8 – رمي الجمرات… ذكريات خالدات                                 

أخي الحاج…

بعد طواف الإفاضة الذي تتحلّل به التحلّل الأكبر، عليك العودة إلى منى لتمكث بها يومين  – إن تعجلت – أو ثلاثة أيام  – إن تأخرت – .

وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ ۚ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ لِمَنِ اتَّقَىٰ ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ البقرة 203

ترمي الجمرات الثلاث كلّ يوم بعد الزوال، بسبع حصيات لكلّ جمرة؛ تبدأ بالجمرة الأولى  – الصغرى – ، وهي الأقرب إلى مسجد الخَيْف، فإذا فرغت منها تقدّم قليلا إلى اليمين، واستقبل القبلة، وادع الله طويلا وأنت قائم رافع يديك.

بعدها تأتي الجمرة الثانية – الوسطى – ، ترميها كما رميت الأولى بسبع حصيات مكبّرا مع كل حصاة، فإذا فرغت فانطلق ذات الشمال، وقم قياما طويلا تدعو الله فيه رافعا يديك.

ثمّ تأتي الجمرة الثالثة – الكبرى – وهي جمرة العقبة، فترميها كذلك بسبع حصيات، وتجعل البيت عن يسارك، ومنى عن يمينك، ولا تقف عندها.

فعن عبد الله بن عمر  – رضي الله عنهما  – أنه كان يرمي الجمرة الدنيا بسبع حصيات يكبر على إثر كل حصاة ثم يتقدم حتى يسهل فيقوم مستقبل القبلة فيقوم طويلا ويدعو ويرفع يديه ثم يرمي الوسطى ثم يأخذ ذات الشمال فيسهل ويقوم مستقبل القبلة فيقوم طويلا ويدعو ويرفع يديه ويقوم طويلا ثم يرمي جمرة ذات العقبة من بطن الوادي ولا يقف عندها ثم ينصرف، فيقول: هكذا رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يفعله. 1

وتفعل نفس الشيء في اليوم الثاني والثالث.

واعلم –أخي الحاج – أنّ رمي الجمرات له بعد تاريخي قديم، قِدَم قصة الخليل إبراهيم عليه السلام مع ابنه الذبيح إسماعيل عليه السلام لماّ استجاب سيدنا إبراهيم عليه السلام لأمر الله الواهب في ذبح ابنه الموهوب، وطاوعه الابن إسماعيل عليه السلام وانطلاقا بعيدا في منى حتى لا تفطن الأم هاجر –  عليها السلام لما سيلحق بوحيدها، وفِلذة كبدها إسماعيل عليه السلام . هذا الامتثال لأمر الله تعالى ،غاظ إبليس غيظا شديدا، فسعى لتثبيط سيدنا إبراهيم عن عزمه؛ فلقيه عند الجمرة الصغرى ووسوس له، فرماه الخليل بسبع حصيات، ثمّ عرض له عند الجمرة الوسطى، فرماه أيضا بسبع حصيات، ثمّ انتظره كذلك عند الجمرة الكبرى فرماه بسبع حصيات…وبعدها مباشرة شرع الخليل إبراهيم عليه السلام في ذبح ابنه، لكنّ الألطاف الإلهية حالت دون ذلك. ومن قال للنار قبل سنين لا تحرقي اللحم، قال اليوم للسكين لا تهرقي الدم… فسبحان اللطيف الخبير عظيم الجود والمن.

رمي الجمار… طاعة وامتثال للرحمان، واستنان بهدي المصطفى العدنان، وترغيم للشيطان.

وهذه الأيام الثلاثة التي ستقضيها في منى، تسمى أيام التشريق، وهي أيام أكل وشرب وذكر لله تعالى. فعن نبيشة الهذلي – رضي الله عنه  – قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله” 2

فاغنم من هذه الأيام، ولا تضيّع الصلاة في الجماعة، وإذا قضيتها في مسجد الخيف يكون أفضل لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : “صلى في مسجد الخيف سبعون نبيا” رواه الطبراني والضياء المقدسي.

أخي الحاج..

بعد قضائك لأيام التشريق في منى، تكون قد أتممت حجك. فارجع إلى مكة وامكث بها ما شاء الله لك أن تمكث، واحرص على أن تستكثر من فعل الخيرات، وأكثر من ذكر الله، فإن الحجّ لما بعده.

الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ أُولَٰئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ 3

“من لم يشكر النعم، فقد تعرض لزوالها، ومن شكرها، فقد قيدها بعقالها.” 4

وصلى الله و سلم على سيدنا محمد و آله وحزبه.

 

 


[1] رواه البخاري
[2] رواه مسلم.
[3] البقرة 197 – 202
[4] ابن عطاء الله