TNFeJnN1Daw

يواصل فضيلة الأستاذ محمد عبادي قراءته في كتاب “شعب الإيمان” للإمام المرشد عبد السلام ياسين رحمه الله. وفي هذه الحلقة يتحدث عن توقير الكبير والرحمة بالصغير.

عن أَبي موسى رضي الله عنه  قَالَ: قالَ رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: “إِنَّ مِنْ إِجْلالِ اللَّهِ تَعَالَى: إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبةِ المُسْلِمِ، وَحَامِلِ الْقُرآنِ غَيْرِ الْغَالي فِيهِ والجَافي عَنْهُ، وإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ المُقْسِطِ”. حديثٌ حسنٌ، رواه أَبُو داود.

المجتمع المسلم مجتمع قائم متماسك متحاب متآلف يرحم بعضه بعضا ويوقر بعضه بعضا ويعين بعضه بعضا فهم ذات واحدة. وهذه من الآداب التي علمنا إياها الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم: كيف نعامل الشيخ الكبير وكيف نعامل الصغير، كيف نعامل من هو أسن منا أو أصغر منا. يقولون: إذا رأيت من هو أصغر منك فقل: “لقد سبقته إلى المعاصي”، وإذا رأيت من هو أكبر منك فقل: “لقد سبقني إلى الطاعات”. تبقى نظرتنا إلى الآخر دائما نظرة إيجابية نظرة تعظيم ونظرة إكبار ونظرة إجلال.

إكرام ذي الشيبة المسلم لأن “من شاب في الإسلام شيبة استحيى الله منه”“خير الناس مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ”… ويصبح تعظيمه وإكرامه وخدمته ومحبته وإعانته إكراما لله وإجلالا لله وتقديسا لله وتعظيما لله.

وإكرام حامل القرآن، والحمل دلالة على ثقل المحمول وهو القرآن، والذي يحمل القرآن بحق يستحق أن يجله المسلمون ويحترموه ويوقروه ويخدموه، والأمة كانت تعظم حفظة كتاب الله عز وجل إلى أن استعمرنا فانقلبت الموازين فأصبح حملة القرآن لا يعبأ بهم ولا يحتفى بهم فينبغي أن ترجع مكانتهم في قلوبنا وفي المجتمع لأنهم من أخير الناس: “خيركم من تعلم القرآن وتعلمه”. ولكن ما مواصفات حامل القرآن: “غير الغالي فيه والجافي عنه”. “الغالي” من الغلو والتشدد على مستوى العقائد أو العبادات بحيث يضع الفروع في محل الأصول مثلا… و”الجافي” من الجفوة، أي هناك مخاصمة، الجافي عن القرآن هو الذي يهمله ويتركه… ترك العمل به أو لم يعد يقرأه…

و”إكرام ذي السلطان المقسط”. المقسط هو العادل. والقاسط هو الظالم. صاحب السلطان لا نتحدث عن رئيس الدولة فقط بل كل من له سلطة كالمدير في معمله… لأن بعدله يسود الأمن وتعطى الحقوق ولا يظلم أحد عنده فيعيش الناس الطمأنينة ورفد العيش فيستحق أن يكرم لأن صلاحه لا ينحصر في ذاته بل يتعداه إلى كل من يعيش تحت سلطته. فإكرامه إجلال لله.

عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا ويأمر بالمعروف وينه عن المنكر”.

“ليس منا” لا تعني أنه خارج عن دائرة الإسلام، ولكن معناه أنه ليس على هدينا وليس على سنتنا وما نحن عليه، يعني أن نهجه مخالف لنهج رسول الله صلى الله عليه وسلم. هو تعبير فيه تهديد وتحذير فبخاف الإنسان على نفسه أن يُطرد من أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيحذر ما يذكره صلى الله عليه وسلم.

“ليس منا من لم يرحم صغيرنا”، الصغير يحتاج إلى الرحمة لأنه ضيف، كما هو شأن من يكبر في السن كلاهما يحتاج إلى رعاية خاصة ومنهم من يرد إلى أرذل العمر، ثم ننكسه في الخلق… الانتكاس: الجوع إلى الأصل. عواطف الشيخ مثل عواطف الصغير سرعان ما يغضب وسرعان ما يبكي فهو يحتاج إل ى رعاية خاصة كالطفل الصغير… ومن التقليد الأعمى هو ما يبنى من دور العجزة. ما ينبغي أن يكون في المجتمع الإسلامي دور للعجزة. الغرب يشكون من التفكك الأسري حيث تصبح علاقة الإنسان بوالديه كعلاقته بالأجانب فيطالبهما بثمن الكراء و…

“ويأمر بالمعروف وينه عن المنكر”: تجد من المسلمين من يصوم ويصلي ويتصدق ولكن يضيع فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “مَا كَانَ مِنْ نَبِيٍّ إِلا كَانَ لَهُ حَوَارِيُّونَ يَهْدُونَ بِهَدْيِهِ، وَيَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِهِ، ثُمَّ يَكُونُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ، وَيَعْمَلُونَ مَا تُنْكِرُونَ، مَنْ جَاهَدَهْمُ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، لَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ”.

لا بد من تغيير المنكر الأكبر فتتغير المناكر الصغيرة. المنكر يغطي الحماية للمناكر الصغرى. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الفرائض العينية.

عن سمرة بن جندب قال: لقد كنت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم غلاما فكنت أحفظ عنه فما يمنعني من القول إلا أن هاهنا رجالا هم أسن مني.

هذا من الأدب. كان لا يتصدر للفتوى والحديث بل يقدم من هم أسن منه.

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا سَقَى قَالَ: “ابْدَءُوا بِالْكَبِيرِ، أَوْ بِالأَكَابِرِ “.

وهذا من الأدب أن يبدأ بالكبير، وليس في الشرب فقط بل في المشي وفي الكلام… وهناك الكبير في السن وهناك الكبير في المرتبة وهناك الكبير في الولاية وهناك الكبير في العلم ولو كان سنه صغيرا. فلهم المكانة والأسبقية في التفضيل والإكرام.