لقد خلق الله تعالى الإنسان ووهبه ما به يقوى على حمل الرسالة وأداء الأمانة، قال المولى جل وعلا: إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا ليستحق بذلك جائزة التكريم وشرف الخلافة. قال الله سبحانه: ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر وقال أيضا: وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة.

من فضل الله على عباده، أن تكرم عليهم بجارحة اللسان، فبواسطته يتكلمون فيتواصلون، وبه يعبرون عن أفكارهم وما به تجود قلوبهم وألبابهم، فيسمع لهم. يطربون الآذان بتلاوة آيات القرآن. ويروون عطش العقول بما في الكون من آيات الرحمان. لا غنى عنه للمربين، فضلا عن المفكرين والفنانين والمصلحين وسائر الآدميين.

بيد أن هذه النعمة، التي لا يدرك قدرها وقيمتها إلا فاقدها، قد تنقلب، بما كسبت أيدي الناس، إلى نقمة تجر الوبال على صاحبها وتورده المهالك، فيضحى بدون اعتبار وقد كرمه الله، ويمسي ذليلا وقد شرفه الله، ويصبح معولا للهدم والتخريب وللإصلاح والبناء قد خلقه الله.

اللسان سيف ذو حدين

وهذا قليل من كثير من النصوص الشرعية والآثار المروية التي تنبه إلى أهمية اللسان وخطورة الاستهانة بتبعاته.

قال الله عز وجل: ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد، وعن سفيان بن عبد الله رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله: ما أكثر ما تخاف علي؟ فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بلسان نفسه ثم قال: “هذا” 1. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الرجل ليتكلم بالكلمة ما يلقي لها بالا يهوي بها في نار جهنم، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة ما يلقي لها بالا يرفعه الله تعالى بها إلى الجنة” 2، وقال معاذ رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم: “يا رسول الله، أو نؤاخذ بما نقول؟ فقال: “ثكلتك أمك يا ابن جبل، وهل يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم” 3.

وأوصى علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ولده الحسن، فقال له: (أمسك عليك لسانك، فإن تلاف المرء في منطقه). وعن مالك بن دينار رحمه الله تعالى أنه قال: (إذا رأيت قساوة في قلبك، أو وهنا في بدنك، أو حرمانا في رزقك، فاعلم أنك تكلمت بما لا يعنيك)، وقال لقمان لابنه: (يا بني، من رحم يرحم، ومن يصمت يسلم، ومن يفعل الخير يغنم، ومن يفعل الشر يأثم، ومن لا يملك لسانه يندم).

قال الشاعر: احفظ لسانك أيها الإنسان *** لا يقتلنك إنه ثعبان

كم في المقابر من قتيل لسانه *** كانت تهاب لقاءه الشجعان

حرمة أعراض العباد

إذا كان اللسان كما أسلفنا قدرا وقيما وأهمية وخطورة فأحرى باللبيب من العباد أن يحرص على ألا يشغله بغير ما يرضي المولى عز وجل. فلا يقع في أعراض الناس بالغيبة أو النميمة أو السخرية أو إفشاء ما استؤمن عليه من أسرار… يقول الله سبحانه: يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم وقال أيضا: ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم.

وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “مررت ليلة أسري بي على أقوام يخمشون وجوههم بأظافرهم. فقلت: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين يغتابون الناس ويقعون في أعراضهم” وقال البراء: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أسمع العواتق في بيوتهن. فقال: “يا معشر من آمن بلسانه، ولم يؤمن قلبه لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإن من تتبع عورة أخيه، تتبع الله عورته، حتى يفضحه في جوف بيته”.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أحبكم إلى الله أحاسنكم أخلاقا الموطئون أكنافا، الذين يألفون ويؤلفون. وإن أبغضكم إلى الله المشاؤون بالنميمة، المعوقون بين الإخوان، الملتمسون للبراءة العثرات”، وقال أيضا: “ألا أخبركم بشراركم؟” قالوا: بلى، قال: “المشاؤون بالنميمة، المفسدون بين الأحبة، الباغون للبرءاء العيب”، وقال أبو ذر رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من أشاع على مسلم كلمة ليشينه بها بغير حق، شانه الله بها في النار يوم القيامة” 4.

وقال حاتم الأصم: (ثلاثة إذا كن في مجلس، فإن الرحمة مصروفة عنه: ذكر الدنيا، والضحك، والوقيعة في الناس). وقال سعيد بن جبير رضي الله عنه: (يؤتى بالعبد يوم القيامة فيدفع له كتابه، فلا يرى فيه صلاته ولا صيامه، ويرى أعماله الصالحة، فيقول: يا رب، هذا كتاب غيري، كانت لي حسنات ليس في هذا الكتاب، فيقال له: إن ربك لا يضل ولا ينسى، ذهب عملك باغتيابك الناس) 5.

اقرأ معي، في حفظ اللسان، كلاما نفيسا لعالم عابد مجاهد مجرب (امتلاك المؤمن لسانه من أهم الدلائل على ضبطه نفسه. فلا تجد الثرثار إلا منحلا عاجزا عن الصبر في المهمات. وفضيلة الصمت لا تنفك عن فضيلة التفكر، الثرثرة سطحية والصمت عمق. الإسراع إلى الكلام خفة والتفكر وتقليب الرأي رزانة.

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم طويل الصمت، وأمر به، وحذر المسلمين من حصائد الألسنة التي تكب الناس على مناخرهم في النار. وهذا يضع لنا أدبا للحد من لغط المجالس، والتنازع على الظهور في ميدان الخطب والصخب. زلة اللسان خطيئة، والصمت أول العبادة كما جاء في الحديث. لا سيما إذا كان مع الصمت ذكر الله، وتدبير الرأي في أمور المسلمين وإنضاجه) 6.

واعلم، حفظك الله وللحق هداك، أن الغيبة وأخواتها تحل بالقلب قبل أن ينطق بها اللسان، فاحرص على سلامة قلبك يسلم لسانك، وهل يسلم قلبك إلا بذكرك مولاك وتوددك لأخيك وقمعك لرعونات نفسك وطردك لوساوس شيطانك، ولن يتأتى لك ذلك إلا بتوفيق ربك. ودون هذا الذي قد ذكر لك مناجاة الليالي وتشوف إلى المعالي.

وفقني الله وإياك إلى حفظ اللسان واستشعار مراقبة الله تعالى في السر والعلن. آمين، والحمد لله رب العالمين.


[1] أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، والترمذي، كتاب الزهد، وقال: حسن صحيح.
[2] رواه البخاري.
[3] أخرجه الترمذي وقال: حديث صحيح.
[4] أبو حامد الغزالي، مكاشفة القلوب، دار إحياء التراث، الطبعة الأولى.
[5] ابن الجوزي، بحر الدموع، دار الفجر للتراث القاهرة، الطبعة الأولى
[6] عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي، دار الآفاق، الطبعة الرابعة، ص: 288.