لا يعتبر التعليم امتيازا أو منحة ومنة تتفضل بها الدولة على مواطنيها، بل هو حق من حقوقهم الأساسية التي كفلتها العهود والمواثيق الدولية في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، وغيرها من مصادر القانون الدولي الإنساني.

ولقد حاز الحق في التعليم إجماعا كبيرا بين الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، حيث إن غالبية النصوص والمواد التي تتعلق بهذا الحق لم تلق أية معارضة أو تحفظ يذكر من قبل الدول المصادقة عليها، بل كان يحصد الإجماع الدولي على خلاف باقي الحقوق الأخرى، إيمانا منهم بأن الاستثمار في هذا المجال مربح للغاية ويعود بالنفع العميم على الوطن ويحقق له النماء والتقدم والازدهار .

هكذا نجد المادة 26 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر سنة 1948 تؤكد على ضمان الدولة لكل شخص حقه في التعليم مع ضمان مبدإ المجانية بقولها:

“لكل شخص الحق في التعليم، ويجب أن يوفر التعليم مجانا على الأقل في مرحلته الابتدائية والأساسية ويكون التعليم الأساسي إلزاميا، وأن يكون التعليم الفني والمهني متاحا للعموم”.

نفس المنحى ذهب إليه العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والثقافية والاجتماعية في المادة 13 والصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 1966 بقولها:

“تقر الدول الأطراف في هذا العهد بحق كل فرد في التربية والتعليم، وهي متفقة على وجوب توجيه التربية والتعليم إلى الإنماء الكامل للشخصية الإنسانية والحس بكرامتها وإلى توطيد احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية… وتقر الدول الأطراف في هذا العهد بأن ضمان الممارسة التامة لهذا الحق يتطلب جعل التعليم الابتدائي إلزامياً وإتاحته مجاناً للجميع وتعميم التعليم الثانوي بمختلف أنواعه، بما في ذلك التعليم الثانوي التقني والمهني، وجعله متاحاً للجميع بكافة الوسائل المناسبة ولاسيما بالأخذ تدريجياً بمجانية التعليم وجعل التعليم العالي متاحاً للجميع على قدم المساواة، تبعاً للكفاءة، بكافة الوسائل المناسبة ولاسيما بالأخذ تدريجياً بمجانية التعليم مع تشجيع التربية الأساسية أو تكثيفها، إلى أبعد مدى ممكن، من أجل الأشخاص الذين لم يتلقوا أو لم يستكملوا الدراسة الابتدائية والعمل بنشاط على إنماء شبكة مدرسية على جميع المستويات، وإنشاء نظام واف بالغرض، ومواصلة تحسين الأوضاع المادية للعاملين في التدريس…”.

هكذا نجد المادة الثالثة عشرة من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والثقافية والاجتماعية فصلت أكثر في مبدإ الأحقية والمجانية الخاصة بالتعليم مقارنة مع المادة 26 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان سالفة الذكر بحيث أضافت مبدأ المساواة والإلزامية والتعميم في جميع المستويات التعليمية انطلاقا من التعليم الأساسي والابتدائي، ومرورا بالتعليم الثانوي والتقني والمهني، وانتهاء بالتعليم العالي.

وبرجوعنا إلى الميثاق الأوروبي الاجتماعي لعام 1961 والملحق الإضافي لعام 1988 نجدهما أكدا على إلزامية الحق في التعليم وبكافة مجالاته لما له من أهمية في تطوير الفرد، وهوما ركز عليه الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان في المادة السابعة عشرة، وكفله إعلان القاهرة لحقوق الإنسان من قبل منظمة العمل الإسلامي سنة 1999.

ونجد أن الدستور المغربي عمل على دسترة هذا الحق من خلال مقتضيات الفصول 31 و32 و33 و168 من دستور 2011 بقوله في الفصل 31:

“تعمل الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية على تعبئة كل الوسائل المتاحة، لتيسير أسباب استفادة المواطنات والمواطنين، على قدم المساواة، من الحق في… الحصول على تعليم عصري ميسر الولوج وذي جودة”، فجعل هذا الحق مقرونا مع الحقوق المرتبطة بالعلاج والعناية الصحية والحماية الاجتماعية والتغطية الصحية.

وإذا تصفحنا الفقرة الأخيرة من الفصل 32 من الدستور المغربي نجده يؤكد صراحة على هذا الحق بقوله:

“التعليم الأساسي حق للطفل وواجب على الأسرة والدولة…”.

وبناء على الفصل 168 من ذات الدستور، يحدث مجلس أعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، بصفته هيئة استشارية، مهمتها إبداء الآراء حول كل السياسات العمومية، والقضايا الوطنية التي تهم التربية والتكوين والبحث العلمي، وكذا حول أهداف المرافق العمومية المكلفة بهذه الميادين وسيرها، كما يساهم في تقييم السياسات والبرامج العمومية في هذا المجال.

هذه المؤسسة أدرجها الدستور ضمن هيئات الحكامة الجيدة والنهوض بالتنمية البشرية والمستدامة والديمقراطية التشاركية مما جعلها مدعوة لمباشرة اشتغالها حول إصلاح التعليم المغربي من أجل الإسهام في إرساء تعليم نموذجي قوامه الجودة والإنصاف وقادر على المساهمة الفعالة في تنمية البلاد وانخراطها الفاعل في مجتمع المعرفة والثقافة وفي ترسيخ القيم الإنسانية وفضائل السلوك المدني.

ترى كيف يصادق مجلس الوزراء، بتاريخ 21 غشت 2018، على مشروع القانون-الإطار رقم 17-51 المتعلق بمنظومة التربية والتعليم والتكوين والبحث العلمي، والذي يندرج في إطار الرؤية الإستراتيجية لإصلاح منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي 2015-2030 بكل تلك السلبيات والتراجعات المخالفة لما التزم به المغرب دوليا؟

كيف يتجرأ مشروع هذا القانون بشكل واضح وجلي على ضرب مجانية التعليم، التي نصت عليها الأوفاق الدولية وكذا دستور 2011، والذي ينص صراحة في الباب الثامن الخاص بتمويل منظومة التربية والتعليم والتكوين والبحث العلمي، في المادة 42 على “تفعيل التضامن الوطني والقطاعي، من خلال مساهمة جميع الأطراف والشركاء المعنيين، وخصوصا منهم الأسر الميسورة والجماعات الترابية والمؤسسات والمقاولات العمومية والقطاع الخاص”، وفي المادة 45 على “إقرار مبدأ المساهمة في تمويل التعليم العالي بصفة تدريجية، من خلال إقرار رسوم للتسجيل بمؤسسات التعليم العالي في مرحلة أولى وبمؤسسات التعليم الثانوي التأهيلي في مرحلة ثانية”؟

لماذا يقع المغرب سنويا في آخر الترتيب العالمي لمؤشرات النهوض بقطاع التعليم حيث احتل سنة 2017 الرتبة 118 عالميا؟

أين يكمن الخلل؟ هل هو خلل تشريعي؟ أم هو خلل مرتبط بغياب إرادة قوية للدولة لتنزيل ما صادقت عليه في هذا المضمار بالأوفاق الدولية وما جاء بين دفتي دستور 2011؟