جلال الله وجماله

في هذه الأيام يتوافد ضيوف الرحمان بعدما أدوا مناسك الحج عائدين إلى أهليهم وأمصارهم. ومن تقدير المسلمين لعظمة شعيرة الحج أن يقبل الناس على الحجاج مهنئين ومتبركين بأنوار الديار المقدسة، يسألون عن الأجواء الإيمانية وهيبة المكان وجلال الموقف. وهنا وجب تنبيه الحجاج ليكونوا رسل خير يحفزون غيرهم -بالحال قبل المقال- لأخذ العدة لأداء فريضة الحج ما دام في العمر بقية؛ يحفزون غيرهم بوصف ما خص به الله تعالى الديار المقدسة من أنوار، وما أضفى سبحانه على البيت الحرام من جلال، وعلى المدينة المنورة ومسجدها النبوي من جمال. أنوار تغزو القلوب فتندى بنفحات الإيمان فيحس الحجاج إقبالا على الله تعالى، فتنصرف عنهم صوارف التهمم بأحوال الأهل والولد عطاءً منه سبحانه وتكرماً، ويندمجون في مواكب الساعين الذاكرين المتضرعين الراجين عفو الكريم المنان، فتخف لأبدانهم الطاعات، وترق منهم القلوب وتنهمر العبرات، ويغمرهم العطاء الرباني فيغفر الذنوب، ويستر العيوب، ويقيل العثرات، ويعود الحجاج -ما لم يرفثوا أو يفسقوا- كيوم ولدتهم أمهاتهم.

“فاستقم كما أمرت..”

الحج في اللغة هو القصد والتوجه، يقال: حج إلى المكان: قصده وتوجه إليه. واصطلاحا هو التوجه إلى الديار المقدسة بنية أداء مناسك الحج.

وقد رتب الشرع لكل عبادة مقاصد وغايات، فإذا كانت الصلاة تطهيرا للنفس من الفحشاء والمنكر قولا وخلقا، والصوم تخليصا لها من مألوفاتها، والزكاة انعتاقا لها من الشح وشفاءً من حب المال، فإن الحج مدرسة لتهذيب النفس على ذلك كله. قال الحسن البصري رحمه الله في صاحب الحج المبرور: أن يرجع زاهدا في الدنيا، راغبا في الآخرة.

الحج موسم للتزود كرمضان، والغاية بعد الحج هي الاستقامة، فمن ذاق حلاوة تمسك بها، فكيف إذا كانت الحلاوة لذة الأنس به سبحانه. من عرف ربه لزم بابه، ومن وقف على عظيم كرمه لم يسأل غيره. ترى كيف يعيش الحاج وغير الحاج حقيقة الحج بما هو إقبال على الله تعالى استئناسا بمقاصد أركان الحج؟

مقاصد أركان الحج

أركان الحج أربعة: الإحرام، الطواف، السعي، الوقوف بعرفات. ولكل ركن مقصد يمكن للمسلم -كما تيسر للحاج-أن يسعى لتحقيقه ويعيش على طلبه تجديدا للإيمان واكتسابا لحلاوة وحقيقة الإيمان: طلب وجه الله تعالى.

1. الإحرام: هو النية التي بها يلج الحاج الميقات المكاني التي تحدد نوع حجه مفردا أم مقرنا أم متمتعا. ويقتضي من الرجل التجرد من المحيط والمخيط. وهذا حال يجب أن يعيش عليه المؤمن طوال حياته. نية متجددة بتجدد الأيام وتوالي العبادات على أنواعها، فالأعمال بالنيات. والنية عمل القلب، ليكون القصد هو وجه الله تعالى؛ وهذا ليس بالأمر الهين كما يخال الكثير. قال الإمام السهروردي رحمه الله بعد أن ذكر حديث إنما الأعمال بالنيات: النية أول العمل، وبحسبها يكون العمل… ومن لم يهتد إلى النية بنفسه يصحب من يعلمه حسن النية) 1 .

وبعد صلاح النية يطلب التجرد من المحيط والمخيط: عجب بالنفس واستعلاء على العباد بالمال أو الجاه والرياء والبطر محبطات للأعمال تحيلها هباءً، فلا يحصل منها صاحبها إلا العناء كحال من كان حظه من صيام مخدوش بالزور والصخب والجوع والعطش.

2. الطواف: يقول صلى الله عليه وسلم: “إنما جعل الطواف للذكر”. والطواف من أسمى العبادات، يتشبه به الحجاج بالملائكة في طوافهم حول البيت المعمور. طواف أساسه الذكر والدعاء؛ وهذا لب الطواف الذي لا ينبغي أن يستغني عليه مؤمن، فالذكر رأس الأمر كله، والدعاء هو العبادة ومخها كما في الحديث. طواف بأشواطه السبعة يفيد الإلحاح على الوقوف بباب الله بقلب منكسر وافتقار وتذلل.

3. السعي: هو التنقل بين نقطتي الصفا والمروة التي هي من شعائر الله بنص القرآن الكريم. والسعي لغة هو التماس الشيء وطلبه بنحو من الإصرار كما كان شأن هاجر أم سيدنا إسماعيل عليه السلام، سعت وألحت في طلب الماء حتى جاء الفرج، فانفجرت زمزم ولا تزال وستبقى دليلا قاطعا في أرض صحراء على عظمة المولى الكريم. سعي بسير حثيث حال كل مؤمن صادق يطلب وجه ربه، فبادر بعد تثبيت الفرائض للإكثار من السنن والمستحبات من فضائل الأعمال. يقول جل وعلا: ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا.

4. الوقوف بعرفات: “الحج عرفات” ولا حج لمن لم يقف في صعيدها يوم التاسع من ذي الحجة، فهو الركن الذي لا ينجبر بدم. وعرفات موطن الدعاء المستجاب، فيه تتنزل رحمات الكريم، فيغفر للحاج ولمن دعا له الحاج. ومن تمام فضلها أن صيام يوم عرفات لغير الحاج يغفر الله تعالى به ذنوب السنة الحالية والقابلة. فضل الله تعالى وكرمه يغمر الحجاج كما يغمر المؤمنين المقبلين بافتقار وتبؤس في سائر الأيام. والمولى الكريم الذي يسع الحجاج بعفوه في عرفات يتنزل في الثلث الأخير من كل ليلة ليغفر للمستغفر، ويتوب على التائب، ويعطي السائل. فرصة معروضة كل يوم، فهل من واقف بالباب يرجو النوال؟

لبيك اللهم لبيك..

التلبية شعار الحاج منذ إحرامه إلى حين تحلله. “لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك…” أي: أنني خاضع لك، منقاد لأمرك، طاعة لك، واستسلاماً. وهذه هي حقيقة الاستجابة لنداء الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا... استجابة تقتضي الاستقامة والمداومة على الطاعات في الحج وفي غيره. فعن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “أحب الأعمال إلى الله الذي يدوم عليه صاحبه” 2 .

مداومة وإقبال متجددان على الله بما شرع من الأعمال والطاعات تغطي حياة المؤمن، ويعيش عليها ليكرمه الكريم بحسن الخاتمة، لأن من عاش على شيء مات عليه؛ وإنما يبعث الناس على ما يموتون عليه.

بهذا المعني تصبح حياة المؤمن إقبالا دائما ومسارعة للخيرات وسباقا تؤطر الاستجابة لأمر الله تعالى حياته سلوكا وحركة عامة، فيُحمَدُ منه السعي، وتُبـاركُ الأعمال فيستحق العطاء الرباني: سارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس. والله يحب المحسنين.


[1] الإحسان للأستاذ عبد السلام ياسين. الجزء: 1. ص: 351.\
[2] رواه البخاري.\