تكتسب الثغرات والمآخذ التي يسجلها الأستاذ عبد السلام ياسين على المنظومة التعليمية المغربية مشروعيتها وأصالتها وأهميتها انطلاقا من حقائق ثلاث على الأقل:

1- أنه خبر المهنة، وتدرج في أسلاكها وإطاراتها ومهامها المختلفة والمتعددة كما سبقت الإشارة، فكان حديثه عن عيوب التعليم وأزماته وإشكالاته وأورامه حديث المطلع الخبير، لأنه كان فعلا من أهل مكة، وأهل مكة أدرى بشعابها، حاشا لم يكن حديثه حديث المتطفل المندس، ولا حديث المثقف المطل من برجه العاجي.

2- لم يكن تعقبه وترصده ثغرات وعيوب المنظومة التعليمية وليد إحساس عاطفي مؤقت، ولا من قبيل المزايدات السياسية الهادفة إلى حصاد الأصوات وتبكيت الخصوم السياسيين، بل كان فعلا أصيلا صادقا نابعا من إيمانه العميق بأن الحلول الجذرية تستدعي صدقا في التشخيص من أجل علاج ناجع كامل، إذ (إن إصلاح هياكل التعليم، وهياكل الحكم، وإصلاح البرامج والأساليب والمقادير والكيفيات جهود ضائعة وضربات بالسيف في الماء ما لم يطهر الجو العام والخاص) 1.

3- آمن بمشروع الخلافة على منهاج النبوة تصديقا للوعد النبوي، وتمثلا لحديث الخلافة المعروف، وهذا ما جعل حديثه عن التعليم فَتْلاً في هذا الحبل، ورَصًّا للبنات هذا الصرح، يقول: (نريد تغييرا جوهريا يأتي بنيان الفتنة من القواعد) 2.

ويلاحظ المستقرئ لهذه المآخذ شمولها لكل مكونات المنظومة التعليمية، انطلاقا من أن الأستاذ ياسين لم يبق حبيس إطار واحد ضيق، بل سمح له نبوغه المتميز وطموحه الغامر وحماسه المتوثب بأن ينتقل بثبات ومشروعية ويقين من إطار إلى آخر، ومن مستوى إلى مستوى أعلى، ومن مهمة إلى مهمات أُخَرَ (التدريس – التفتيش – التخطيط والتوجيه – الإدارة…)، لذلك سنعمد إلى تتبع مآخذه على كل مكون من مكونات المنظومة:

أولا- فساد المنظومة التعليمية

يقر الأستاذ بأن (الجهاز التعليمي فاسد ببلدنا) 3، ويؤكد حقيقة أن (التعليم المغربيّ كارثةُ إفلاس) 4، بل إن ثمة إجماع على إفلاسه، يقول: (على إفلاسِ التعليم وسياسته بالمغرب إجماع من الشهود) 5.

وحتى لا يكون حكمه هذا مجانيا ولا متعجلا ولا سطحيا وسَاذَجًا، فقد عمد إلى حشد صور ومشاهد هذا الفساد:

1- الفساد الإداري

من مشاهد الفساد الإداري شيوع (المحسوبية والرشوة واللامسؤولية) 6، وينطلق الأستاذ من تجربته الْمِهْنِيَّة الشخصية ليدلي بشهادته عن فساد إدارة التعليم، يقول: (أعرف من مديري المدارس من يعطي العطلة الدائمة لمعلميه، ويقاسمهم الراتب آخر الشهر، وآخرين يأخذون نصيبا مفروضا من كل معلم لقاء التغاضي أو ضريبة حالة) 7، ومن مظاهر فساد الإدارة المركزية كونها (مثقلة بمكتبيتها وتنازع رؤسائها وخبرائها) 8 إضافة إلى اختلاس (الأموال التي ترصدها الدولة للإنفاق على التعليم. يتبخر شطرها ما بين وزارة مركزية متأججة بالحركة الصورية، وما بين إدارة محلية تعطيك صورة التعليم ولا تعليم) 9.

2- المراقبة التربوية

يشهد الأستاذ بأن جسم المنظومة التعليمية لم ينج بدوره من “فيروس” الرشوة الخبيث، يقول: (وأعرف مراقبين تربويين يوظفون بالرشوة، ويعطون رتب الاستحقاق بالرشوة) 10.

3- فساد مباريات التوظيف

من مشاهد فساد المنظومة الخروقات التي تعرفها مباريات التوظيف، يقول: (وأعرف من نجح في مدارس المعلمين ونجح في الامتحان المهني، ورجلاه لم تطأ قط مدرسة المعلمين ولا مجلس الامتحان) 11.

4- مخرجات التعليم

من مظاهر أزمة التعليم وفساده ما يسم أجيال الخريجين من تفاهة وتدجين وأنانية وفساد، هكذا صارت المدرسة (مؤسسة للترويض والتدجين وتغذية الطموح الفردي المستأثر المستعلي في خدمة الجهاز) 12.

5- الهدر المدرسي

يعطي الأستاذ أرقاما دقيقة وصادمة تؤكد خطورة الهدر المدرسي على المنظومة التعليمية، يقول: (من كل 1000 تلميذ يدخلون المدرسة الابتدائية في أحد أقطارنا يتبخر منهم 904 قبل نهاية السنة السادسة، فلا يكمل الدراسة في ست سنوات إلا 96 من ألف) 13.

6- المشهد البيداغوجي

البيداغوجيا (لفظ عام ينطبق على ما له ارتباط بالعلاقة القائمة بين مدرس وتلميذ بغرض تعليم أو تربية الطفل أو الراشد) 14، ومن مظاهر فشل المنظومة ما يَسِمُ العلاقات بين المعلم والمتعلم من نفور وجفوة وصراع واستهتار، يقول الأستاذ ياسين: (العلاقة الحالية لها عيبان، أولهما في نفس المعلم وعقليته التي يؤدي بها وظيفته، إنه موظف مأجور لا يشعر أن له في العملية كلها مسؤولية إلا المسؤولية الإدارية المتآكلة، والثاني عيب ناشئ عن الأول وهو الجفوة العاطفية بين المعلم والتلميذ ويعبر الطلبة المهتزون المعارضون عن هذه الجفوة وعن العقلية المأجورة وما يصحبهما من فشل بنفورهم من استعلاء الأستاذ وبعنفهم عليه، حتى يرغموه على سلوك إنساني يحترم كرامتهم) 15.

7- المعلم

تبدو صورة المعلم في هذا البناء المهترئ الآيل للسقوط والانهيار التام باهتة مشوهة، فقد صار مجرد شكل وأثاث بلا فاعلية ولا إنتاج، يقول الإمام: (والمعلم نفسه في هذا التعليم المتخلف شكل وأثاث) 16.

8- مناهج التعليم

ينعت الأستاذ هذه المناهج بالثقل والعشوائية والقصور، يقول: (مناهج التعليم المترجمة تخدم قضية التغريب والتكفير مع قصورها عن تحقيق الأهداف التعليمية، وهي مناهج ثقيلة عشوائية) 17.

9- الازدواجية اللغوية

نجح كل من الاستعمار الفرنسي والتيار القومي في تهميش لغة القرآن، وفي إقناع الأجيال بعجزها وقصورها، وكانت النتيجة هذه الازدواجية بين لغة الرسالة التربوية ولغة المضمون التعليمي العملي التي يسميها الأستاذ ياسين السِّكِزُفْرينيا 18، تجسدت هذه الازدواجية في شكل صراع دام بين العربية والفرنسية أثمر (أجيالا منفَصمَة توجهاتُهم: قليل جدا منهم من نبغ في العربية، وقليل من نبغ في الفرنسية) 19.

10- الأمية أميات

يوظف الأستاذ عبارة (تعليم أفقي) للإشارة إلى تلك الجهود الرامية إلى تعريب التعليم وتعميمه ومجانيته، ويؤكد أن كل تلك الجهود باءت بالفشل، فما تزال شرائح واسعة من الجماهير تعاني من الأمية الأبجدية، وما تزال شرائح واسعة تعاني من أنواع عديدة من الأمية: الفقهية، التاريخية، السياسية، التقنية… وغيرها.

11- هجرة الأدمغة

من أخطر وأفدح ثغرات المنظومة التعليمية هجرة المادة الرمادية و(يقصدون بالعبارة أدمغة النابغين، هذه التي تهاجر من ديارنا، نصرف على تنشئتها وتعليمها الأموال الطائلة ونحن الفقراء لتصب آخر الأمر في حصيلة الأغنياء) 20.

12- انفصام التعليم عن التنمية

من ثغرات المنظومة التعليمية انفصام التعليم عن التنمية، يسجل الأستاذ أن من (الاحتباسات العائقة للتنمية عدم ملاءمة التعليم لأهداف التنمية) 21.

13- فلسفة التعليم

يرفض الأستاذ أن تكون فلسفة التعليم عندنا (نقلا وترجمة لفلسفة التعليم الجاهلي، وإلا خرج لنا من المدرسة والجامعة أعداء للإسلام مثل الذين يخرجون) 22.

14- أساليب التقويم والتوجيه

أساليب التقويم والتوجيه عقيمة فاشلة فارغة من كل معنى، لأنها قائمة أساسا على العقاب ممثلا في الرسوب والطرد، أو النجاح المغشوش ممثلا في الحصول على شهادات بدون جدوى، فهي عموما عبارة عن (تجميع “الموارد البشرية” وترتيبها وامتحانها الإداري وعقابها وتخريجها بعدُ لسوق شغل غير موجودة) 23.


[1] ياسين، عبد السلام، (حوار مع الفضلاء الديمقراطيين)، مطبوعات الأفق، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 1994، ص: 181.
[2] ياسين، عبد السلام، (المنهاج النبوي)، دار الآفاق، الطبعة الرابعة، 1422-2001، ص: 32-33.
[3] ياسين، عبد السلام، (الإسلام غدا)، مطبعة النجاح، الدار البيضاء، 1393-1973، ص: 722.
[4] ياسين، عبد السلام، (حوار مع صديق أمازيغي)، مطبوعات الأفق – الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 1997، ص: 104.
[5] ياسين، عبد السلام، (حوار مع صديق أمازيغي) 106.
[6] ياسين، عبد السلام، (حوار مع الفضلاء الديموقراطيين) 180.
[7] ياسين، عبد السلام، (الإسلام غدا) 722.
[8] ياسين، عبد السلام، (حوار مع الفضلاء الديموقراطيين) 179.
[9] ياسين، عبد السلام، (حوار مع الفضلاء الديموقراطيين)179.
[10] ياسين، عبد السلام، (الإسلام غدا) 722.
[11] ياسين، عبد السلام، (الإسلام غدا) 722.
[12] ياسين، عبد السلام، (الإسلام غدا) 724.
[13] ياسين، عبد السلام، (الإسلام غدا) 724.
[14] الفارابي، عبد اللطيف وآخرون، (معجم علوم التربية: مصطلحات البيداغوجيا والديداكتيك)، مطبعة النجاح الجديدة، سلسلة علوم التربية:9 و10، ط1، 1994، ص: 255.
[15] ياسين، عبد السلام، (الإسلام غدا) 741.
[16] ياسين، عبد السلام، (الإسلام غدا) 743.
[17] ياسين، عبد السلام، (الإسلام غدا) 744.
[18] ياسين، عبد السلام، (حوار مع الفضلاء الديمقراطيين) 159.
[19] ياسين، عبد السلام، (حوار مع صديق أمازيغي) 99.
[20] ياسين، عبد السلام، (حوار مع الفضلاء الديمقراطيين) 137.
[21] ياسين، عبد السلام، (حوار مع الفضلاء الديمقراطيين) 183.
[22] ياسين، عبد السلام، (الإسلام غدا) 762.
[23] ياسين، عبد السلام، (تنوير المؤمنات)، مطبوعات الأفق – الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 1996، ج2، ص: 225.