(5) في الميقات نصحّح النيات

أبيار علي أو آبار علي، على بعد ستة أميال (13 كيلومترا) من المدينة، و على نحو مائتي ميل (408 كيلومتر) من مكة، هو المكان الذي أحرم منه النبي صلى الله عليه وسلّم حينما خرج قاصدا مكة لأداء حجة الوداع، و كان يسمى “ذو الحليفة”، وهو ميقات أهل المدينة و القادم منها لقول سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: “إنّ النبي  – صلى الله عليه وسلم –  وقّت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم، هنّ لهنّ ولمن أتى عليهنّ من غير أهلهن ممن أراد الحج والعمرة، ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ، حتى أهل مكة من مكة”. متفق عليه.                                                                  

ويعتقد الكثيرون بأن عليا المذكور هنا، هو سيدنا علي بن أبي طالب  –  كرّم الله وجهه  –  وهو خطأ… إذ أن المقصود هنا والذي تنسب إليه الأبيار هو علي بن دينار، سلطان منطقة دارفور الواقعة غرب السودان.                            

حدث هذا سنة 1898م، حينما حجّ هذا السلطان المسلم، فلماّ بلغ ذا الحليفة وجد حالة الميقات سيئة، فحفر الآبار للحجاج ليشربوا ويتوضؤوا ويغتسلوا، وصنع لهم الطعام، وجدّد المسجد. وهذا السلطان بنى مصنعا في مدينة الفاشر (عاصمة دارفور) اختصّ بصناعة كسوة الكعبة لمدة عشرين عاما.

أخي الحاج…

وأنت قادم من المدينة، يمكنك الاغتسال ولبس ثوب الإحرام مباشرة بعد صلاة فريضة، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، فإنّه أحرم بعد صلاة الظهر. ويمكنك أن تؤجل ذلك إلى أبيار عليٍّ فهناك الحمامات وأماكن الاستراحة. بعد الاغتسال وارتداء ثوب الإحرام، صلّ ركعتين في مسجد ذي الحليفة فإنه مكان مبارك.                                

فعن عمر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بوادي العقيق يقول: “أتاني الليلة آت من ربّي فقال: صل في هذا الوادي المبارك، وقل عمرة في حجة”.  ثم استقبِل القبلة قائما وقُل: “لبيك اللهمّ بعمرة. اللهمّ محلي حيث حبستني”. (البخاري).

وأنواع الحج ثلاثة:

1.     الإفراد: وهو أن يحرم الإنسان بالحجّ وحده فيقول: “لبيك اللهم حجاّ”.

2.     الْقِرَان: هو أن يحرم بالعمرة والحج معا بحيث يقول: “لبيك اللهم عمرة وحجا”.

3.     التمتع: هو أن يحرم بالعمرة وحدها من الميقات، وذلك في أشهر الحج، ثمّ يؤدي الحاج مناسك العمرة من طواف وسعي وحلق أو تقصير، ثمّ يتحلل وينتظر يوم الثامن من ذي الحجة  – أي يوم التروية – آنذاك يحرم من مكة بالحج.

والإحرام – أخي الحاج – ركن من أركان الحج والعمرة، والأركان لا تنجبر بالدم أو الصدقة أو الصوم كالواجبات، بمعنى أنه يجب أن تؤدى وإلاّ بطل النسك.

وأركان العمرة ثلاثة:

1.     الإحرام من الميقات.

2.     الطواف بالبيت العتيق.

3.     السعي بين الصفا والمروة.

ويزيد عنها الحج ركنا رابعا وهو الوقوف بعرفة.

والإحرام ليس هو الثوب، وإنّما هو النية التي ستعقدها وتلبي بها.

في أبيار عليٍّ طلب منك المولى أن تُحرم وتلبس ثوب الإحرام. وآبار عليٍّ ميقات القادم من المدينة، أماّ من سيمضي مباشرة إلى مكّة المكرّمة، فإنّه يحرم حسب ميقات أهل بلده، فأهل الشام ومن جاء من قبلها من مصر، والمغرب، ومن وراءهم من أهل الأندلس فيحرمون من رابغ التي تنوب عن الميقات الأصلي “الجحفة” الذي اندثر ولم يعد له أثر، واحتياطا يحرم القادم من هذا الاتجاه من رابغ وهي تقع قبل الجحفة بيسير إلى جهة البحر. وأمّا القادم من نجد فميقاته قرن المنازل، والآتي من اليمن وتهامة والهند فميقاته يلملم، وأهل العراق وسائر أهل المشرق فميقاتهم ذات عرق.

والإحرام تجرد… ليس فقط من المخيط والمحيط، ولكنّه تجرد من الذات والنفس، وأنانية النفس، وحظ النفس واستعلاء النفس.

تجرّد من نفسك، تجرّد من منصبك، تجرد من مالك، تجرد من جاهك، تجرد من حسبك ونسبك، ضع كلّ ذلك عند آبار علي، لا تأخذ معك شيئا من ذلك وإلاّ عكّر عليك جوّ صفاءك وإقبالك على ربّك.                               

هذا التجرد من النفس شرط في السلوك إلى حضرة ملك الملوك… 

يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (16) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (فاطر 15- 17)

وهو شرط في الحج، شرط عند الإحرام، شرط لبلوغ المرام.                

و”من أشرقت بدايته أشرقت نهايته”، كما قال ابن عطاء الله السكندري.

إذا حملت معك نفسك بعد الميقات، فقد أخطأت باب الدخول، ولن يكون لك وصول.                                        

ستهيم مع نفسك في ظلمات الأنا البغيضة، وستغرق معها في مستنقعات العجب والرياء، وستتكبل معها في سلاسل الغضب للذات، وستخاصم وتجادل وتَفْجُر انتصارا لهذه الذات.

خذها مني نصيحة… اترك نفسك في بلدك ولا تذهب بها معك، فإن تعسر الأمر ففي الميقات تخلص منها، ولا شيء بعد الميقات.                                               

دع عنك الاعتداد بالأجداد والآباء، ولا تتعال بكونك من الأغنياء، وإياك أن تعتزّ بالانتساب إلى العُبّاد أو العلماء…

انس أنّك طبيب، وانس أنك مهندس، وانس أنّك دكتور محاضر.

انس أنك المدير، وانس أنك الوزير، وانس أنك الأمير…                 

ما أنت إلاّ عبد ذليل فقير، مذنب عاص جناحه كسير، جاء يرجو عفو الملك السميع البصير، هكذا يحلو الأمر ويسير.                               

اعترف بفقرك وقل يا غني…  واعترف بضعفك وقل يا قوي…

اعترف بجهلك، ونقصك، وذنبك، وتقصيرك… وقل يا غفور…  يا غفور.

حينما تحبس نفسك عند الميقات، ستسمو روحك وتحكم، وستطير في عالم المعنى كأنك تحلم…                                           

 لن تشعر بالازدحام، ولن يشغل بالك طعام، ولن يعكّر صفو أيامك جدال ولا خصام…                                          

الآن وقد تجرّدت… تقدم إلى الأمام، ولبّ بحبّ وهيبة ربَّ الأنام، وعامل الخلق بإحسان وأدب واحترام، فمن حولك كلهم ضيوف ذي الجلال والإكرام.

الله…  الله…                                                                         

ما أحلاه من نشيد… وما أعذبه من تغريد، وما أجمله من ترديد:

“لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إنّ الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك”.                     

لبِّ اللهَ وحُضّ من معك على التلبية…                                                 

لبِّ حتى ينقطع النَّفَس…                                                            

لبّ على طول الطريق… وحرّض الأخ والصديق والرفيق…                                      

قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: “أتاني جبرائيل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال والتلبية”. رواه أصحاب السنن                

 وسئل عليه الصلاة والسلام:”أيّ الأعمال أفضل؟ قال: العجُّ والثّجّ” )رواه ابن ماجة(.    

 (العجّ: رفع الصوت بالتلبية، والثّجُّ: إسالة دم الهدي).

وقد كان أصحاب سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصرخون بها صراخا، وما يبلغون الروحاء حتى تبح أصواتهم.                                                    

وتأمل – أخي الحاج – جيدا في تلك الرحلة المضنية التي تستغرق ساعات وساعات؛ انظر إلى الصحراء القاحلة وإلى الصخور السوداء الناتئة. هذه الرحلة التي تقطعها أنت اليوم بشغف في طريق سيار وعلى متن حافلة مزودة بالمكيفات، وتنزل للتزود في المحطات، نفس هذه الرحلة قام بها رسول الله صلى الله عليه وسلم هو والصديق أبو بكر رضي الله عنه من الاتجاه المعاكس، وفي ظروف صعبة للغاية: ناقة هي وسيلة السفر، وعدو يطلب، وآخر يرصد، ومائة ناقة لمن يأتي قريشا برسول الله صلى الله عليه وسلم حيّا أو ميتا.

تأمل هذه الطريق الوعرة الطويلة التي تقطعها أنت في ساعات، قطعها أصحاب رسول الله رضوان الله عليهم في أيام…                              

تقطعها أنت على متن حافلة وفي الطريق السيار، هم قطعوها على متن الإبل أو سيرا على الأقدام…                                           

 تمضي فيها أنت بأمن وسلام، وهم كانوا مطاردين من جلّ الأنام، مطلوبين للتعذيب والإعدام…                                         

أدّوا عنّا ضريبة الجهاد وتبليغ هذا الدين، ونصروا النبي الأمين، فجزاهم الله عنا خير الجزاء وأسكنهم في عليين…         

رحم الله ذاك الحاج الذي التقيته في المطار عائدا من الديار المقدسة سنة 1437ه، فلما سلّمت عليه وعانقته أخذ يبكي بكاء مريرا، قلت في نفسي لعلّه تأثّر بفاجعة منىً، فقلت له مواسيا: لا بأس عليك أخي، أنتم عدتم سالمين سعداء، وهم قضوا طيبين شهداء… قال لي: ما يبكيني ذلك، ولكن أبكي على ما عاناه النبي المختار، من إيذاء الكفار.                         

 اغنم – يا ضيف الرحمان  – من الرحلة ذكرا وتدبرا وتفكرا، وردّد بحب، ذلك النشيد الخالد الذي توارثته الأجيال عبر تاريخ البشرية الطويل من لدن أبينا آدم – عليه السلام – إلى الآن، نشيد يردده معك الإنس والجان، والشجر والحجر والشطآن، والجبال الصمّ والوديان، والنبات والجماد والدور والحيطان…                                         

“لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إنّ الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك”.

عن عبد الله بن عمر  – رضي الله عنهما – : أن تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لبّيك اللهم لبّيك، لبّيك لا شريك لك لبّيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك” متفق عليه.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “كأنيّ أنظر إلى موسى عليه السلام هابطا من الثنية، وله جؤار إلى الله بالتلبية”. رواه مسلم.

وحينما تصبح على مشارف مكة المكرمة، ناج ربّك: اللهم هذا حرمك وأمنك، فحرمني على النار، وأمّني من عذابك يوم تبعث عبادك، واجعلني من أوليائك وأهل طاعتك.