أيها الأحبة إخواني وأصدقائي في العالم الأزرق؛ اسمحوا لي أن أعرض بين أيديكم موضوعا، قلما تتداوله القلوب والعقول، فبالأحرى الألسنة والأقلام، موضوع قد يثير اشمئزاز من يعتبره نهاية أو شـرا مطلقا، كما قد يثير استغراب من يعتبره إثارة للعواطف ودغدغة لها! وقد يثير شوق وولع من يعتبره بداية الطريق وليست النهاية، لن أطرحه هنا بصيغة الموعظة أو لغتها، وإن جرتني هيبته إلى ذلك جرا، لأنه مسألة وجودية، نوقش منذ القدم واختلفت حوله الرؤى بتعدد الديانات والمدارس الفلسفية، لذلك، فأنت وأنا وغيرنا أحرار في اختيار صيغة أو طريق الفلاح أو الخسران التي نريدها، أو النهاية التي نحبها.

  بين أيديكم جميعا، بمختلف إيديولوجياتكم وإطاراتكم المرجعية والواقعية والفكرية و… أعرض موضوع الموت، النبأ العظيم.

لا أحد منا ينكر هذه الحقيقة أو يشك فيها قدر ذرة، فكلنا نسمع ونرى ونقرأ يوميا كلمات تأبين وعزاء، في حق من فقدناهم، وذكر جميل فعالهم وما قدموه للإنسانية من صالح وعمل، حيث لا تكاد تخلو صفحة “فيسبوك” أو “واتساب” من حزن ورثاء لأقاربنا وأصدقائنا، أو بعض معارفنا في العالم الأزرق على مدار ساعات اليوم ودقائقه كلها، لكن، ماذا بعد ذلك؟

إننا نتحسر على رحيلهم دون سابق إنذار، كما يعبر الكثير في عالمنا الأزرق، ثم نعود إلى حيث كنا، وكأن الموت فاصل اشهاري، نعود بعده إلى لهونا وجدنا وحياتنا وننسى أنه إذا تخطانا اليوم، فقد يتخطى غيرنا ويأتي إلينا، فهو بيننا، لا يغفل عنا وإن غفلنا.

وقد تتساءلون: لماذا هذا الموضوع في هذا الوقت؟ أمتشائم أنت من هذه الحياة إلى حد حديثك عن منغصاتها؟ وقد يتساءل البعض، ما الذي تود تحقيقه من طرح موضوع خلت منه كثير من مؤلفات المفكرين والفلاسفة، بل حتى بعض العلماء والكتاب ممن يُحسب على المسلمين؟ أم إن الأمر فيه خالف تعرف؟ أم إنك هرمت وانسد الأفق أمامك واسودت الدنيا في عينيك فلم تجد إلا موضوع الموت لتثير الهلع في قلوبنا…؟

وأنت أيها السائل: أليس لك أسئلة حيرت قلبك وفكرك؟ أعلم جيدا أنك جربت كل الأفكار، لكنها لم تجب عن أسئلتك كلها، ولم تستجب لمطالبك، بل لم تشبع نهمك ورغباتك، بل ازدادت حيرتك وتزداد كلما صفا قلبك وعقلك، وخلوت يوما واستمعت بإمعان إلى باطنك وفطرتك، لكن لماذا تهرب إلى الأمام أملا في التنصل من حقيقة حيرتك؟ هل يطول هروبك من الحقيقة المطلقة التي تنتظرني وتنتظرك؟

 لماذا لا تحاول الخروج من سجن نفسك الذي صنعته بأفكارك وسجنت فيه عقلك وقلبك؟ أين حريتك التي تحدثك الحداثة عنها؟ أم هي السجانة التي لن تتركك إلا هالكا ضائعا خربا بين سرابها؟

 ليس المهم أن تجيبني أو أجيبك الآن، بل المهم أن أطرق بابك وتطرق بابي، وإن صدتهما الأيام وتناقض الأفكار والأحلام ردحا من الدهر.

أصدقائي وأحبتي:

اصبروا علي ومعي قليلا، فإنه لا يحركني فضول مجاني، بل يحركني هاجس المصير بعد الموت، لذلك فليساير بعضنا البعض في المشترك بيننا حتى نتواصل جيدا. فلنشترك، سعيا لتواصل مثمر، فالموت مشترك كوني يجمع ولا يفرق، يوحد المختلف قبل المؤتلف.

عندما ننزل إلى ساحات النضال أو الجهاد، لا مشاحة في تعدد الألفاظ، نختلف وتختلف رؤانا إلى حد المشاداة أحيانا وفراق الشقاق أحايين أخرى، لكن عند وفاة “إنسان” ما بيننا، يوحدنا الموت وتتوحد كلمات عزائنا وأحزان قلوبنا، بل نقف جميعا عند شفير قبر هالكنا، ونعلم يقينا حينها، أن الدور القادم قد يكون على أحد منا، فيغيب حينها التفلسف وتنميق الكلمات، بل تتحدث فطرتك وفطرتي التي رانت عليها الأحداث اليومية وغلفتها وأصبحت كأنها الأصل.