لم يعد خافيا على أحد أن نظام الحكم العربي المستبد – على طول وعرض الرقعة العربية باستثناءات محتشمة – يحرص على أن يستثمر بشكل ذكي وعلى وجه أمثل في نكبة سوريا إلى أبعد الحدود.

ومن ثم، فلا هَمّ للحكام العرب إلا أن يروا في المسلسل الدامي بالشام حلقاتٍ طويلةً ومفعمةً بألوان الآلام وبُعد الآمال؛ ولا يهمهم إنهاء الحرب فيها إلا أن يكون ذلك عين رغبتهم، يساير سلسلة الأهداف التي رسموها على طول الأيام والسنين التي مرت، وذلك راجع لعاملين اثنين:

أولهما: ذاتي؛ يتمثل في الانتفاع من إطالة أمد الأزمة، فبها يدبرون تحصين بقائهم على العروش، وما يعنيه ذلك من الاستمرار في مراكمة الثروات باحتكار الموارد والمقدرات.

وثانيهما: موضوعي؛ يتجلى -أساسا- في عدم القدرة على رسم خارطة طريق لإخراج البلاد من النفق المظلم بالنظر إلى حجم التدويل الذي شهدته القضية السورية والتشعبات التي امتدت إليه أذرع التدخلات بإزاء حالة الوهن العربية، وبالنظر أيضا إلى طبيعة الأطراف التي تدير الصراع ميدانيا وسياسيا؛ الممثلة في إيران بدءا من خلال تواجدها العسكري الذي لا تخفيه، عبر أوجه بارزة في الحرس الثوري، أو من خلال ذراعها اللبناني المتجسد في وجود عناصر من حزب الله، وروسيا لاحقا التي التحقت بركب المتدخلين في الصراع، وأمريكا وتركيا اللتان تدخلتا لخلق التوازن العسكري الذي يخدم مصالحهما، ويؤَمّن لهما تأثيرا معينا لضمان مقعد المشاركة في تسوية سياسية ما بعد إنهاء الصراع، لترسم نقاط الاشتباك العسكري والاقتصادي. وكل ذلك يُعبّر عن حجم هذه الأطراف ووزنها في الوضع الجديد لسوريا؛ وهي ملامحُ أساسيةٌ يفتقر إليها النظام العربي المتسم بالصعف السياسي داخليا وتراجع القَبول الشعبي، والتبعية الخارجية التي تعكس ضعف القرار السيادي لديها.

فالأنظمة العربية لا يهمها استتباب الأمن، وعودة الوضع الطبيعي، بأي شكل وتحت أية تسوية سياسية أو حل عسكري؛ بل تدفع هذه الأنظمة في اتجاه تأزيم الوضع وتعقيده، لمزيد من الصراع والاستنزاف، وذلك لهدف رئيس هو الإبقاء على معالم الوضع الكارثي لأزمة القرن فزاعة للشعوب المضطهدة والتواقة لغد الحرية والانعتاق؛ ولسد الطريق أمام أية حركة تغييرية جادة في الشارع العربي، بل واغتيال فكرة التحرر من الأصل أمام مخاوف تَكرار ما حدث، وإنتاج سيناريو سوريا جديدة بالدول العربية.

لذلك لا نستغرب معاناة اللاجئين السوريين بالدول العربية، سواء في تلك التي رحبت بهم، أو في تلك التي تركت الباب مواربا ولم تحسم أمرها؛ والوضعان -معا- اللذان أنتجا التعاطي البارد مع الملف إنما يعكسان مستوى الشماتة التي طبعت الموقف العربي الرسمي في تعاملها مع المهجّرين السوريين، ورغبة الحاكم العربي في الاحتفاظ بهم داخل حدود دولته شهودا على “خطإ” الشعب السوري الذي قرر الخروج من عباءة النظام المجرم، عِوض حِفظ كرامتهم وتجنيبهم ذل السؤال. أو بصورة أخرى هو انتقامٌ آخرُ من السوريين خارج بلادهم، وعقاب لهم غير مباشر على اختيارهم الثورة والاحتجاج، وخوضهم تجربة الخروج والعصيان التي نفذوها ضد طغمة الأسد، ومن خلال هذا العقاب غير المباشر تبعث منظومة الحكم العربية برسائلَ جديةٍ لشعوبها، مفادها “كُلِ القُوت وانتظر الموت، لا ثورة ولا بقرة”. فالنظام العربي موحد واحد إذا ما تعلق الأمر بتوطيد أركان الحكم وتقويض إرادة الشعوب.

مثلا؛ فبقدر ما نصلي في المسجد الصلوات الخمس، فإن تذكيرا موازيا يعقب الفراغ من العبادة كلما هم الإنسان العربي بالخروج من المسجد، حين يجد بالباب تلك الشهود البريئة على أزمة النظام العالمي والعربي المنافقين المتواطئين. تذكير بحِرمة الاحتجاج ضد رغبة الحاكم المُؤلَّه واختياراته، وإن أتت زورا أو نطقت بهتانا وكفرا.

وتشكل المناسبات والأفراح التي تلتئم فيها العائلات، امتحانا حقيقيا للسوريين اللاجئين في البلدان العربية، وهو ما يضيف عبئا نفسيا –بالدرجة الأولى- إلى معاناتهم، وكل ذلك مما يُحسِن النظام العربي استثماره في ترهيب الناس وتهديدهم بالحال الذي آلت إليه أوضاع الشاميين، وتحذيرهم من عاقبة التفكير في الانتفاض والصدع بالحق، ومآل التعبير عن التذمر ورفض الظلم.

إن أنظمة بهذا الخبث لحري بها أن تصلح نفسها قبل فوات الأوان، وأن يتحرك الرجل الرشيد إن وُجد في دوائرها وسُمح له بإبداء الرأي قبل خروج الأمر عن السيطرة والمناورة. ولو تعقلت قليلا هذه الأنظمة، وأدارت عين بصيرتها حول ما انتهت إليها نظائرها من التفكك لاستجابت لمطالب أبنائها، وأكرمت ضيفها.

 لكن

قد أسمعت لو ناديت حيـًا***ولكن لا حياة لمـن تناديولو نارٌ نفخت بها أضاءت***ولكن أنت تنفخ في الرماد

وما أنت بمسمع من في القبور، فقد غدت أنظمة قهر وجور، ولا ريب أن عاقبتها الخسران والثبور مهما زعمت لنفسها التقوى والصلاح، ومهما رفعت من شعارات المجد الزائف.