افتتح الأستاذ محمد عبادي الأمين العام لجماعة العدل والإحسان ثاني مجالس النصيحة للسنة الدعوية الجديدة، والتي تزامنت مع السنة الهجرية الجديدة.

افتتح فضيلته كلمته في هذا المجلس بالدعاء “أن يجعلنا الله وإياكم من المهاجرين إليه وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم آناء الليل وأطراف النهار، ويحقق فينا معاني الهجرة”.

وبعد أن ذكّر أن “في مثل هذه المناسبات يكثر الحديث عن الهجرة؛ مداد يسيل ومحاضرات وندوات ودروس ومواعظ في المساجد، والغاية من الحديث عن الهجرة هو استخلاص الدروس من الهجرة”، تساءل: “ما هي ثمرات الهجرة؟”.

وأجاب قائلا:

“الهجرة نشأ عنها المجتمع المؤمن المسلم المتضامن المتعاون التأخي المتآزر. الهجرة أنبتت الدولة الإسلامية التي كانت نقطة انطلاق لدعوة الله تعالى في العالم. إذن. إذا كان حديثنا عن الهجرة لا يفضي إلى أخذ العبر وأخذ الدروس من الهجرة فيكون كلاما ضائعا، صيحة في واد ونفحة في رماد ليس من ورائه طائل. نتحدث عن الهجرة ثم ننتظر أن تأتي السنة المقبلة لنتحدث عن الهجرة وهكذا دواليك… فما الفائدة؟

أبونا إبراهيم عليه السلام الذي سمانا “المسلمين” يجب أن يكون لنا قدوة؛ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. قد يكون الإنسان في مكانه لا يغادره إلى منطقة أخرى وهو يعيش معاني الهجرة مما يقع في محيطه مما لا يرضي الله تعالى “المهاجر من هجر ما نهى الله عنه”، أو يمارس الهجرة داخليا.

ثم تساءل فضيلة الأمين العام:

“كيف نهجر الكسل والخمول والتواكل والدعة والتثاقل إلى الأرض؟”.

فأجاب انطلاقا من قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ. “تعبير حتى بالألفاظ تعبر عن شدة ارتباط الإنسان بالأرض. الهجرة انسلاخ. ينبغي أن نمارس هذا الانسلاخ حتى من الذات؛ أن يهجر الإنسان عاداته وخموله وكسله. هناك “هجر” وهناك “هاجر”. والمهاجر من هاجر يعني أن هناك ممانعة؛ شيء تدفعه ويدفعك. بين المهاجِر والمهاجَر هناك صراع؛ من سيتغلب؟ من سينتصر على الآخر؟ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ معناه انتصار الدنيا على الروح، انتصار النفس على الروح. فكيف تنتصر الروح على النفس؟ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ.

هذه الهجرة الحسية من مكان إلى مكان هي انسلاخ. الصحابة تركوا أولادهم وأوطانهم؛ هذا ليس بالأمر الهين على النفس البشرية، وشيء يسكن ذاتك، منك وإليك، وأنت تتركه وتهاجره وتختار الله ورسوله! هذا جهاد مجاهدة داخلية، جهاد للنفس المتمسكة المتشبثة بالدنيا.

لما أراد المسلمون أن يخرجوا لفتح القسطنطينية في عهد معاوية، طلب منهم أبو أيوب الأنصاري، وكان كبير السن، أن يذهب معهم للجهاد، فقالوا له: أنت من أهل الأعذار، كان لا يستطيع الثبوت على الراحلة لكبر سنه، فقال لهم: إني سمعت الله عز وجل يقول: انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ“خفافا” فسرها “شبابا”، “وثقالا” فسرها “كهولا وشيوخا”. فلم يعط الله تعالى الرخصة لا للصغار ولا للكبار.

الذين تخلفوا في غزوة تبوك كانوا على رؤوس الأصابع، والعتاب وجهه الله تعالى للمؤمنين جميعا؛ بمعنى أن جسم الأمة وجسم الدعوة إذا كانت فيه أعضاء تشل حركة الجميع فآثار ذلك المرض يسري في الجسم كله ويعود بالضرر على الجسم كله. فالمؤمنون يجب أن يتحصنوا جميعا ويحصنوا ذات الدعوة وذات الجماعة، فإذا كان هناك خلل في عضو من الأعضاء فإنه يسبب الفشل لجميع الجسد إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ“.

وتساءل مرة أخرى:

“إذن من يرفعنا ومن يفك قيودنا ويقطع هذه الحبال التي تربطنا بالأرض؟”.

ليجيب:

“إنها الصحبة. إنها التربية. إنه الذكر. إنه قيام الليل. إنه الارتباط بالله عز وجل. فهو الذي ينتشلنا من هذه الأوحال ومن هذه القيود التي تفقدنا بشريتنا فنمشي مكبين على وجوهنا بدل أن نمشي أسوياء مرتبطين بالله سبحانه وتعالى.

الله تعالى يوجه التوبيخ للجميع: أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا…. إذن؛ ليزول العذاب لا بد من الجهاد، والجهاد لا بد له من إعداد. فهذه الهجرة المادية انتقال من مكان إلى مكان. لاحظوا كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ كل الاحتياطات واستفرغ كل الأسباب المساعدة والممكنة لهذه الهجرة مع التوكل على الله تعالى واللجوء إليه عز وجل.

من كان الله معه من يستطيع أن يهزمه أو يتغلب عليه أو يضره أو يمسه بسوء وهو يأوي إلى ركن شديد؟ وكما قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سيدنا لوط لما قال: لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آَوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ، قال صلى الله عليه وسلم: “رحم الله أخي لوطا، لقد كان يأوي إلى ركن شديد” وهو الله تعالى، ومعية الله تعالى. فليكون الله تعالى معنا يجب أن نكون معه. إذا لم نكن معه لا يكون معنا. كما وقع لبني إسرائيل؛ كانوا مرتبطين بالأرض، بأنفسهم، بفرعون، يخافون منه. ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة قال لأبي بكر الصديق: “لا تحزن” ولم يقل “لا تخف”. لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا. فيعيش المؤمن وتعيش الجماعة السكينة والطمأنينة والثبات والاستقرار باليقين في وعده تعالى. إذا كنا مع الله ومع أوامره ومع نواهيه ومع الارتباط به ومع ذكره فهو سبحانه سيكون معنا. الصحابة وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ اكتسبوا هذا الرحمة فيما بينهم بمعية رسول الله الله صلى الله عليه وسلم وهو الوسيلة التي اكتسبوا بها معية الله تعالى. والتاريخ يعيد نفسه.

إذن ورثة رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل عصر وفي كل زمان، الذين يجددون دين الله تعالى ودعوته، لا بد فيهم من هذه المعية. والرحمة بين المؤمنين تولد الشدة على الظلمة والفسقة والطغاة والكفرة وعلى المجرمين. بدون هذه الرحمة السائدة بين المؤمنين والتي تبني منهم جسدا واحدا لا يمكن أن نقف في وجه الطغيان والفساد والظلم”.

ثم تحدث الأستاذ عبادي عن أعلى مراتب الهجرة فقال:

“الهجرة مراتب، وأعظم مرتبة أن نهجر من الكون إلى المكوِّن، من المخلوق إلى الخالق، وهذه هي المعية. أن تعيش بالله ولله ومع الله فتكون في حماية الله تعالى وفي رعايته سبحانه. فأعلى مراتب الهجرة أن تكون مع الناس ومع المجتمع، ولكن هاجرت الكون بقلبك وبعقلك وبفكرك وارتبطت بالمكون. بالله تعالى.

الهجرة خلوة، وسيدي عبد السلام يقول: “خلوتنا جلوة”. أنت حاضر في وسط المجتمع ولكن أنت مع الله عز وجل. فإذا كنا مع الله تعالى ذكرا ودعاء واستغفارا وتهجدا ورحمة بخلقه تعالى لا شك أنه سيكلأنا ويحفظنا ويتولى أمرنا وينتشلنا من هذه الأوحال التي نحن غارقون فيها ويعيد لنا ما فقدناه من عزتنا وقوتنا ومجدنا. وما هذه الابتلاءات التي يعانيها المسلمون إلا تربية وإيقاظ من الله تعالى لنا أن توبوا إلي، أن ارجعوا إلي، أن استقيموا، أن عودوا إلي”.

واختتم كلمته بالدعاء لله تعالى أن “يخفف عن المسلمين ما بهم من معاناة، وأن يجعلنا به وله مهاجرين إليه حتى نلقاه عز وجل وهو راض عنا”.