السلام عليك سيد السادات

ما زلت أذكر جواب ذلك الرجل الأميّ العائد حديثا من رحلة الحجّ، حينما سألته أن يصف لي المدينة فقال وقد انهمرت دموعه، واختلجت ضلوعه، وتفتّت كبده: “المدينة لا توصف”.                                                                              

ووقفة عند أبواب المدينة لا***تبقي من الشوق مطويا ولا تذرُ

يا قائد الجوّ أنزلني إذا لمعت***لعينيك القبّة الخضراء والحُجَرُ

هكذا هي المدينة فوق العدّ، وفوق النعت، وفوق الوصف…

حينما تقترب -أخي الحاج-من طيبة الطيبة ويتسلل إلى أنفك ريحها الطيب، يقشعر جلدك، ويطرب قلبك، وتهمل عينك، ويملأ عليك كيانَك شعورٌ غريب…

أماّ وقد لاحت أنوار المصطفى وصفا البصر، ولمعت لعينيك القبّة الخضراء والحُجر، وفاحت الغوال فلا مسك أطيبَ ولا عنبر، وانفرجت ضيقة الصدر وانجلى الضرر، فأسرع إلى فندقك واغتسل، والبس أحلى ما عندك وانزل، واقصد باب السلام، والسلام على باب السلام، وعلى الواقفين عند باب السلام، وعلى كلّ من دخل من باب السلام، وعلى المرابطين عند باب السلام، وعلى الحبيب المحبوب الراقد بسلام بعد باب السلام…

اقصد باب السلام… وادخل بيُمْناك وسمّ الله كما علّمنا خير الأنام، وافتح باب القبول بركعتي التحية، صلّهما بإتقان وروية، ثمّ انطلق إلى الواجهة الشريفة النبوية.

ما هي إلا لحظات-أخي الحاج-حتى تجد نفسك في الواجهة أمام مثوى خير الأنام، بدر التمام، مسك الختام، أب البتول عليه أزكى صلاة وسلام.

أي سعد هذا الذي أنت فيه يا فلان بن فلان؟

أي يوم من أيام حياتك هذا؟

وأي لحظة يسطرها التاريخ هذه؟

سجّل أيها التاريخ…

سجّلي يا ملائكة ربّي… هذا يوم سعدي…

ستغيب عنك  – أخي الحبيب – تلك العبارات التي حضّرت، وستهرب منك الأدعية التي هيّأت،

سيخرس منك اللسان، وستتكلم المقل ويملي عليها الجنان، وستصرخ من أعماق قلبك دون أن يسمعك إنسان:

السلام عليك… سيدي المصطفى العدنان…

السلام عليك… يا أغلى وأحلى وأبهى إنسان…

السلام عليك… في كلّ وقت وآن…

السلام عليك… ملء الأرض وملء السماء وملء الأكوان…

السلام عليك… كما تحب وكما يحبّ الرحمان

والسلام عليك أيها الصديق …

يا ثاني اثنين في القرآن…

يا فائزا بالرضى والرضوان…

يا من كنت للمصطفى نعم الخلّ والصديق والسلوان…

والسلام عليك أيها الفاروق…

يا من نصر وأيد وراغم العدوان…

يا من حكم فملأ الدنيا عدلا، ودفن الظلم والطغيان…

يا من لا يسلك فجّه شيطان…

آه… يا أخي الحاج… هناك عند الواجهة الشريفة ستجتمع جموع الناس، من مختلف الألوان والأشكال والأجناس، وستختلط الأنفاس بالأنفاس، ذاك عرس لا تضاهيه الأعراس…

أنين ليبي وحنين إثيوبي، وآهات ألباني وأنّات ياباني، وإجهاش ماليزي وإغماء إندونيسي، وصعقة مغربي وشهقة جزائري… أيّ خليط هذا؟

كيف تؤرخ لذات اللحظة؟

بأي لغة من لغات العالم يمكنك كتابتها؟ هل ستسعفك الكلمات؟ وهل ستفي بالغرض العبارات؟

أخي الحاج…

إنّ الزيارة النبوية ليست من أركان الحج والعمرة، ولا من واجباتهما، ولكنها عربون الحبّ النبوي، ودليل من أدلة العشق المحمدي الذي هو أساس الإيمان:

“لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من والده وولده والناس أجمعين” (رواه البخاري ومسلم).

وا حسرتاه على داخل إلى المدينة، لم يزر حبيب الله…

وا حسرتاه على من حلّ بطيبة، ولم يسلّم على نبي الله…

أيّ جفوة وأي قسوة هذه يا فلان بن فلان؟

أخي الحاج…

الصلاة في المسجد النبوي بأجر ألف صلاة فيما سواه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه. إلا المسجد الحرام. وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه”. رواه ابن ماجه وأحمد

وفي المسجد النبوي قرب مثوى خير الأنام، هناك الروضة الشريفة والساحة المنيفة:

“ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنّة” (رواه البخاري).

 داخل الروضة بساط أخضر يميزها عن باقي المسجد…وفيها مجموعة من الأسطوانات، وهي سواري المسجد وأعمدته التي تحرى السلطان العثماني عبد المجيد أن يعيد بناءها مراعيا وضعها في أماكن الأعمدة الأصلية على العهد النبوي. وهي كالتالي:

1.    أسطوانة أمنا عائشة رضي الله عنها: وهي الثالثة من المنبر والثالثة من القبر، تعرف كذلك بأسطوانة القرعة وأسطوانة المهاجرين، وهي أسطوانة كان يصلي إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يتحرى الصلاة عندها سيدنا أبو بكر وسيدنا عمر رضي الله عنهما، وكان يجلس إليها أفاضل أبناء المهاجرين حتى سموا مجلسهم عندها مجلس القلادة. ولقد جلس بعض الصحابة يوما إلى أمّ المؤمنين عائشة iومعهم ابن أختها التابعي عروة بن الزبير فقالت لهم: “إن في المسجد أسطوانة لو عرفها الناس لاضطربوا على الصلاة عندها بالأسهم”. فسألوها عنها فلم تخبرهم، فلما انصرفوا أسرّت إلى ابن أختها شيئا فقصد هذه الأسطوانة وصلى إليها، والناس يرقبون، فلما انتهى توافد عليها الناس يصلون إليها وبذلك سميت أسطوانة عائشة رضي الله عنها، وقد ورد أن الدعاء عندها مستجاب.

2.    أسطوانة أبي لبابة رضي الله عنه: وتسمى كذلك أسطوانة التوبة، وهي الرابعة من المنبر والثانية من القبر، وهي التي ربط فيها أبو لبابة الأنصاري رضي الله عنه نفسه حينما أفشى – دون قصد – سراّ لبني قريظة، فلماّ شعر بخطورة ما فعل دخل المسجد وربط نفسه بهذه الأسطوانة وحلف ألاّ يحلّه إلاّ رسول الله صلى الله عليه وسلم… فلماّ بلغ خبره رسول الله عليه الصلاة والسلام قال: “أما إنه لو جاءني لاستغفرت له، أما وقد فعل ما فعل فما أنا بالذي أطلقه من مكانه حتى يتوب الله عليه”. ولقد قضى أبو لبابة ستّ ليال مربوطا ثمّ نزل الوحي بتوبة الله عليه، فأرخى النبي – صلى الله عليه وسلم – سراحه.

3.    أسطوانة الحرس: وتسمى كذلك أسطوانة سيدنا علي بن أبي طالب – كرّم الله وجهه – وهذه الأسطوانة كان يقف عنها الحرس الذين كانوا يحرسون النبي  عليه الصلاة والسلام – ومنهم سيدنا عليٌّ – رضي الله عنه-

4.    أسطوانة السرير: وهي محل اعتكاف النبي – صلى الله عليه وسلم – فقد كان يوضع له سرير من جريد النخل عندها فيضطجع عليه.

5.    أسطوانة الوفود: وهي ملاصقة لشباك الحجرة الشريفة، وكان الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم يجلس إليها مستقبلا وفود العرب إذا جاءته تبايعه على الإسلام.

6.    الأسطوانة المخلّقة: أي المطيبة بطيب الخلوق، وهي ملاصقة لمحراب النبي صلى الله عليه وسلم من جهة القبلة، وكان عليه الصلاة والسلام يصلي إليها بعد تحوله عن أسطوانة أمنا عائشة. وهي التي رأى عليها صلى الله عليه وسلم نخامة فساءه ذلك كثيرا، فلما رأى منه ذلك أحد الصحابة قام فحكّ النخامة وطيّبَ مكانها بطيب يقال له الخلوق فسرّ النبي صلى الله عليه وسلم بذلك. فسميت الأسطوانة المخلّقة.

7.    أسطوانة التهجد: وهي التي تقع خلف بيت السيدة الزهراء – عليها السلام -، وكان النبي عليه الصلاة والسلام يجعلها مصلاه بالليل.

8.    أسطوانة مربعة القبر: ويقال لها “مقام جبريل”. وهي تقع في ركن المربعة الغربية الشمالية من الحجرة الشريفة.