مقدمة

مما لا شك فيه أن المكتبة الإسلامية تزخر بالكتب التي ألُفت في السيرة النبوية بعناوين مختلفة وبمضامين متنوعة، تارة بالدراسة والتحليل، وتارة بالشرح والتفسير، معتمدون في ذلك على أساليب تجمع بين ما هو تربوي وأدبي وسياسي ودعوي واجتماعي وغيره. وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أهمية حياة النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته بالنسبة للمسلمين في مختلف جوانب حياتهم. فزيادة في الفهم أكثر للسيرة النبوية وخاصة في جانبها التحركي الجهادي الرامي إلى التغيير والتجديد ارتأينا تتبع كتابات الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله للوقوف على ما أورده في هذا الجانب وترتيبه قدر الإمكان حسب المراحل المذكورة والمشهورة في معظم كتب السيرة ولو بشكل مختصر، أما المضامين فبتعبير وكلمات الفكر المنهاجي.

يقسم الإمام رحمه الله مراحل تدريس السيرة النبوية بُغية استيعاب فقه الحركة والجهاد إلى مرحلتين:

المرحلة الأولى: تكون قبل التمكين، تدرس فيها السيرة النبوية في حلق المسجد وأسر الجماعة يتوخى منها ضرب المثل، وإبراز الحكمة، وفقه الحركة، كما يتوخى إيقاظ العاطفة وتوجيه الإرادة) 1 . وفي هذا المجال يوصي الإمام رحمه الله بقراءة ودراسة بعض الكتب، كــ”فقه السيرة” للدكتور سعيد رمضان البوطي وسيرة ابن هشام مع حاشية الإمام السهيلي المسماة “الروض الأنف” و”حياة الصحابة” للشيخ محمد يوسف الكاندهلوي، ربما لأنها كتب ذات منهجية تربوية وتعليمية، عرضها وطرحها وشرحها هو الأسهل ما يكون لفهم الحكمة والعبرة، والأوضح والأقرب لاستيعاب فقه الحركة والجهاد.

والمرحلة الثانية: عند قيام الدولة الإسلامية إن شاء الله، في هذه المرحلة تطهر كتب الدراسة من أساطير الجاهلية ونماذجها وأسمائها، لتتغذى الشخصية الإسلامية منذ نعومة الأظفار بالمثال العالي لحزب الله كما وصفه القرآن، وجسدته العصبة المحمدية في إيمانها وأخلاقها وسلوكها وجهادها) 2 .

والهدف من دراسة السيرة النبوية وتدريسها في كلتا المرحلتين هو اكتشاف معاني وأسرار المنهاج النبوي، في أبعاده التربوية والتعليمية، الإيمانية والجهادية، الدعوية والسياسية، العدلية والإحسانية، الفردية والجماعية، الدنيوية والأخروية. ذلك أن صياغة الإنسان وبناء الأمة على المنهاج النبوي في كل تلك الأبعاد يقتضي ضرورة استلهام النموذج والمثال من السيرة النبوية، وإليهما نولي وجهنا القلبي والفكري. فصفحات الإحسان في السيرة النبوية منيرة ومشرقة، وصور العدل فيها ناصعة ومتألقة، ومواقف الشورى فيها مضيئة ومثالية. عن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: وعظنا رسول الله موعظة ذرفت منها العيون (بكاء)، ووجلت منها القلوب (خشوعا)، فقلنا: يا رسول الله، إن هذه لموعظة مودع، فماذا تعهد إلينا؟ قال: تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك. فإن من يعش منكم فسيرى منكم اختلافا كثيرا، فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين، عضوا عليها بالنواجذ، ولو تأمر عليكم عبدا حبشيا، فإن المؤمن كالجمل الآنف أينما قيد إنقاد) 3 .

وفي سياق البحث واكتشاف تلك المعاني والأسرار المنهاجية، بدءا بما قبل العهد النبوي وحتى القرن الخامس عشر الهجري، طرح الإمام جملة من الأسئلة التي على ضوء إجاباتها يمكن أن يكون التخطيط والإعداد للعمل تنزيلا لهذا الفقه وتنفيذا له. يتساءل رحمه الله: ما هو المنهاج لفهم فتنة القرن الخامس عشر وما بعده استنادا إلى العبرة بالجاهلية الأولى؟ ما هو منهاج النبوة في تعاملها مع الجاهلية؟ هل نكفر المجتمع ونعتبره جاهليا لنبدأ من نقطة الصفر؟ ما هي التربية النبوية التي جعلت من الصحابة أولياء لله مجاهدين في سبيل الله؟ ما هي الضمانات الإسلامية للإنسان وكرامته وحقوقه التي جاء بها الإسلام، كيف طبقت وكيف ضاعت وكيف تسترد؟ ما هي مواصفات الخلافة الراشدة الأولى حتى نخطّط على علم للخلافة الثانية؟ ما خصائص جماعة المسلمين كما ألفها الله على يد رسوله الكريم فحملت أعباء الجهاد لنحذو ذلك الحذو؟ كيف تمزقت الجماعة الأولى وكيف نشأت الفرق في الإسلام، وكيف دب الخلاف، وكيف استفحل، ولم غلا من غلا، وجمد من جمد، واستبد من استبد، وظلم من ظلم؟) 4 .

فللإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها كان لا بد من الرجوع إلى السيرة النبوية وما قبلها وما بعدها، وقراءة ذلك التاريخ ودراسته وتدقيق النظر في حيثياته. ابتداء من الجاهلية الأولى، ثم وقوفا عند عهد النبوة وما فيه من أحداث تتعلق بميلاده صلى الله عليه وسلم، وبنزول الوحي، وبالقيام للدعوة، وبتأسيس الجماعة الأولى، وبالمواجهة مع الجاهلية، بالصبر والمصابرة، وبالهجرة والنصرة، وبالبيعة والجهاد، وبالفتح والتمكين. ثم مرورا إلى عهد الخلافة الراشدة وما فيه من أمور ترتبط بالشورى والحكم، وبعلاقة الدعوة بالدولة. وانتهاء بعهد الفتنة عهد الملك العاض والملك الجبري وما عرفه من انكسار في التاريخ بسبب انتقاض عروة الحكم، وانحسار في الدعوة بسبب تسلط السيف على الرقاب، وانحدار للأمة من الأعالي، وما ترتب عن كل ذلك من نتائج خطيرة أوصلتها إلى هذا الحضيض.

طالع أيضا  السيرة النبوية برؤية منهاجية (2)ما قبل عهد النبوة

ما قبل عهد النبوة

قبل عهد النبوة كانت هناك الجاهلية، تلك البيئة التي خرج منها الإسلام، يؤكد الإمام رحمه الله أن معرفة هذه الجاهلية ومعرفة بداية الإسلام خروجا منها ومعالجة لها وقتالا وجهادا عبرة بالغة لنا وتثبيت في أذهاننا لسنة الله في الخلق التي لا تتبدل. وأن هذه المعرفة تثمر العبرة فينا إن نحن راعينا الفرق بين الجاهلية الجهلاء العامة الشاملة التي واجهها النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته وبين المجتمعات الإسلامية المعاصرة التي داخلتها الجاهلية وتخللتها، لكن لم تغير طبيعتها المسلمة العميقة. لا قياس مع الفارق كما يقول فقهاؤنا) 5 . قال أمير المومنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إنما تنقض عُرى الإسلام عروةً عروةً إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية) 6 . وكلمته هذه تأتي هامشا وإضافة إلى الحديث النبوي الذي رواه الإمام أحمد والطبراني عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لتنقضن عُرى الإسلام عُروةً عروة، فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها. وأولهنَّ نقضا الحكم وآخرهن الصلاة).

وبجانب هذه المعرفة بالجاهلية يركز الإمام رحمه على أهمية دراسة السيرة النبوية في المجتمع الجاهلي الأول، لكونها تعطينا نموذج النشأة، ومعيار القيمة، وحقيقة التاريخ، وحظ الجهد البشري، وحياطة العناية الإلهية، وشروط هذه العناية. تعطينا صورة لسنة الله في فترة الميلاد الإسلامي نستهدي بملامحها العامة في سيرة التجدد الإسلامي. مع مراعاة النقلة الزمانية، وانقطاع الوحي الموجه للحركة الأولى يحل محله الاجتهاد والتسديد والمقاربة، ومراعاة وجود مجتمع مسلم في الحاضر انحلت عراه لكنه لا يزال مسلما) 7 .

ويتم معرفة الجاهلية ودراستها في الفكر المنهاجي من خلال أربعة جوانب: التعريف، الخصائص، الوصف، وتمييزها عن الفتنة.

تعريف الجاهلية

قال الله تعالى: وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآَيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ 8 .

فلفظ “الجاهلية” كما يشير إلى ذلك الإمام رحمه الله يحمل لغة معنيين اثنين: معنى الجهل ضد العلم. ومعنى العنف ضد الحِلْم. فالجهل الذي هو ضد العلم حالة عقلية، والعنف الذي هو ضد الحلم حالة نفسية سلوكية. وهكذا يلتئم شمل الجاهلية بالمعنيين اللغويين، والقرآن نزل بلسان عربي للناس لعلهم يعقلون، فيتغذّى عنف الجاهلية على الإنسان بجهل الجاهلية لمعنى الإنسان. فالجاهلية إذا تجهل بالله وتشرك به، وتعنف وتتعصب، وتتبع غير منهج الله تعالى.

طالع أيضا  السيرة النبوية برؤية منهاجية (5)حياته العملية صلى الله عليه وسلم

خصائص الجاهلية

الخصائص العامة للجاهلية كما يذكرها الإمام رحمه الله سواء الأولى أو الحالية في الغرب أو أي جاهلية، هي أربعة خصائص موجودة في كتاب الله عز وجل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنـزيل من حكيم حميد. ويؤكد رحمه الله أنه أنى وُجدت هذه الخصائص مجتمعة متساندة مكثفة مظلمَة قائمة فتلك الجاهلية حق الجاهلية. وهذه الخصائص بشكل مختصر من كتابه “سنة الله” هي:

الخاصية الأولى: خاصية “ظن الجاهلية”، وهي فساد الاعتقاد أو الشك في قدر الله عز وجل وقدرته وهيمنته. قال الله تعالى في سورة آل عمران يذكر وقائع أحد: ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ 9 .

الخاصية الثانية من خصائص الجاهلية هي: خاصية “حكم الجاهلية” نجدها في قوله تعالى: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ، أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ 10 .

الخاصية الثالثة هي: “تبرج الجاهلية”، وهي فساد الأخلاق وطغيان الشهوات وخرق حدود العفة والصيانة التي تتميز بها الإنسانية عن البهيمية. فمتى تعدت النـزعات الغريزية مكانها الطبيعي في كِنِّ العفاف وهتكت سِتر الحياء انطبعت بطابع الجاهلية. قال الله تعالى مخاطبا نساء النبي والمؤمنات جميعا: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى 11 .

الخاصية الرابعة هي: “حمية الجاهلية”. قال الله تعالى واصفا الحالة النفسية لمشركي قريش وللمؤمنين عند فتح مكة:)إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ 12 . الحمية لغة الغضب، وحمية الجاهلية عصبيتها كما تفسر ذلك الأحاديث النبوية. يقابل “حمية الجاهلية” السكينة التي ينـزل الله في قلوب المؤمنين.)إن كان للخصائص الثلاث الأولى للجاهلية الأثر الفاعل في ذهنية الجاهليين وثقافتهم ونظامهم السلوكي والسياسي فحمية الجاهلية وغضبيتها وعنفها وتكتلها للعصبية، ينصر بعضها بعضا ظالما كان أو مظلوما، هي سياج الجاهلية ودائرتها وقفلها. العصبية هي ملخص الجاهلية وخلاصتها. وإن ذكرت في القرآن متأخرة في الترتيب فما هي نتيجة بل هي المقدمة. ما هي البنت بل هي الأم) 13 .

طالع أيضا  السيرة النبوية برؤية منهاجية (6) زواجه صلى الله عليه وسلم بخديجة رضي الله عنها

 


[1] ياسين عبد السلام، المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا، ص: 227.\
[2] نفس المرجع والصفحة.\
[3] رواه الإمام أحمد بإسناد حسن ورواه أبوا داود والترمذي بإسناد صحيح.\
[4] ياسين عبد السلام، سنة الله، ص: 19-20.\
[5] نفس المرجع، ص: 25.\
[6] ذكره ابن تيمية في الفتاوى.\
[7] سنة الله، ص: 26.\
[8] الأنعام: 35.\
[9] آل عمران: 154.\
[10] المائدة: 49-50.\
[11] الأحزاب: 33.\
[12] الفتح: 26.\
[13] ينظر سنة الله، ص: 26-29.\