الأسر، ثم إن غالبية هذه الأسر دفعت أبناءها إلى التعليم الخصوصي”. ليخلص إلى أن “الحديث عن البحث على موارد للإنفاق على التعليم وثقل ميزانية التعليم هو حديث في غير محله”. مؤكدا أنه “يجب أن نقتنع أن المدخل الحاسم والطريق السيار لتحقيق الإقلاع الاقتصادي يجب أن ينطلق من التعليم، يجب المراهنة على التعليم، فمهما غلت تكلفته فلن تصل أبدا إلى تكلفة الجهل”.

ولفت إلى أنه “يمكن تدبير ميزانية التعليم بشكل أفضل، والحصول على موارد إضافية فقط من خلال ترشيد النفقات ومحاربة الفساد، خاصة إلى علمنا أنه من بين هذه الميزانية التي يقال عنها إنها ضخمة وتستنزف موارد الدولة يُطرح السؤال: كم يصل إلى المتعلم بشكل مباشر من هذه النفقات؟”.

وفي محور آخر، عد الكاتب الوطني لقطاع التربية والتعليم لجماعة العدل والإحسان مشكل الأساتذة المتعاقدين الذين يخوضون معركة نضالية حتى تحقيق مطلب الإدماج في الوظيفة العمومية “تجل آخر من تجليات الأزمة في تدبير الموارد البشرية للقطاع”،  مبينا أنه “بالأمس القريب كنا نتحدث عن ضرورة تأهيل الأطر وتكوينها تكوينا صالحا كي تلج ميدان التربية والتكوين وهي مزودة بالكفاءة الكافية واللازمة، الآن تم اعتماد منطق آخر وهو منطق التوظيف بموجب عقود، وفي هذا ضرب للاستقرار المادي والاجتماعي والنفسي لرجل التعليم وامرأة التعليم، ونعلم حتما أن رجل التعليم إن لم يكن آمنا في سربه، مستقرا في معاشه، له قوت يومه، ويحظى بالقدر الكافي من الكرامة اللازمة ومن الاستقرار فإنه لن يعطي الكثير”،  ومؤكدا أن هذا الشكل من أشكال التوظيف “مظهر آخر من مظاهر ضرب جودة التعليم”.

وجوابا على سؤال اعتماد هذا التوظيف في دول أخرى، قال الريمي إن هذا التوظيف “يأتي في سياق آخر مخالف تماما، فهناك نظام للشغل يحمي الموظف ويعطيه حقوقه كاملة ويستفيد فيه من مجموعة من الأمور، لكن أعتقد أن التعاقد في ميدان التعليم بالضبط هو أمر خطير جدا، ولذلك كانت صرخة هؤلاء الأساتذة صرخة قوية ومدوية والدليل على ذلك تعاطف وتضامن مختلف الهيئات النقابية والسياسية والجمعوية مع نضالاتهم، على اعتبار أن هذا الشكل من أشكال التوظيف لا يمس فقط الاستقرار المادي لهذه الفئة ولكن يمس في العمق جودة التعليم ومستقبل المدرسة العمومية، بل فيه إيذان بالتوظيف عن طريق عقود الإذعان والتخلي المباشر عن الموظفين، خاصة إذا استحضرنا هذا التوسع الكبير للتعليم الخصوصي”.

وحول انعكاس هذه المشاكل على الدخول المدرسي، نوه الريمي بكون “الدخول المدرسي في دول فيها أنظمة تربوية محترمة يشكل عيدا، يتم فيه الاحتفال بالمتعلمين وبالعلم وفضله، والاحتفاء بجهود رجال ونساء التعليم، لكن في وطننا الحبيب الدخول المدرسي يأتي على إيقاع الاحتجاج، حيث منذ البدايات الأولى للدخول المدرسي تخوض مختلف فئات قطاع التربية والتعليم مجموعة من الاحتجاجات، الأساتذة المتعاقدين، والأطر الإدارية والحراس العامون، والمفتشون.. إذن فمختلف هيئات المنظومة تحتج، وتعلن بصوت واحد أن هناك أزمة ومشكل حقيقي في المنظومة، وزاد من الأمر إشكال المناهج التربوية”. وأضاف متأسفا “كنا نتمنى أن يكون الدخول المدرسي متميزا وجديدا، يسوده الاحتفال والفرح وتقدير قيمة وجهود رجال ونساء التعليم، لكنه لم يحمل جديدا غير هذا الذي ذكرنا”.

ولمواجهة هذه الاختلالات التي يعرفها قطاع التعليم، أدلى مفتش التعليم الابتدائي بمجموعة من المقترحات من أجل النهوض بالمنظومة التعليمية في بلادنا، قائلا: “نعتقد أن المدخل الأسلم لبناء إصلاح حقيقي لمنظومة التربية والتكوين وتجاوز الاختلالات العميقة وخيبات الأمل المتتالية للإصلاحات الكثيرة التي عرفها المغرب يجب أن ينطلق من حوار مجتمعي شامل صريح وعميق، يتم فيه استحضار مختلف الفاعلين والمتدخلين والشركاء من أجل صياغة مشروع تربوي اجتماعي شامل، يستحضر حاجات الوطن وتطلعات الأجيال المقبلة والرهانات المعقودة عليها، ويتضمن كذلك تحديدا دقيقا للمسؤوليات ومتابعة برامج الإصلاح، مشروع يشارك فيه الجميع وينخرط فيه الجميع ويتعبأ له الجميع، تكون أهدافه واضحة ومراحله مضبوطة، ويتم فيه فعلا ربط المسؤولية بالمحاسبة”، معتبرا هذا المدخل الأول. وزاد باسطا “المدخل الثاني: نرى أنه لا يمكن أن ننهض بقطاع التربية والتعليم إن لم ننهض بالقيمة الاعتبارية لرجال ونساء التعليم في البلد”. و“المدخل الثالث: نرى أنه لا إصلاح لنظام التربية والتكوين بدون إصلاح المنظومة القيمية للمجتمع، وإعطاء قيمة لفضل العلم، وفضيلة التعلم”. و“المدخل الرابع: ربط التعليم بهوية الأمة، وواقع الناس وبالحاجات الاجتماعية، بمعنى ربط التعليم بسوق الشغل لنحصل فعلا على تعليم ناجع، يحقق أهدافه، ويدمج أبناءه بشكل سلس وفعال في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية”. مشددا على أنه “دون هذه المداخل لن نعدو أن نعيد الكرة، ونعيد محاولات الإصلاح، ثم إصلاح الإصلاح”.

وفي آخر الحلقة أرسل الناشط التربوي رسائل للفاعلين في القطاع، حيث وجه “الرسالة الأولى لصناع القرار التربوي في هذا البلد؛ نقول لهم إنه آن الأوان، إن لم يكن قد فات، للاستماع لنبض الشغيلة، لصرخاتهم المتتالية التي تتفق على أمر واحد وهو ضرورة إصلاح حقيقي وجذري للمنظومة، هذه الأصوات ليست أصواتا مشاغبة، هي أصوات صادقة حرَّى، تدعو لضرورة تفادي انهيار منظومة التربية والتكوين”، كاشفا أنه “لطالما نادينا في قطاع التربية والتكوين، في بياناتنا المتعددة، إلى ضرورة رص الصفوف وتشكيل جبهة موحدة وطنية للدفاع وحماية المدرسة المغربية، وإلى الارتقاء بدور ووظيفة المدرسة في المغرب”.

وتوجه الريمي في الرسالة الثانية لرجال ونساء التربية والتعليم، مذكرا إياهم بأنه “ينبغي أن نثق في المدرسة، ينبغي أن نستحضر شرف المهنة ورسالية التكليف، ينبغي رغم كل هذه الظروف أن نخلص العمل، ينبغي المزيد من التضحية خدمة لهذا الوطن ولأجيال المستقبل، ينبغي أن لا تلهينا أبدا هذه المشاكل والعراقيل والصعوبات عن رسالتنا الشريفة ومهمتنا الرسالية”.

وفي رسالته الثالثة حضَّ الريمي الأسر المغربية على بذل “مزيد من الجهد لنحتضن أبناءنا وبناتنا، لنربيهم تربية صالحة، لنوجههم التوجيه الأسلم، لنشارك بمسؤولية وبقوة في تغيير وفي بناء منظومة للتربية والتكوين والدفاع عنها”.

ودعا الريمي، في رسالة رابعة، مختلف الهيئات المهنية والنقابية “أن نوحد الصف ونجمع الكلمة للدفاع عن منظومة التربية والتعليم وحمايتها من الانهيار، فهو الجدار المتبقي أمامنا لكي نحفظ هذا الوطن ونحمي أبناءه ونحمي تاريخنا”.

وختم برسالة أخيرة اعتبرها “هي الأهم وهي الأساس، لأبنائنا وبناتنا المتعلمين والمتعلمات والطلبة والطالبات؛ ينبغي أن نقدر قيمة العلم وقيمة بذل الجهد في العلم، وأن نبذل العلم إخلاصا لله وطلبا لوجه الله الكريم، ينبغي أن نطلب العلم بقوة وبشرف، فالعلم أساس التشريف والتمييز”، مستحضرا قول الله عز وجل: قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون.