4- في طيبة… نسمات وفتوحات

في المدينة المنورة بنور المدفون تحت ثراها الطيب، يشعر المؤمن براحة عجيبة، وطمأنينة غريبة… فيرتاح الفؤاد بزيارة خير العباد، وتتحرر الروح من ربقة أغلال الجسد المكبل بالذنوب، فتطير محلّقة في سماء المحبة والعشق النبوي… فاحرص -أخي- على اغتنام أيامك المعدودة في المدينة، انقطع عن الدنيا وافرح برسول الله صلى الله عليه وسلم يفرح بك ويكرمك ويقريك ويقربك…

عند باب السلام… أقطابٌ وأحبابٌ، وأولياء وعشاق، غلبتهم الأشواق، فطلّقوا دنيا الكذب والزور والنفاق، وأقبلوا على الله مخبتين، وإلى جوار نبيه رابطوا ذاكرين. لا تراهم إلاّ على حال من هذه الأحوال: يصلون أو يذكرون أو كتاب الله يتلون أو على الحبيب المصطفى يصلُّون أو بعد صيام يفطرون.

في عالم الطهر والصفاء، حلّقوا بعيدا عن دنيا الناس، وهوس الناس، ولغط الناس، وانشغالات الناس…

وجوههم كالأقمار، منها تنبعث الأنوار، قد سقاهم الكريم من فيض نوره حتى استنارت قلوبهم، وأضاءت وجوههم، وطابت أيامهم…

الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ

لا تكن -سيدي الحاج- طفلا بين الرجال…

وكيف ترضى لنفسك ذلك؟…

ويحي وويحك… سبقنا الرجال…

فكيف يهنأ لنا بال؟

وكيف يصفو لنا حال؟                                                                                                     

زاحِمْهم بمنكبك عند الباب، واجلس معهم على الأعتاب، واصبر نفسك معهم ذاكرا وقل يا وهّاب، يا وهّاب اقبلني عندك في الأحباب، وهبني ما وهبت للأصحاب، اتباعا وحبّا للمصطفى عالي القدر عظيم الجناب.

عظّم النية، وجدد القصد، وألحّ في الدعاء، واعلم أنّك تطلب ممن لا يكبر عليه شيء، ولا يستعصي عليه شيء، ولا يعظم فوقه شيء، ولا يعجزه شيء…

أنت تسأل من له كلّ شيء، خالق كلّ شيء، صانع كلّ شيء، من ليس كمثله شيء.

ملكه لا يبلى، وخزائنه لا تفنى، وأمره كن فيكون.

وإنّما “ورود الإمداد بحسب الاستعداد، وشروق الأنوار على حسب صفاء الأسرار“. ابن عطاء الله السكندري.

ألا ترى إلى سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه لماّ حجّ حجته الأخيرة دعا الله تعالى قائلا: “اللهمّ كبرت سنيّ، وضعفت قوتي، وانتشرت رعيتي، اللهمّ اقبضني إليك غير مفرط، اللهمّ شهادة في سبيلك، وموتا بأرض نبيك”. كانت ابنته أمّ المؤمنين حفصة رضي الله عنها تسمع، فقالت متعجبة: “أنى يكون هذا والمدينة دار إسلام”. فأجابها بثقة المؤمن، ويقين العارف بالله: “يأتي به الله إن شاء”. فكان كما قال، والشهادة كما تمنى نال، وفي مدينة رسول الله طالته يد الاغتيال، ودمُه الزكيُّ فوق ثرى المسجد سال، ودُفِن إلى جوار الحبيب وترابُ الحجرة الشريفة عليه انْثال، والمؤمنون -منذئذ- يسلمون عليه بالغدو والآصال. فسبحان السميع المجيب القادر المتعال.

أخي الحاج…

من أراد أن يبلغ منازل الرجال، عليه أن يفطم النفس عن الشهوات، وأن يهجر قبيح العادات، ويقبل على الله بالطاعات، ويخلّص الأعمال من الشائبات، ويصبر نفسه مع الذاكرين بالعشي والغداة، وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا.

هكذا تُنال الدرجات، هذا خطاب الله لحبيبه سيد الكائنات، من أثنى عليه مولاه ووعده بأعلى الجنّات، فبالأحرى من جاء مثلي ومثلك مثقلا بالخطايا والسيئات…

في جوف الليل تعطى الهدايا وتهدى الأُعطيات، فليجدك الليل مقبلا متبتلا في محرابك تستمطر الرحمات، وإن كان في الروضة الشريفة فتلك أغلى الأمنيات، وأكثر في ذكرك من الصلاة والتسليم على جميل الذات وكامل الصفات، وناجه في أدب وتذلل وإخبات، وقل سيدي حبيب الله جئتك ضيفا بلا قرى، وأنت أهل الجود والمكرمات.

أخي الحاج…

لن تشعر إلاّ وقد مضت الأيام المعدودات، وجاء أوان الرحيل وانتظمت الحافلات…

مضى كلّ شيء بسرعة…

هل حقّا سنرحل عنك يا مدينة رسول الله؟…

أحقّا سنودعك يا حبيب الله؟…

قبل قليل فقط، قلت لك السلام عليك…. وها أنا ذا -الآن- أودّعك…

ستنهمر من عينيك الدموع، وسيضطرب الفؤاد وتختلج الضلوع.

وستبكي كالثكلى التي فقدت ولدها الوحيد، وأنت راكب في الحافلة ترى القبة الخضراء وهي تلوّح لك من بعيد، تقول لك وداعا وإلى لقاء جديد.

ستصغر القبة شيئا فشيئا حتى تختفي عن ناظريك، وسيغور ماء عينيك في عينيك، وسيذبّ الضعف إلى بدنك ويسري الشلل في قدميك…

صدقت سيدي أنس بن مالك حينما قلت: “لماّ كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلّم المدينة أضاء منها كلّ شيء، فلمّا كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كلّ شيء”. رواه الترمذي وأحمد وابن  حبان.