xyOY64MjdGc

في هذا المقتطف المرئي، يتطرق الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله إلى بعض الجوانب من سيرة الصحابي الجليل معاذ بن جبل رضي الله عنه، فيقول: 

هذا الصحابي الجليل معاذ بن جبل، الذي نركز على كلمة من كلماته وحكمة من حكمه رضي الله عنه هو من الخزرج والخزرج قبيل من قبيلَيْ الأنصار كان من أهل العقبة من السبعين الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في العقبة.

لماذا نذكر هؤلاء القوم وقد ماتوا وانصرفوا… سيضحك منا الناس ويقولون أنتم رجعيون ترجعون بنا إلى الوراء، اذكروا الأحياء الأبطال القدوة، فنقول أنتم لكم قدوتكم في الدنيا ممن تعجبون من إنجازاتهم، ونحن نعجب من رجال أنجزوا أمورا باقية للأبد. الإنسان يحتاج إلى نموذج يتشبه به، ونحن نتشبه برجال كانوا أقرب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وتربوا التربية التي رباهم عليها صلى الله عليه وسلم وسمعوا كلامه صلى الله عليه وسلم وكلام صحابته رضي الله عنهم. فمن الرجعيون إذن؟ نحن أم هم؟

ما معنى رجعيون؟

هم رجعوا إلى التراب في هذه الدنيا، أخلدوا إلى الأرض، واتبعوا هواهم، فمثلهم كمثل الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ.

هم أخلدوا إلى الأرض ينظرون إلى الأمور الدنيوية ونحن ننظر إلى النماذج العليا التي نجحت في الدنيا في الخير.

لما أسلم معاذ بن جبل رضي الله عنه كان له من العمر عشرون عاما، ومات هذا الرجل شابا في السادسة والثلاثين. ماذا فعل في هذه الستة والثلاثين عاما؟

أولا شارك في مشاهد رسول الله في صلى الله عليه وسلم كلها، والمشاهد هي الغزوات التي حضرها صلى الله عليه وسل؛ غزوة بدر ثم أحد ثم الخندق… حتى جاء الفتح.

كان سيدنا معاذ بن جبل جميل الصورة، يصفون في كتب السير شَعره ووجهه الصبيح وعينيه وأسنانه فيقولون إنه كان براق الثنايا. وكان جميل الصورة الباطنية كذلك.

قال له صلى الله عليه وسلم: “يا معاذ إني أحبك”. ومن أخبره صلى الله عليه وسلم أنه يحبه فهو محبوب عند الله عز وجل. إذا أحبه رسول الله فالله يحبه. ولا يحب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا المحبوبين عند الله.   

“يا معاذ إنني أحبك فلا تدع أن تقول دبر كل صلاة اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك”.

هل كان صلى الله عليه وسلم يحب في معاذ جمال صورته الظاهرة أم يحب فيه شيئا آخر؟

كان يحب فيه الأخلاق والعلم.

بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم معلما إلى اليمن وحاكما وممثلا للإسلام وهو شاب، بين العشرين والثلاثة وعشرين عاما، يعلم الناس الدين.  وسأله صلى الله عليه وسلم: “يا معاذ، بماذا تحكم؟” قال بكتاب الله. قال: “فإن لم تجد؟” قال: فبسنة رسول الله. قال: “فإن لم تجد؟” قال فبرأيي. فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم على صدره، وهذه علامة محبة له، وقال: “الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله إلى ما يرضي رسول الله”.

تصوروا النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت وله من العمر ما يناهز الستين ومعاذ بن جبل شاب صغير في العشرينات ويشيعه رسول الله صلى الله عليه وسلم عند انصرافه إلى اليمن، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي وسيدنا معاذ على جمله تعظيما له واحتراما له.

كان سيدنا معاذ من الأربعة الأنصار الذين حفظوا القرآن كله؛ أبي بن كعب الذي جمع القرآن في عهد سيدنا معاذ وزيد بن ثابت والرابع سالم مولى أبي حذيفة أو صحابي آخر.

كان صلى الله عليه وسلم يقول: “أرحم أمتي بأمتي أبو بكر وأشدهم في دين الله عمر وأصدقهم حياء عثمان وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح”. كان معاذ بن جبل عالما جليلا من علماء الصحابة، وكان الصحابة إذا تكلم معاذ سمعوا، كانت له مهابة عند الصحابة على صغر سنه.

روى أحد التابعين أنه دخل مسجدا في حمص فوجد ثلاثين من الصحابة وبينهم شاب براق الثنايا جميل الصورة فكان إذا تكلم معاذ أطرقوا.

ومن جملة مآثره أنه بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ووفاة أبي بكر الصديق كان سيدنا عمر يقول: لولا علي لهلك عمر، وكان يقول أيضا لولا معاذ لهلك عمر.

عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه جاءه رجل فقال: يا أمير المؤمنين إني غبت عن امرأتي سنتين فجئت وهي حبلى فشاور عمر رضي الله عنه ناساً في رجمها فقال معاذ بن جبل رضي الله عنه يا أمير المؤمنين إن كان لك عليها سبيل فليس لك على ما في بطنها سبيل فاتركها حتى تضع فتركها فولدت غلاماً قد خرجت ثناياه، فعرف الرجل الشبه فيه فقال: ابني ورب الكعبة، فقال عمر رضي الله عنه: عجزت النساء أن يلدن مثل معاذ، لولا معاذ لهلك عمر.

قرأ سيدنا عبد الله بن مسعود مرة: إِنَّ معاذا كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. فقالوا له: يا عبد الله نسيت، الصحيح: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. فقال ما نسيت ولكن كنا نشبه معاذا بإبراهيم الخليل. والأمة من يعلم الناس الخير.

ونسأل الله عز وجل أن يجعل كل واحد منكم أمة بهذا المعنى يعلم الناس الخير خاشعا قانتا لله. هكذا مات سيدنا معاذ.

ولاه سيدنا عمر ولاية بالشام فجاء طاعون عمواس، فمات بالطاعون أبو عبيدة بن الجراح وجاء عمرو بن العاص فقال للناس أن يهربوا من الطاعون فخطب معاذ في الناس قائلاً: “إنه قد بلغني ما تقولون وإنما هذه رحمة ربكم ودعوة نبيكم، وكموت الصالحين قبلكم، ولكن خافوا ما هو أشد من ذلك أن يغدو الرجل منكم من منزله لا يدري أمؤمن هو أو منافق، وخافوا إمارة الصبيان”.

موقف من مواقف المسؤولية العظمى، لما فتح الله للنبي صلى الله عليه وسلم وللمسلمين مكة وقبل أن ينصرف صلى الله عليه وسلم ولى عليهم شابين، سيدنا عتاب بن أسيد حاكما وكان عمره عشرين عاما، ومعاذا بن جبل معلما.

كيف يعلم معاذ وهو من الأجلة في الفقه والعلم قوما حديثي عهد بجاهلية ومهزومين ومتذمرين…؟

تصوروا المشركين الذين يسمون مسلمة الفتح والذين أسلموا خوفا… في أم القرى ذات المجد القرشي وفيها بيت الله الحرام… وجاء شابان يحكمانها أحدهما حاكم والآخر معلم… مهمة شاقة جدا تصدى لها سيدنا معاذ بن جبل رضي الله عنه.