يعتبر قطاع التغذية من القطاعات الحساسة التي توليها الدول عناية كبيرة، لكونه يرتبط مباشرة بصحة الفرد ومن ثم صحة المجتمعات، فما هو مستوى جودة الطعام الذي يتناوله المغاربة؟ وهل من أخطار صحية تتربص بنا على موائد الطعام؟

كثيرا ما يجد المواطن المغربي في سوق الخضر آثارا للمبيدات على بعض الخضر، فيتساءل بريبة: إذا افترضنا أن الماء كاف لإزالة المبيدات التي تلحظها العين فماذا عن بقاياها الكامنة في أعماق الخضر والفواكه؟

كشف تقرير للمجلس الأعلى للحسابات، وهو مؤسسة رسمية، جانبا من الكارثة، حيث جاء فيه أن الدولة المغربية تكتفي فقط بمراقبة مستوى بقايا المبيدات في الخضر والفواكه الموجهة للتصدير. أما التي يستهلكها المغاربة فلا تراقب !  رغم أن تلك المبيدات لها آثار خطيرة على صحة الإنسان، إذ منها ما يسبب السرطان، وما يسبب تشوه الأجنة، وما يؤثر على القدرة على الإنجاب.. وغيرها من الأضرار التي قد تنجم من تراكمها في أنسجة المستهلك.

وساق التقرير، الذي نشرت تفاصيله جريدة أخبار اليوم في يونيو المنصرم، أرقاما صادمة تميط اللثام عن الوضع المأساوي الذي يعيشه القطاع على الصعيد الوطني، والذي ينبئ عن غياب المراقبة والمساءلة من طرف السلطات المعنية، منها:

من أصل 900 مجزرة، أربعة مجازر فقط تتوفر على المعايير الصحية

75% من اللحوم لا تتوافق مع معايير الاتحاد الأوربي

50% من الخضروات لا تتوافق مع المعايير الأوربية

50% من الحوامض لا تتوافق مع المعايير الأوربية

80% من الزيتون وزيت الزيتون لا يتوافق مع المعايير الأوربية

جاء في التقرير أيضا أن “مكتب أونسا يحصي قرابة 2700 مركز لجمع الحليب في المغرب، لكن المثير هو أن 3 مراكز فقط تعتبر مطابقة للمعايير الصحية التي وضعتها وزارة الفلاحة”.

وأورد التقرير أن المواد الغذائية المستوردة لا تخضع لمراقبة كافية بخصوص مستوى المبيدات. فالشاي مثلا يأتي على رأس المواد التي يستهلكها المغربي دون أن يكون قد خضع لمراقبة ما يحتويه من سموم ومواد مسرطنة أو، في حال مراقبة جودته، يكتفى بفحوص تعتمد المعايير الصينية بدل اعتماد المعايير الأوروبية المتشددة فيما يتعلق بصحة المستهلك.

بعيدا عن التقرير، وفي نفس الباب، كثيرا ما يجد المغاربة في استقبالهم، على مشارف العديد من المدن، روائح كريهة ناتجة عن تصريف المياه العادمة (الواد الحار) في الطبيعة دون معالجة أو بمستوى معالجة متوسط، لكن ما لا يعلمه الكثير من المواطنين أن تلك المياه تستعمل في سقي المحاصيل الزراعية وفي مقدمتها الخضروات !

فخطر التسممات البكتيرية الخطيرة والقاتلة مثل الكوليرا تبقى محدقة بالمغاربة ما دامت تلك المياه العادمة تسقي خضراواتهم، بما فيها التي تستهلك طازجة، وفي غياب تام لأية مراقبة صحية لأسواق الخضر والفواكه كما أكد على ذلك المجلس الأعلى للحسابات في تقريره المذكور !

ويبقى المواطن المغربي تحت رحمة جشع المستوردين والمهربين والمتلاعبين بالمواد الغذائية الفاسدة وبتواريخ نهاية الصلاحية. خصوصا مع غلبة الاقتصاد غير المنظم على إنتاج ونقل وتوزيع وتخزين وبيع المواد الغذائية، وضعف أجهزة المراقبة التي تعاني من قلة عدد الأطر وتداخل الاختصاصات وتصارعها أحيانا.

هذا جزء مما أظهره التقرير، ولا ندري ما الذي يخفى علينا، وهو ما يجعل من حق المغاربة أن يتساءلوا عن مستوى الاهتمام بصحتهم ومستوى المراقبة للمنتجات الغذائية التي توضع في متناولهم..

من حقنا أن نتساءل عما تم تحقيقه منذ 1959 لمنع تكرار فاجعة الزيوت المسمومة التي راح ضحيتها 2000 مواطن بعد أن تسمم أزيد من 20 ألف مواطن شرق المغرب على إثر استهلاك زيوت نباتية ممزوجة بزيوت معدنية سامة !