7 – في عرفات تمحى الذنوب و تغفر السيئات

يوم التروية: الثامن من ذي الحجة

الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ ۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ 1

حينما يحلّ اليوم الثامن من ذي الحجة، وهو يوم الدفع إلى منىً، عليك – أخي الحاج – أن تحرم من مكانك وابدأ بالتلبية فوراً مع الملبيين.

جدّد النية، فهذا أول أيام حجّك، وتذكر قول حبيبك صلى الله عليه وسلم:

“من حجّ فلم يرفث ولم يفسق، رجع كما ولدته أمُّه”. 2

إيّاك ثمّ إيّاك والرفث والفسوق والجدال والخصام، ضع لفمك لجاما واربط لسانك عن السوء بألف زمام، اذكر الله وذكّر به، وعامل الخلق بأدب واحترام، وأغرقهم منك في طيب عِشْرة وحبّ ووئام، وقل يا دنيا اللغط عليك منيّ السلام، هؤلاء ضيوف ربي فكيف أعاملهم معاملة اللئام.

ستُصَلُّون الصبح بمكة، ثمّ تذهبون إلى منى قبل الظهر. هناك ستُصَلّون الظهر والعصر والمغرب والعشاء، كل صلاة في وقتها مع قصر الرباعية. وستبيتون في منى وتُصَلّون بها الصبح. ثمّ تنطلقون إلى عرفات…

يوم عرفة: التاسع من ذي الحجة

أخي الحاج…

عرفات وما أدراك ما عرفات… “الحجّ عرفات “… فيها تتنزّل الرحمات، تُحَطُّ الخطايا وتمحى السيئات… عرفات… ويا ويح من لم يغفر له في عرفات…

“ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة، وإنّه ليدنو ثمّ يباهي بهم الملائكة، فيقول: ماأراد هؤلاء؟”رواه مسلم

و“إنّ الله يباهي بأهل عرفات أهل السماء فيقول: انظروا إلى عبادي جاءوني شعثا غبرا”. 3

بعد شروق شمس اليوم التاسع من ذي الحجة، تَحَرَّكْ من منى إلى عرفات، انزِلْ – إن أمكن – بنمرة وهي مكان قريب من عرفات، وليس منه… وامكُثْ بها إلى ما قبل الزوال… فإذا زالت الشمس فانتقلْ إلى عُرَنَة وهي قُبَيْل عرفات وفيها خطب رسول الله صلى الله عليه وسلّم وصلى بالناس الظهر والعصر قصرا وجمع تقديم… ثمّ بعد ذلك انطلق إلى عرفة وقِف عند الصخرات أسفل جبل الرحمة – إن تيسر ذلك – وإلاّ فعرفة كلها موقف. استقبل القبلة، وارفع يديك وادع الله ولبّه… وأكثر من التهليل… قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أفضل ما قلت أنا والنبيون عشية عرفة: لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كلّ شيء قدير” 4

يا الله… يا الله…

أيّ مشهد أبهى… وأيّ صورة أزهى؟

والله ما سجلت عدسات المصوّرين أروع ولا أجمل من هذه اللوحة.

ملايين الموحدين… جاءوا من كلّ فجّ عميق… من شمال الأرض وجنوبها، من شرقها وغربها…

فيهم السمين والنحيف، وفيهم القوي والضعيف…

فيهم الأبيض والأسود، وفيهم الملتحي والأمرد…

هذا بائس فقير، وهذا ثري ماله كثير…

أمريكي إلى جنب إيراني، وروسي بجوار أفغاني، ومغربي يجالس جزائري، سنة وشيعة، صوفية وسلفية، الكلّ، في صعيد واحد، بثوب واحد، بصوت واحد، في اتجاه واحد، يلبّون الواحد: “لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إنّ الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك”.

يستغفرون، ويتضرّعون، ويتوسّلون…

وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ 5

إنها الأمة الواحدة في أبهى تجلياتها.

ابك – أخي الحاج – فإن لم تبك فتباك، واذرف الدمع على ما جنته يداك…

توسّل وتبتّل، تضرّع وتضوّع، وقل إلهي ما لي سواك…

أ فتردّني اليوم خائبا وأنت الذي لا يخيب من أتاك… ؟

حاشاك مولاي أن تستثنيني من خلقك هؤلاء…

حاشاك…

إليك إله الخلق أرفع رغبتي***وإن كنت يا ذا المنّ والجود مجرماولمّا قسا قلبي وضاقت مذاهبي***جعلت الرجا منّي لعفوك سلّما
تعاظمني ذنبي فلمّا قرنته***بعفوك ربّي كان عفوك أعظما
فما زلت ذا عفو عن الذنب لم تزل***تجود وتعفو منّة وتكرّما
فلولاك ما يقوى بإبليس عابد***وكيف وقد أغوى صفيّك آدما

تذكّر – أخي الحاج – أياّمك الخوالي، تذكر أيام الطيش وخزي الليالي.

واحسرتاه على ما فرطنا في جنب الله… وا خجلاه منك يا من لا راحم سواه… تذكر – يا أخي – ما رأته العيون من موبقات، وما أخفته الصدور من حارقات وحالقات، وما جنته الأيدي العفنات. اغتسل من كلّ هذه الآفات، واندم على ما فات، واعزم على عدم العودة لقبيح العادات، وقم في الحال على أحسن الحالات، واسأل المولى الاستقامة والثبات، ورُدَّ المظالم إلى أهلها، تكمل توبتك وتمحى السيئات… واعلم أنّه سبحانه “متى أطلق لسانك بالطلب – فاعلم أنه يريد أن يعطيك”. 6 فابك – يا حاج – كما يبكي الصبي على أمّه لنيل مراده، افعل مثله وابك على مولاك وتمرغ في رحابه… ابك وتذلّل وتوسّل واسأله أن يقبلك في أحبابه، ابك حتى تميل الشمس ويُعْلِم المغرب بأذانه… فتلك لحظة العمر، قال الرحمة المهداة صلى الله عليه وسلم: “وأما وقوفك بعرفة، فإنّ الله تبارك وتعالى ينزل إلى سماء الدّنيا، فيباهي بهم الملائكة، فيقول: هؤلاء عبادي جاؤوا شعثا غبرا من كل فجّ عميق، يرجون رحمتي، ويخافون عذابي، ولم يروني، فكيف لو رأوني، فلو كان عليك مثل رمل عالج، أو مثل أيام الدنيا، أو مثل قطر السماء ذنوبا، غسلها الله عنك”. 7

أتبيعني – يا حاج – هذه اللحظة؟

كم تطلب ثمنا لها؟

أتكفيك فيها أموال العالم أجمع؟

أيكفيك فيها العمر كله وما جمع؟

تلك لحظات ما لها ثمن…

ما تُباع وما تُبْتاع وما تُرتهن…

فضل من المولى الكريم ومِنن…

أخي الحاج…

بعد غروب شمس يوم عرفة، تتجه إلى المزدلفة بهدوء وسكينة – وهذه تسمى الإفاضة من عرفات – فتصلي بها المغرب والعشاء جمع تأخير مع قصر العشاء، وتبيت بها حتى تصلي الفجر. والمبيت بمزدلفة واجب من واجبات الحج.

ستنعم – أخي الحاج – بألذّ نومة في حياتك، وأطيب رقدة في عمرك…

ستفترش الغبراء، وتلتحف السماء، ومع ذلك ستنام في راحة وهناء…

لطالما سألت الحجيج عن هذه النومة في الخلاء…

فأكّدوا لي جميعا أنّها نعماء…

وأيّ نعماء…

عجبا كيف ينفق الناس من أموالهم ذلك المبلغ المهمَّ ليرقدوا في العراء؟

ثمّ يُهوِّنون على أنفسهم ويقولون أنّهم باتوا في روضة غنّاء؟

من لم يذق لا يمكنه التصديق…

والأمر يلزمه بحث ميداني وتحقيق…

أخي الحاج…

ما يرهق أجسادنا، ويثقل كواهلنا، ويشلّ حركتنا، ويقلق مضاجعنا هي الذنوب والزّلاّت. فإذا ما تخلصنا منها في عرفات، وجاد المولى بالمغفرة والرحمات، تحرّر الجسد وكأنه خرج للتو من الحمّام، واحتاج إلى الراحة، وغَلَبه المنام، هكذا تحلو الرقدة في ذلك المقام، ويتعجب الناس وتعجز الأفهام… بعد صلاة الفجر في المزدلفة، ولابدّ منها، قف –أخي الحاج – عند المشعر الحرام (وهو جبل في المزدلفة) ارق فوقه، واستقبل القبلة، واذْكر المولى عزّ وجلّ كثيرا، وادْعُه حتى يسفر النهار، ثم انطلق ملبّيا إلى منى قبل شروق الشمس لتبدأ أعمال يوم النحر.

يوم النحر: العاشر من ذي الحجة

وأنت في منى، التقِطْ سبْع حصيات مثل حصى الخذف (وهو أكبر قليلا من الحمصة)،وهي التي التقط منها ابن عباس رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجعل يَنْفُضُهُنَّ في كَفِّهِ ويَقُولُ: “بأَمْثَال هؤلاء فارْموا، وإيَّاكُم والغُلُوَّ في الدِّين، فإنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ الغُلُوُّ في الدِّين”. النسائي وابن ماجة

ثمّ انطلق نحو جمرة العقبة، وهي آخر الجمرات وأقربهنّ إلى مكة.

كبّر الله مع كل حصاة ترمي بها الجمرة، واقطع التلبية مع آخر حصاة. ولا يصحّ رمي الجمرة إلاّ بعد طلوع الشمس، حتى بالنسبة لأهل الأعذار ممن انطلقوا من المزدلفة ليلا…

والسنّة أن ترمي قبل الزوال، إلاّ أن يتعذّر الأمر بسبب من الأسباب فيجوز الرمي بعد الزوال ولو إلى الليل.

وتنتهي التلبية عند رمي أول حصاة ويبدأ التكبير. ثم تذبح هديك أو توكل من يذبحه عنك. ثم تحلق رأسك أو تقصّر (والحلق أفضل).

فعن عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما – أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: “اللهم ارحم المحلقين”. قالوا: والمقصرين يا رسول الله. قال: “اللهم ارحم المحلقين”. قالوا: والمقصرين يا رسول الله. قال: “اللهم ارحم المحلقين”. قالوا: والمقصرين يا رسول الله. قال: “والمقصّرين”. 8

بذلك تتحلل التحلل الأصغر. ثم تتوجه إلى مكة لتطوف طواف الإفاضة وهو كطواف العمرة تماما، تصليّ بعده ركعتين خلف المقام، ثمّ تتضلّع من ماء زمزم، وتدعو عند الملتزم، ثمّ تسعى بين الصفا والمروة.

هذا الترتيب في أعمال يوم النحر سنة وليس بشرط، فمن قدم عملاً على آخر فلا حرج.

بعد طواف الإفاضة تكون قد تحللت التحلل الأكبر، وحلّ لك كلّ ما كان محرّما عليك بالإحرام. ويجوز تأخير طواف الإفاضة إلى آخر أيام التشريق، أو إلى آخر ذي الحجة عند بعض أهل العلم.

وصلى الله وسلم على سيدنا و حبيبنا محمد و آله و حزبه.


[1] البقرة 197.
[2] البخاري ومسلم
[3] رواه الإمام أحمد وغيره.
[4] رواه الطبراني عن سيدنا علي
[5] آل عمران 135.
[6] ابن عطاء الله
[7] رواه عبد الرزاق في مصنفه عن ابن عمر
[8] متفق عليه