بعد انتظار عمر طويلا لإصلاح قطاع التربية والتعليم في بلادنا، والذي يعرف اختلالات جلية أقر بها المتتبع العام قبل المتخصص، قطاع عنوانه البارز الفشل المتوالي لمحاولات الإصلاح التي لم تنبن على تشخيص الواقع المتردي لسد الخلل، فشل يدل على عدم ملاءمة الإصلاحات لما يعرفه المجال من فساد وترد، صادق مجلس  الوزراء، بتاريخ 20 غشت الجاري (2018)، على مشروع القانون-الإطار رقم 17-51 المتعلق بمنظومة التربية والتعليم والتكوين والبحث العلمي، والذي يندرج في إطار “الرؤية الاستراتيجية لإصلاح منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي 2015-2030”.

هذا المشروع، نسجا على سابقيه من مشاريع إصلاح منظومة التعليم منذ عهد الاستقلال إلى يومنا هذا والتي ثبت فشلها تجريبيا بشكل ذريع كان من نتائجه المخجلة ما يعيشه القطاع اليوم، تكتنفه عدة نقائص، نشير إلى بعضها في الملاحظات التالية:

الملاحظة الأولى:

يلاحظ أن مشروع القانون انبنى على “مضامين الميثاق الوطني للتربية والتكوين، بوصفه لا يزال يمثل إطارا مرجعيا للإصلاح” كما جاء في الوثيقة، ومعلوم أن هذا الميثاق قد ظهرت عوراته منذ زمن بعيد، ودبجت في فشله مقالات ودراسات، وكان من أسباب تردي المنظومة التربوية والتعليمية حتى وصلت إلى ما هي عليه الآن، فحق لنا أن نتساءل كيف ينبني مشروع إصلاحي على آخر أثبتت التجربة فشله؟

الملاحظة الثانية:

على طول الوثيقة/المشروع لا يوجد توصيف دقيق لحالة وضعية التعليم بالمغرب، يضع الأصبع على مكامن الخلل ويصف العلاج المناسب، بل كانت هناك إحالات على الخطب الملكية وأحكام الدستور ذات الصلة بالمجال، دون الإحالة مطلقا على الدراسات الوطنية والدولية في المجال والتي كان من المفيد البناء عليها للوقوف على الداء قصد وصف الدواء الملائم.

الملاحظة الثالثة:

يضرب مشروع القانون بشكل واضح وجلي مجانية التعليم، حيث ينص صراحة في الباب الثامن الخاص بتمويل منظومة التربية والتعليم والتكوين والبحث العلمي، في المادة 42 على “تفعيل التضامن الوطني والقطاعي، من خلال مساهمة جميع الأطراف والشركاء المعنيين، وخصوصا منهم الأسر الميسورة والجماعات الترابية والمؤسسات والمقاولات العمومية والقطاع الخاص”، وفي المادة 45 على “إقرار مبدإ المساهمة في تمويل التعليم العالي بصفة تدريجية، من خلال إقرار رسوم للتسجيل بمؤسسات التعليم العالي في مرحلة أولى وبمؤسسات التعليم الثانوي التأهيلي في مرحلة ثانية“.

ومع أن مشروع القانون استعمل أساليب للتضليل من مثل “الأسر الميسورة” و”الأخذ بعين الاعتبار مستوى الدخل والقدرة على الأداء”، إلا أنه يمكن للمتتبع البسيط استشعار التدليس باستخدام هذه الأساليب، فالأسر المتوسطة لا تدرس أبناءها في التعليم العمومي نظرا لتردي جودته فما بالك بـ”الأسر الميسورة”، حيث لا يلجأ إلى التعليم العمومي إلا الطبقات المسحوقة من أبناء الشعب المغربي التي لا تملك عنه بديلا. ناهيك أن ذات الأمر سبق وأن جرب في إطار “الاستحقاق الاجتماعي” مع منحة الطلبة وظهر عواره حيث تم حرمان آلاف الطلبة المحتاجين من منحة التعليم العالي.

الملاحظة الرابعة:

تنص المادة 18 من الباب الرابع، الخاص بالولوج إلى منظومة التربية والتعليم والتكوين والبحث العلمي وآليات الاستفادة من خدماتها، أن الدولة ستمكن المتعلمين من الاستفادة من “نظام للقروض الدراسية لفائدة المتعلمين الذين يرغبون في الاستفادة من هذه القروض قصد متابعة دراستهم العليا”.

وهي آلية مستقاة من أنظمة بعيدة كل البعد عن النظام المغربي، فالدول المتقدمة تعمل على إدماج المتخرجين في سوق الشغل مباشرة بعد إنهاء تعليمهم العالي، وهي إن أقرضت الطالب بما يمكنه من إتمام دراسته العليا فإنها تستطيع إرجاع ما أقرضته بعد تشغيله، ويعتبر هذا الحل ناجعا وملائما للطرفين. أما في بلدنا المغرب، فالبديهي أن الطالب الذي سيقترض ما يمكنه من إتمام دراسته ينتمي إلى أسرة لا تستطيع توفير المال، وإلا ما اضطر الطالب إلى السلف، ثم إنه لا يدري متى يحالفه الحظ بإيجاد عمل ملائم يستطيع منه رد الدين، ففرص الشغل متدنية، والشوارع تعج بحاملي الشهادات الذين يتعرضون للضرب والسحل في الشوارع لمن سولت له نفسه الاعتراض على الأوضاع والمطالبة بحقوقه، فهل يزداد السجن أيضا في حال لم يستطع الطالب تسديد ديونه؟

هذه ملاحظات من وحي القراءة الأولية للوثيقة، ونعد القراء بالعودة إلى القانون بتفصيل وتدقيق أكثر مع متخصصين في المجال.