الخلق الحسن قنطرة الأرواح

روى الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: “الأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ” 1.

حديث عظيم يدلنا المعلم المعصوم صلى الله عليه وسلم فيه على سبب من أسباب تآلف الأرواح: التعارف وما يدخل في نطاقه من قول المعروف وفعل المعروف ما عظم منهما وما كان دقيقا لا يأبه له.

فلا جهاد بلا تآلف ولا تآلف بلا تعارف مبناه ومعناه الخلق الحسن والأدب الرفيع، قال الله تعالى يخاطب عبده ورسوله محمدا صلى الله عليه وسلم بلسان المنة والنعمة: هو الذي أيدك بنصره وبالمومنين وألف بين قلوبهم.

يطول علينا أمد الأخوة، فنُنَسى قداستها ونتعود على خرمها بما يسيء إليها ويبخسها حقها، وشيئا فشيئا تغدو علاقاتنا مجاملات جوفاء وصبرا مرا، لا ينتج عنه إلا النزاع والفشل وذهاب الريح.

الخلق الحسن شرط لغايتين

الخلق الحسن والأدب ضرورة إحسانية لمن يروم القرب من الله ومن رسول الله عليه الصلاة والسلام، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن من أحَبكم إليَّ وأقرَبكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسِنكم أخلاقا. وإن أبغضكم إلي وأبعدَكم مني مجلسا يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيقهون”. قالوا: يا رسول الله! قد علمنا الثرثارون والمتشدقون. فما المتفيقهون؟ قال: “المتكبرون” 2.

وجمال الحال والمقال ضرورة جهادية لمن ينشد دولة العدل والشورى، يراقب المجاهد باطنه كما يراقب ظاهره، ليكون شامة بين الناس يحبب إليهم دين الله ويرغبهم في دولة القرآن، دولة الرحمة والحكمة، دولة الجلال والجمال. يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: (إن رسالتنا، معشر خير أمة أخرجت للناس، أن نحمـل للعالمين بلاغ الإسلام وبيانه. وأولُ هدفٍ ذو مغزىً رسالي للتنمية والقوة في حقنا هو أن نكونَ حاملي رسالة نموذجيِّين، من كمال سِفارتنا وشروط نجاحها أن نتقدم إلى الناس في حلة العافية والغِنى والنظافة والجمال لا في أسمال متسولين جائعين مهزولين) 3.

خلق رسالي

غاية المؤمنين الأرضية بناء دولة مؤمنة عادلة عزيزة، من سمات عزتها شهادتها على الأمم، ومن تمام شهادتها نموذجيتها في كل جانب من جوانب الحياة الفردية: حسن خلق وجمال سمت ولياقة ولباقة وحضارة. (جمالُ النفس المومنة وطمأنينتُها يتجلى في سيما الوجوه الساجدة المنورَةِ، وفي جمال السلوك الخلُقِيِّ من صبر جميل، وصفح جميل، وسَرَاح جميل، وهجر جميل كما جاء في القرآن. وينبغي للمجتمع الإيمانيِّ أن يكتسي بالسَمْتِ الجميل والمظهر الكريم النظيف. لا تَرَفَ ولا زخرفة، لكن المظهرُ اللائقُ البسيطُ، الجميلُ ببساطته وبما ينِمُّ عنه من جمالٍ في الباطن. في الحديث: “إن الله جميلٌ يجب الجمال”. فيرَبَى النشءُ على دوام الطهارة والنظافة، والسواك، والتطيب، والعناية بخصال الفطرة من شعر وأظفار. ويُرَبَوْنَ على لُبس اللباس البسيط الأنيق بلا ترف ولا تَشَبّه بالكفار ولا تكبر، وعلى ترك الزينة الحرام، وعلى الكلمة الطيبة، والحياء والوقار، والبِشْرِ الدائم والابتسامة المشرقة، وكلمة السلام عليكم، وتشميت العاطس إلى سائر ما فصلته السنة النبوية من جماليات وآداب… روى أبو داود رحمه الله بسند حسن عن أبي الدرداء رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: “إنكم قادمون على إخوانكم. فأصْلِحوا رِحالَكم، وأصلِحوا لباسكم حتى تكونوا شامةً بين الناس. وإنَّ الله لا يُحب الفُحْشَ ولا التَفَحُّشَ.

والفحش هنا بمعنى الغِلظة والجفاء في المظهر. ألا وإننا حَمَلَةُ رسالة سماوية، فلنَبْرُزْ لِلناس بصورة جذابة، ولنَكُن شامةً بين الأمَم نُلْفِتُ الأنظارَ بجمال خُلُقِنا وأفعالنا ومظهرنا.) 4.

من أحكم الجزئيات ملك الكليات

يتحدث الأستاذ محمد أحمد الراشد عن الخلق الحسن وأولويته في سلم الشروط المطلوب تحققها في الدعاة، بل في كل مسلم ومسلمة، فنحن أحوج ما نكون إلى جزئيات التربية الجمالية وصغائرها تقربا إلى الله وتحببا إلى العالمين. (وتجب على الداعية المسلم سلسلة طويلة من الذوقيات ينبغي أن يضعها في حسابه، وأن يكون بالغ الحساسية إذ هو يتصرف ويخالط ويشافه ويأكل ويشرب ويزور ويستعمل الآلات، فيحرص على أن يظهر الرقة والنظام والنظافة والحفاظ على حقوق الآخرين.

– ففي نظافة البدن والملبس: نحب للداعية، أن يكون كثير الاغتسال وخاصة أيام الحر حيث يعرق البدن، بحيث لا تشم منه رائحة العرق ولا من قميصه ولا من جوربه حين ينزع حذاءه في المساجد والمجالس.

– وأن ينظف أسنانه بالسواك أو الفرشاة أو بهما معا عدة مرات في اليوم، وخاصة عند التوجه إلى المسجد أو إلى النوم، وأن يقص شعره عند الحلاق ولا يتركه ليكون جمه، وأن يحجر أسفل كعب قدمه كل أسبوع.

– وفي مجالسة الآخرين والحضور الاجتماعي: نكره للداعية أن يقص أظافره في مجلس، أو يضع رجلا على رجل أمام من هو أكبر منه سنا أو مقاماً، إلا أن يكون بين أقران، وهذه العادة ما زالت تعتبر عند الأتراك أشبه بالكبائر، ولو فعلها داعية لترك مجلسه الناس، وأنكر من ذلك أن يرفع قدمه ويضعها على ركبته الأخرى بحيث تكون أفقيه ويتوجه أسفل كعب حذائه إلى وجه أحد الجلساء.

– وفرقعة الأصابع أو عظام الرقبة في المساجد والمجالس قبيحة، وكذا كثرة التنخم والنحنحة، أو التمخط بصوت عال، ولو استطاع أن يقوم ليتمخط في بيت الخلاء، أو الحمام لكان أجمل، وليكن المنديل معه دائماً، ومناديل الورق، وليكتم التجشؤ قدر استطاعته، فإن تساهله فيه إنما هو من العيب الشديد.

– وليحذر المؤمن أن يشفط الحساء أو غيره بصوت عال، فإنه عيب، أو أن يصدر صوتاً من شفتيه بعد بلع اللقمة، أو أن يبالغ في مص أصابعه.

– وليكن طرق الباب برفق، ولمسة الجرس قصيرة، ليست متصلة مجفلة ويكون الوقوف بعد الطرق جانبا لا أمام الباب.

– ومن الظلم أن يستهين زائر بأوقات الناس فيتأخر كثيراً عن الموعد ولا يأبه، وأظلم منه من يتشبه بالغربيين فيحاسب على تأخر دقائق قليلة.

– وبيوت المؤمنين مساجد، ولذلك نكره أن يدخل الزائر بحذائه إلى الغرف، بل يخلعه عند الباب وليعلم امرأته وأولاده ذلك أيضا.

– وفي السلام والتحية: نكره أن يصافح بيد مرتخيه، ولا بيد حديدية، والسلام الجاف بكلمة واحدة بدعة وجفاء، وأشد ابتداعا منه تكرار السلام حتى يضجر المقابل، ونكره القبلة بين الرجال، مع أنها عرف قوي، ونتمنى أن يسود عرف بديل عنها فيه مجرد التعانق أو الاكتفاء بوضع اليد اليسرى على كتف المقابل.

– وفي استعمال السيارة: نلتزم نحن دعاة الإسلام بقواعد المرور، ونحب أن تكون سيارة المؤمن نظيفة مثل داره وثوبه.

– ولا يليق أن تقف أمام بيت صاحبك وتنادي عليه بمزمار السيارة، لئلا تزعج جيرانه.

– وإذا سقت سيارتك في طريق ترابي وقاربت أحدا يمشي فاخفض السرعة إلى أدنى ما تستطيع، لئلا تؤذيه بالغبار.

– وإذا سبقك سائق بجهل منه وأخذ دورك في المرور أو في احتلال موقف فلا تسابقه، بل اصبر وكن أرفع منه.

– ولا تحرص على إيقاف سيارتك في ظل بيتك أو بيت جارك بحيث تمنع مرور السابلة -الراجلين- قرب الحائط، فترتضي لسيارتك الظل، وللناس الحر.

– وقم في الحافلة للمرأة وأعطها مكانك، ولا تزاحم عند الركون، ولا تضايق قارئ الجريدة الجالس إلى جنبك بالنظر في جريدته.

– وفي استعمال الهاتف: لا تطل الكلام ولا ترفع صوتك تظن أن المكالمة يقتضيها ذلك، ما لم يكن الجهاز رديئا، ودع صاحبك ينام إذا انتصف الليل أو قارب، لا تزعجه بمكالمة، ولا بعد الفجر.

– واذكر اسمك لمن تكلمه إن لم يعرفك، لا تتشبه بمن يطلب من المجيب أن يعرف من هو.

– وإذا اتصلت ببيت أخ لك ولم تجده وأردت إخبار أهله باسمك فلا تذكر كنيتك فقط إذا شاركك أخرون بها، فيلتبس الأمر عليه .

– وإذا خرجت من الصلاة وبيدك نعلك فلا ترمه على الأرض وأنت واقف، لأنه سيحدث ضوضاء، ويثير وسخا في وجه من انحنى للبس حذائه، ولكن اقترب بيدك من الأرض بالانحناء، وضعه برفق.

– وإذا سرت عند جدار وقاربت نهايته عند زاوية يتعطف فيها الطريق فابتعد عن الجدار، إذ ربما فاجأتك عند الانعطاف امرأة، بل أي سائر، وقد يكون ما تكره، من وسخ أو غيره.

– والمؤمن أجل من أن يبصقوا في الشارع، إلا في ناحية فيها تراب عند الضرورة واستعمال المناديل واجب، ولا نلقي زجاجة فارغة في الشارع أو عليه أو منديلا مستعملا.

– ونعبر من عند الأماكن المخططة ما استطعنا..

– وفي اللغة والتعبير وعموم الكلام، لسنا نكثر أن نقول: يعني، يعني. أو نقول: ها، ها. بل نجزم ونعود ألسنتنا الاسترسال والطلاقة.

– وفي المطعم والسوق: نحب للداعية أن يمنح شيئا من المال لفتيان المطعم والمقهى إذا انتهى وأراد القيام، وأن يجزل أجرة الحمال والسائق.

– والمؤمن ليس ملحاحا في مساومة الباعة، ولا أن يضع نفسه في زحمة العامة من الناس إذا تقاتلوا في البلاد الفقيرة على طعام يباع بتخفيض.

– وفي استعمال الكتب: لا تضع خطوطا تحت الجمل المهمة إذا كان الكتاب ليس لك، ولا تجعله بين يدي أولادك ليمزقوا غلافه ويشوهوا صفحاته، وأرجع ما استعرت في وقت مناسب، فإنها حسرة دائمة يتحدث بها أصحاب المكتبات الشخصية الجيدة: أن إخوانهم أضاعوا كتابا نادرا لهم، أو أتلفوا بعض أجزاء الكتاب متعدد الأجزاء.

– ونكره لمن يستمع درسا أو ينصت لحديث أن يسبق المتكلم بذكر نهاية قصة يسردها، أو تسمية كتب يذكرها، كأنه يبرهن على أنه يعرف مثل معرفة المتكلم.

وكان السلف ينكرون الذوق النابي، كعطاء بن أبي رباح التابعي – رحمه الله فقد:

(حدث رجل بحديث فاعترضه رجل، فغضب عطاء، فقال: ما هذه الأخلاق، ما هذه الطباع؟ والله إن الرجل ليحدث بالحديث لأنا أعلم به منه، ولعسى أن يكون سمعه مني، فأنصت إليه وأُريه كأني لم أسمعه قبل ذلك). 5.

الخلق الحسن مشروع العمر

وأخيرا، وليس آخرا، فالأمل في جمال القلب والقالب معقود بعد الله تعالى الرب الكريم على المراقبة الدائمة لأنفسنا، ثم على استعدادنا لتقبل نصائح من حولنا، فالمؤمن مرآة أخيه،كما أن طلب الكمال الخلقي مشروع حياتي نقطة نهايته لقاء الله تعالى بقلب سليم. يقول الإمام الشعراني:

(ومن آدابهم لا يغفلون عن تفتيش باطنهم، فإن الأخلاق الردية كامنة في العبد، ومعلوم أن الفقراء إذا ترقوا في المقامات كان وقوعهم في المعاصي الظاهرة معدوما غالبا، فيقنع أحدهم بذلك وينسى تفتيش باطنه، وهو قصور عن درجة أهل العرفان. ومن ظن أن الأخلاق الردية زالت عنه فقد وهم. قال تعالى: ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون) 6.

وإجمالا لما فصل من الكلام، وطمعا في بلوغ المرام، نختم بقطف جميل لرجل ما فتئ يدعو إلى الجمال ويربي على الجمال:اجمعْ إلى ظَاهــرٍ نظيـفٍ *** بَـواطنا مِنْك لا تُعـابُ

فأحْسَــنُ السمتِ رَوْضُ *** زَهْرٍ شَمَـائِلٌ عِندَهُ عِذَابُ

لِلْبِشْرِ فِي وَجْهِهِ شُــرُوقٌ *** ولَيْسَ مِنْ شأنه اكْتِئـابُ

يَحْلُو سَمــاعُ الحديثِ مِنْهُ *** ويُقْبَلُ النُّصحُ والعِتـاب

يُمَيِّزُ الصـالحين مِنَّا *** ملاَمِحُ الوجهِ والخِطــابُ

كُنْ شامَةً في الوَرَى جمَيلاً *** يُحِبَّك اللهُ والصِّحــابُ

صل يا ربَّنا على مَن *** شِيَمٌ مِنْهُ تُسْتَطـــابُ 7.


[1] صحيح البخاري: كتاب أحاديث الأنبياء: باب الأرواح جنود مجندة.
[2] رواه الترمذي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه بسند حسن.
[3] الأستاذ عبد السلام ياسين، العدل.. الإسلاميون والحكم.
[4] الأستاذ عبد السلام ياسين، إمامة الأمة- ص: 188-189.
[5] محمد أحمد الراشد، تقرير ميداني.
[6] الإمام الشعراني، المختار من الأنوار في صحبة الأخيار.
[7] * الشامة: العلامة المتميزة. وفي الحديث: “أصلحوا رحالكم ولباسكم حتى تكونوا كأنكم شامة بين الناس، فإن الله عز وجل لا يحب الفحش ولاالتفحش” أي الظهور بالمظاهر المزرية.
الأستاذ عبد السلام ياسين، قطوف3 – قطف176 ص28.