من قمة طموحات المغاربة في مدرسة راقية وتعليم ناجح بعد الاستقلال الصوري منتصف القرن الماضي، إلى دركات ما أوصلتهم إليه مخططات وسياسات المخزن وأعوانه وأعيانه الذين صنعهم على عينه وأرضعهم من أثدائه وأغناهم من ثروات البلد ونحن في نهاية الخمس الأول من القرن الحادي والعشرين.
سلسلة من الحلقات والدرجات هوت بالمغرب وأبنائه إلى ذيل لائحة الدول في سلم جودة التعليم بين مدارس العالم، حيث يغرق في أوحال الرتبة 101 عالميا، وحيث تغيب الجامعة المغربية عن ترتيب أفضل 500 و1000 جامعة عبر العالم، إذ لم يذكر اسم جامعة واحدة ولو في ذيل التصنيف الذي اعتمدته مؤخرا مؤسسة “شنغاي” الصينية.
ولا نحتاج إلى استنطاق مزيد من إحصاءات المعاهد والمؤسسات الدولية التي تصنف الدول من حيث مستوى التعليم فيها، ولا إلى الاستشهاد بتحليلات المختصين في المجال، فالمشهد البئيس لمدرستنا وهي المشتل المفترض الأول لبذور التقدم والتنمية، ولبرامج تعليمنا وهي خارطة الانعتاق والازدهار، ولتلامذتنا وهم أمل المستقبل وبُناته، ولمعلمينا وأساتذتنا، رجالا ونساء، الذين يعانون من قسوة الشروط التي يشتغلون في ظلها ماديا ومعنويا، وهم ملح الأرض وطليعة النهضة وقادة الوطن الحقيقيون… فهذا المشهد البئيس المزري أضحى أوضح وأفضح حتى في أعين أبسط بسطاء المغاربة، بل صار مادة للون جديد من الكوميديا السوداء في حديث الناس على الموائد وفي الأسواق ووسائل النقل الجماعية وعلى مواقع التواصل الاجتماعي.
مشهد تزامن مع مطلع العام الدراسي الجديد الذي استُهِلَّ، على سبيل التذكير لا الحصر، باعتصام لمدة يومين أمام مقر وزارة التربية والتعليم بالرباط، خاضته التنسيقية الوطنية للأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد، من أجل المطالبة بإسقاط التعاقد وإدماجهم في الوظيفة العمومية، وتزامن مع كارثة الأساتذة المرسبين الذين خذلتهم دولة لا عهد لها، وتزامن مع انتشار نماذج لصفحات وصفحات من المقررات الدراسية على مواقع التواصل الاجتماعي التي غصت بمهازل لصور ونصوص وعبارات تبث سمومها في شرايين فلذات أكبادنا لتفعل في هويتهم وعقولهم وأرواحهم ونفوسهم فعل السم الذي يقتل ضحيته قتلا بطيئا ينتهي به إلى الانسلاخ من أركان انتمائه ومن معنى وجوده ومن مقومات هويته بقطعه عن جذور لغته وهي أداة الفكر ووعاء الدين، ناهيك عن الإزراء المزمن المتصاعد برجال التعليم ونسائه من خلال خطط “الإصلاح” التي أفضت بهم إلى أن يصبحوا مجرد متعاقدين مع الدولة تحت طائلة الاستغناء عنهم في أية لحظة… فلم تنصفهم خطط إصلاح التعليم العمياء العرجاء المتخبطة بهم خبط عشواء، في ظل نظام فاسد مستبد لا يضع يده على مجال حي كالتعليم إلا تسرب منها إليه الفشل الذريع ولا ينزع منه يده ويتهرب من تحمل مسؤوليته فيه كما تتحملها الدول التي تحترم شعوبها إلا كان مصيرَه القهر المريع والموت السريع.
ها نحن أولاء نعيش مشاهد جديدة من مشاهد ضرب التعليم في صميمه، بل في تشييع البلد إلى مثواه الأخير، ونعاين بحرقة وألم هذا التردي المقصود الذي يعصف بآمال الآباء والأجداد الذين كافحوا وجاهدوا من أجل انعتاق البلاد من ربقة الجهل والأمية والاحتلال الاقتصادي والفكري ومن قيود الفساد والاستبداد… ونعيش ضمن ما نعيشه، مشاهد الإشكالات الكبرى للتعليم إذ عجزت الدولة عن ضمان جودة التعليم، وعن الحد من النسبة الكارثية للهدر المدرسي، حيث تشير الأرقام إلى أن 6 ملايين شاب مغربي ما بين 15 و25 سنة لا يدرسون ولا يشتغلون، وعن ربط التعليم بالشغل مما تصاعدت معه نسبة البطالة في صفوف حاملي الشهادات…
وها نحن نشهد، وللأسف، تدمير وطن وشعب فيه من مقومات الوجود وعمق التاريخ وأصالة الرجال والنساء وحيوية الشباب وتَوَقُّدِ الروح وانفتاح العقل ورحابة الرؤية ورصيد الثروات المادية والمعنوية ما لا يَبُزُّهُ فيها أحد، فالممسكون بالزمام يأبون إلا أن يضربوا بأيد من حديد كل مجال تتسرب منه إلى الشعب الحياة، فيؤجلوا في كل منعطف تاريخي أحلامنا ويعلقوا في كل فرصة سانحة للاستدراك آمالنا وطموحاتنا في وطن يشق طريقه بنفسه ويصنع مصيره بإرادته ويرسم مستقبله بيده حرا لا يسترقه المستعبِدون ولا يقهره المستبدون.

طالع أيضا  ضرب مجانية التعليم.. استهداف آخر للوضع الاجتماعي للمغاربة