أقسم الله سبحانه بالعصر، زمنا محددا أو أبدا، تنبيها لي ولك واشعارا بقيمة الزمان الذي هو عمري وعمرك، ميزانيتي وميزانيتك، بداية ونهاية، و“الموت يصيبني قبل أن يصيب غيري.”  1 دعوة مفتوحة منه لمساءلة النفس قبل أن تسأل، ولدعوة الأمارة إلى الإسراع فرارا من سجنها الذي صنعته لنفسها وبنفسها، سجانة وسجينة بأشيائها، تقتل الدقائق والساعات والأيام والشهور والسنوات، إن لم تستيقظ، فستستيقظ، ولات حين ندم، عند ربها مقطوعة “عن الإيمان والعمل الصالح. خسرت الدنيا والآخرة” 2، لم تومن ولم تعمل عملا صالحا، وياليتها فعلت، نعوذ بالله من وهم ليس بعده الا وَالعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ 3، خسران الدنيا والآخرة.

وبشرى الاستثناء، لي ولك، ولمن لم يكن مقطوعا عن الايمان والعمل الصالح، لم تنقطع ولن تنقطع، أولئك بشرهم ربهم ب: إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ 4، لكنها بشرى مشروطة، وعندها “يتقرر الحكم… فالذين آمنوا وعملوا الصالحات لا يلحقهم الخسران بحال إذا لم يتركوا شيئاً من الصالحات… ومن أكبر الأعمال الصالحات التوبة من الذنوب لمقترفيها.” محمد الطاهر بن عاشور، تفسير التحرير والتنوير، الدار التونسية للنشر.

توبة نصوح خالية من المكدرات والشوائب، تلم شعث التائب كما تلم المنصحة (الابرة) الثوب الممزق، وكأن الذنب يمزق الدين ولباس الحياء، والتوبة النصوح تخيطه.

يقول ابن الأثير: “النصيحة… إرادة الخير للمنصوح له فليس يمكن أن يعبر عن هذا المعنى بكلمة واحدة تجمع معناها غيرها”. 5وقال آخر هي “كلمة جامعة تتضمن قيام الناصح للمنصوح له بوجوه الخير إرادة وعملاً”  6 الكلام منسوب لابن الصلاح.، فيكره “لهم ما يكره لنفسه، ويشفق عليهم، ويرحم صغيرهم، ويوقر كبيرهم، ويحزن لحزنهم، ويفرح لفرحهم، وإن ضره ذلك في دنياه كرخص أسعارهم، وإن كان فيه فوات ربح ما يبيع من تجارة، وكذلك جميع ما يضرهم عامة، ويحب صلاحهم وألفتهم ودوام النعم عليهم، ونصرتهم على عدوهم. ودفع كل أذى ومكروه عنهم” 7، وربطها آخر بعمل نفيس، تجاوز عمل الجوارح إلى أعمال القلوب حين قال: “النصيحة عناية القلب للمنصوح له كائنا من كان، وهي على وجهين: أحدهما فرض وهي لله شدة العناية من الناصح باتباع محبة الله في أداء ما افترض ومجانبة ما حرم، والثاني نفل وهي إيثار محبته على محبة نفسه، وذلك أن يعرض أمران أحدهما لنفسه والآخر لربه فيبدأ بما كان لربه ويؤخر ما كان لنفسه” 8، مهما علا شأنه: علما ومالا ونسبا وسلطانا، أو دنا فقرا وجهلا واحتقارا، عناية القلب وان على حساب المصالح الخاصة التي قد تضرر، لكنها، قد تكون أبلغ وأفيد إذا كانت للنفس، والنفس أولى بالنصح من غيرها وأحوج، وذلك بتجنّب ما يؤذيها في الدنيا والآخرة.

وصدق الشاعر حين قال:

فابدأ بنفسك فانْهَهَا عن غيها***فإذا انتهَتْ عنه فأنت حكيم

إنها لمعان نفيسة ونبيلة من علماء أجلاء، توارثوها نورا، صحبة ودربة، فكيف نتمثل هذه الدرر كما تمثلوها حالا ومقاما؟

لا بد من الرجوع إلى النموذج الذي كان يمشي نصيحة على الأرض، لا بد من معرفة كيف عاشها الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه في غزوة بدر وصلح الحديبية وغزوة الأحزاب، وقبلها عند هجرته من مكة إلى المدينة، وبعدها في أسرى بدر، لنتساءل كيف كان صلى الله عليه وسلم يقبل الصواب، ويستمع إلى الرأي المخالف بحلم وصبر، وكيف كان صلى الله عليه وسلم يصبِـر لجفاء الأعرابي ولمعارضات عمرَ بن الخطاب (كما سنرى)، بل وكيف كان يشجع المبادرات ويقبل الرأي المخالف.

فتعالوا بنا نصحب الحبيب صلى الله عليه وسلم وأصحابه، رضوان الله عليهم، في هذا الموقف الجهادي الفريد. تصوروا معي: جيش الإسلام يقف أهمَّ وقفة وأبلغها أثرا في تاريخه، في معركة الفرقان، والعدو محدق بالمسلمين، يرقص طربا، والمومنون في قلة عدد وعتاد ومؤونة… بطون جائعة عارية، لكنها بكرم ربها متمتعة راضية.

إنها معركة بدر الكبرى في مواجهة قريش، خبرة وقوة جيش ووفرة زاد، حينها النبي صلى الله عليه وسلم قائد، وكان معه رجال من قبائل شتى، لهم رأيهم واجتهادهم وتجربتهم الميدانية في الحرب والسلم، ولهم شخصيتهم، لم يكونوا إمعاتٍ وتبعا، بل كانوا يعلمون معنى المسؤولية ويقدرونها حق قدرها، ويتقدمون بالمبادرة الإيجابية، ينصحون لله ولرسوله ولكتابه وللمؤمنين وعامتهم، أحياء غيرَ أموات، وإذا بسيدنا الحُبابُ بن المنذر رضي الله عنه ينبري قائلا: يا رسول الله! أرأيْتَ هذا المنزلَ؟ أمنزلٌ أنزلكه الله، ليس لنا أن نتقدمه أو نتأخر عنه. أم هو الرأي والحرب والمَكيدة؟  9 أدب رفيع ورأي في لطف وبلطف وهو يعلم ما يريد.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: “بل هو الرأي والحرب والمَكيدة!” 10

قال الحُبابُ: يا رسول الله! فإن هذا ليس بمنزل! فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم، فننزِلَه، ثم نُغوِّر ما وراءه من القُلُبِ، ثم نبني عليه حوضا فنملؤه ماء، ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون.

إنها النصيحة، لم يتكلم الصحابي الجليل ترفا ولا سمعة، لكنه أبدى رأيا، ونعم الرأي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لقد أشرت بالرأي!” ولم يقل له: نعم الرأي، الأولى أبلغ للرفع من قيمة رأي الحباب، بل زاده قوة وسدادا باللام وحرف التحقيق، كيف لا وقد أوتي عليه الصلاة والسلام جوامع الكلم.

ومن بستان إلى بستان، ومن ربوة إلى ربوة، فها هو سيدنا عمر الفاروق رضي الله عنه، قد تَرَبَّى على المعارضة البناءة، وسماع النقد وطلب النصيحة، سنتذكر موقفه يوم صلح الحديبية، وهو من هو، ألم يرفض إعطاء الدنية في دينه وجادل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ هل كان موقفه هذا شكا في رسالة نبينا أم طلبا لمعرفة أشياء خفيت عنه؟ أم تراه أراد إذلال المشركين في موقف قد لا يتكرر؟

 ألم يكن يعلم بأنه يخاطب سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤيد بالوحي؟ أم تراه نسي ذلك تحت ضغط الشروط المجحفة في الظاهر؟ وهل كانت له القدرة على كشف أسرارها لولا صحبته له صلى الله عليه وسلم وما تسنى له معرفته من حلمه وحرصه على الحق وعفوه ومحبته الخير للناس؟ فقد كان صلى الله عليه وسلم “يَحرِص على الاستبقاء على حياة قريش، ويأمل في إسلامهم وإفادة الدعوة منهم11 لأنه صلى الله عليه وسلم علمه ربه أن “الناس معادن، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فَقُهوا”  12 وهو الذي خبر قريشا عن قرب، يعلم فصاحتهم وذكاءهم وخِبرتهم ومكانتهم بين القبائل، فكان يحرص على إسلامهم، بل ويتحسر على عنادهم، لأن في ذلك “خير عظيم للدولة والدعوة كما برهنت الأيام”، “يا ويح قريش؛ أكلتْهم الحرب، ماذا عليهم لو خلَّوا بيني وبين الناس، فإن أصابوني كان الذي أرادوا، وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وهم وافِرون، وإن لم يفعلوا قاتَلوا وبهم قوة؟! فما تظنُّ قريش، والله إني لا أزال أجاهِدُهم على الذي بعثني الله له حتى يُظهِره الله، أو تَنفرِد هذه السالفة” 13، هكذا تكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم حزنا على قومه وخوفا عليهم لعدم انتفاعهم بالنصيحة، وكذلك كان حين دعا: “اللهم أعز الإسلام بأحد العمرين”، فكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

 


[1] ياسين عبد السلام، مجلة الجماعة، العدد: 2، ص: 89.
[2] ياسين عبد السلام، مجلة الجماعة، العدد: 2، ص: 89.
[3] سورة العصر.
[4] سورة العصر.
[5] أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم، ابن منظور، لسان العرب، دار صادر 2003، حرف النون، مادة نصح، ج: 14 ص: 269.
[6] محمد بن أحمد بن سالم السفاريني، مؤسسة قرطبة، 1414هـ/ 1993م، رقم الطبعة: ط2: عدد الأجزاء: جزءان، ج: 1، ص: 46.
[7] محمد بن أحمد بن سالم السفاريني، مؤسسة قرطبة، 1414هـ/ 1993م، رقم الطبعة: ط2: عدد الأجزاء: جزءان، ج: 1، ص: 46. الكلام منسوب لابن الصلاح.
[8] محمد بن أحمد بن سالم السفاريني، مؤسسة قرطبة، 1414هـ/ 1993م، رقم الطبعة: ط2: عدد الأجزاء: جزءان، ج: 1، ص: 46. الكلام منسوب لابن الصلاح.
[9] عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري، السيرة النبوية لابن هشام، غزوة بدر الكبرى، مشورة الحباب على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
[10] عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري، السيرة النبوية لابن هشام، غزوة بدر الكبرى، مشورة الحباب على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
[11] أكرم ضياء العمري، محاولة لتطبيق قواعد المحدثين في نقد روايات السيرة النبوية، مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، ط: 6/ 1415، ص: 438.
[12] أكرم ضياء العمري، محاولة لتطبيق قواعد المحدثين في نقد روايات السيرة النبوية، مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، ط: 6/ 1415، ص: 438.
[13] لسيرة النبوية الصحيحة (2: 438، 439)، والحديث في مسند أحمد (18152) عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم.