حائط البراق عقيدة وإيمان

 الحجر الذي أسقطه الاحتلال من حائط البراق هو جزء من المسجد الأقصى، فالاعتداء ضمنيا هو اعتداء على المسجد الأقصى الذي يمثل أولى القبلتين، ومن المساجد الثلاث التي تشد إليها الرحال، ومن أعظم المقدسات بل ومسرى النبي صلى الله عليه وسلم ومركز بركة الأمة ومنطلق الحركة النبوية إلى السماء لنيل مشروع فتح الأمة وبناء الإنسان ودولة العمران الأخوي.

المسجد الحرام والمسجد الأقصى والمسجد النبوي أعظم مقدسات الأمة، هي مساجد عقيدة وإيمان وشرع، لها بركة وقدسية واحدة عند الأمة الإسلامية، وليست مجرد عمران وجدران، بل تمثل هذه المساجد بداية التغيير الإنساني والعالمي نحو الكمال والسيادة الخلاقة.

لكن في عهد التكالب على الأمة وتقسيم القصعة والنيل من مقدساتها، وفي السنة التي يخطط فيها التكالب الثلاثي الصهيوني والأمريكي والعربي المطبع لتصفية القضية الفلسطينية وإكمال مرحلة تهويد القدس عبر “صفقة القرن”، نشاهد موقفا استفزازيا لأرباب الوصاية على أوقاف المسجد الأقصى حين يتدخل رئيس بلدية القدس المحتلة المستوطن نير برخات ورئيس سلطة الآثار الصهيونية كعنصرين منقذين لتراث القدس ومتفقدين لموقع انهيار أحد الحجارة الكبيرة من سور الأقصى الغربي، نتيجة عبث الحفارين الصهاينة بأساسات سور المسجد طوال الأشهر والسنوات الماضية.

تخيل لو تم إسقاط ذاك الحجر من المسجد الحرام بمكة أوتم الاعتداء على مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ماذا سيكون فعل الأمة؟

لا ننتظر لا صولة ديدان القراء وعلماء البلاط، ولا تصريح فقهاء ترامب، ولا خدمة خدام أنفسهم وأسيادهم، ولا غضبة المشرفين إداريا ووصاية عن الأوقاف، ولا دعم المعنيين واجبا بأوقاف المغاربة من الحكومات المغاربية؟

أسئلة أوجهها إلى الحكومات المغاربية.

حائط البراق هو وقف إسلامي للمغاربة يدخل ضمن ما يقال عرفا “أوقاف أبو مدين رحمه الله”، وهو وقف مثبت قانونيا وشرعا بوثائق محفوظة في الأرشيف العثماني والأردني والمغربي فضلا عن أرشيف مكتبات القدس ومحكمتها.

وبعد استنكاف معيب لمسؤولي دول المغرب العربي عن الدفاع عن ملكية المغاربة وتراثهم، هنا أطرح مجموعة من الأسئلة أوجهها لحكومات دول المغرب العربي خصوصا المغرب والجزائر وتونس، لعلها للنفوس ترفع أو تفضح إن لم تنفع، من ليس له سمع:

أين هي جهودكم السياسية ضد هذا التدنيس للحق المغاربي الذي وقفه عظماء تحرير بيت المقدس ورجال الجهاد المغاربي بعد قرون من المواجهة مع الصليبيين؟

أين هي جهود مؤسسات ووزارات الأوقاف المغاربية؟

ألا يعد هذا الوقف المغاربي ملك وحق للمغاربة تم احتلاله من قبل الكيان الصهيوني؟

ألا يعد هذا الحق والوقف شرفا وكرما، تحتاج المؤسسات الحكومية المغاربية أن تنافح عنه بل وتسترده وفق القوانين الدولية، خصوصا وأن حائط البراق وقف مغاربي مقدس مبارك بجوار المسجد الأقصى ومكان ربط براق النبي صلى الله عليه وسلم؟

أين هي جهود الحكومة المغربية ومسؤولي لجنة القدس ولو بشجب أو استنكار؟

هل مواقف الحكومات المغاربية وسكوتها له دلالات على اصطفاف مع الكيان الصهيوني أم هي غفلة؟

هل من يطبع مع الكيان الصهيوني ويسمح بإرسال بعثات ووفود مغربية إلى الكيان الصهيوني ننتظر منه شجبا؟

هل من يطبع ويستقبل وزير دفاع صهيوني “عمير بيرز” سفاح قانا في قبة برلمانه، ننتظر منه الدفاع عن الأقصى وأوقاف المغاربة؟

هل من يرسل وفودا مغربية لتزور متحف الهولوكوست الصهيوني عوض زيارة أوقاف المغاربة المقدسية المسلوبة وحارة المغاربة المدمرة، ننتظر منه الدفاع عن حقوق المغاربة والذود عن حمى ومقدسات الأمة والإسلام؟
هل من يصرحون علنا ومؤخرا كمسؤولين في مؤتمر القدس “أن القدس ليست للمسلمين وحدهم”، ننتظر منهم الدفاع عن حق الشعب الفلسطيني والمغاربي وحقوق الأجداد وصلاح الدين الأيوبي وأوقاف أبي مدين رحمه الله؟

هل من يمنع مسيرات ومؤامرات ومحاضرات في شعوبه المغاربية نصرة لغزة وفلسطين والمقاومة، ننتظر منه أن ينصر حجرا ووقفا في حائط البراق؟

هل من يتآمر مع الكيان الصهيوني لمنع أي تحرك لنصرة القضية الفلسطينية ويحاصر الشعب والمؤسسات المناهضة للتعبير عن نصرتها، ننتظر منه أن يشجب ما حدث من تدنيس وتدمير في حائط البراق؟

هل النظام الذي يسمح في الامتحانات التونسية بنشر خارطة إسرائيلية صهيونية عارضها الأساتذة التونسيون عوض خارطة فلسطين، ننتظر منه أن ينصر ويقف من أجل أوقاف المغاربة؟

هل ننتظر من نظام ووزيرته التربوية من سمحا بنشر كتاب جغرافيا يحمل خارطة الكيان الصهيوني عوض فلسطين، أن ينتصرا لحائط البراق والأقصى؟

هل ننتظر ممن كان يسمح للموساد الصهيوني بالتجسس على اللقاءات العربية أن ينتصر لتراث استمر لقرون؟
هل ننتظر أخيرا ممن يظلم الشعوب المغاربية تفقيرا وتخريبا ويمنع الحدود ويخدم أجندة الكيان ويدمر الإنسان أن ينتصر لحجر وعمران؟

ما المطلوب وما الرهان؟

الخلاصة أنه لا رهان على أنظمة صنعت في مصنع أمريكا والكيان.

فما هو رهاننا؟

لا رهان على أنظمة اتفقت على حدود سايس بيكو وجعلت المغرب العربي وشعوب شمال أفريقيا مقسمة مفتتة بحدود وديكتاتوريات بعدما كان أسطول صلاح الدين الأيوبي يجمعهم قبائل وشعوبا ليتعارفوا ويجاهدوا ويتربوا على مفهوم الأمة وأن الإسلام يوحد وأن القضية المقدسية تجمع وتوجه البوصلة.

الخلاصة أنه لا رهان إلا على المقدسيين والغزيين والشعب الفلسطيني ومن يناصرهم من أحرار الأمة لمواجهة تدنيس وعلو الصهاينة، ولا رهان إلا على من يمثل الدول المغاربية وهي الشعوب الفاعلة في نصرة القضية الفلسطينية وتحرير بيت المقدس والدفاع عن مكان من أشرف المقدسات وهو حائط البراق الذي هو وقف مغاربي.

 لا رهان بعد الآن إلا على إرادات الشعوب المغاربية وحراك الأمة والشعب الفلسطيني، لا رهان إلا الميدان والتحرك الذي أبدع الطائرات الورقية والبالونات الحارقة.

ولا رهان بعد اقتحامات الأقصى واعتداءات القدس بعد الآن إلا على حراك شعبي فلسطيني مقدسي ينتقل ويتعدى غزة، فتحتضنه القيادات الصادقة، والقوة المقاومة والشعوب المناصرة.

ولا ننسى أبدا في غضون هذا السكوت والخذلان المغاربي المنظم من قبل الأنظمة والذي يفتل في صفقة القرن دعوة المؤسسات والمنظمات والهيئات وكل الأقلام والناشطين والضمائر الحية إلى التحرك والمبادرة لفضح مخططات الاحتلال لتدمير “ما بقي من أوقاف المغاربة ” المقررة قانونا ملكيا للمسلمين وفق ما بث في أوراق الإسكوا واليونسكو وحتى من قبل تقرير لجنة شو 1 المقررة من قبل عصبة الأمم في 1930 بعد ثورة البراق واعتداء اليهود على رصيف ووقف المغاربة في 1929.

تحركنا ينبغي أن يكون سياسيا وإعلاميا ودبلوماسيا وثقافيا للتعريف بالقضية الوقفية والمطالبة بالحق فيها ولو غابت الجهات الرسمية المسؤولة والحاكمة.


[1] انتهت اللجنة من وضع تقريرها في مطلع كانون الأول 1930، وخلصت فيه إلى استنتاجات حازت موافقة الحكومة البريطانية وعصبة الأمم معاً، فأصبح بذلك وثيقة دولية هامة تثبت حق المسلمين في حائط البراق. ومن أهم هذه الاستنتاجات: “تعود ملكية الحائط الغربي إلى المسلمين وحدهم، ولهم وحدهم الحق العيني فيه لأنه يؤلف جزءاً لا يتجزأ من ساحة الحرم الشريف التي هي من أملاك الموقف. وتعود إليهم أيضاً ملكية الرصيف الكائن أمام الحائط وأمام المحلة المعروفة بحارة المغاربة المقابلة للحائط، لكون الرصيف موقوفاً حسب أحكام الشرع الإسلامي لجهات البر والخبر.”