مجلس النصيحة المركزي

جمع وترتيب: ذ. عبد القادر فرطوطي

     نظرا لما للنَّصيحة من دور وأهميةً عظيمة في ديننا وسلوكنا وعلاقاتنا، وبما أنها عمادُ الدِّين وقوامه، بل وبِها يسود الأمة الأمن والرخاء، وتستقيم العبادة على منهاج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد أولى العلماء العاملون عناية خاصة بها في أبعادها المختلفة، كما وردت في الحديث عن أبي رقية تميمِ بن أوسٍ الدَّاري – رضي الله عنه – أن النبيَّ – صلَّى الله عليه وسلَّم – قال: “الدِّين النصيحة”، قلنا: لِمَن يا رسول الله؟ قال: “لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمَّة المسلمين، وعامَّتِهم” 1، أو ما ورد من توجيه رباني في سورة العصر حين قال سبحانه: “والْعَصْرِ إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ”

     لقد تعرضوا للأذى في سبيل ذلك وللاستهزاء، ولم يكن ذلك استثناء في حقهم، بل أوذي الأنبياء والمرسلون قبلهم أشد منهم، ومَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ 2.

    وفي القرآن الكريم، تلميحا وتصريحا، عناية خاصة بالنصح والنصيحة والناصحين من الأنبياء والرسل والمصلحين، وما نزل من عقوبات على الأقوام الذين لم ينتصحوا وردوا أيديهم في أفواههم وصموا آذانهم واستغشوا ثيابهم…استهزاء وتنقيصا ولعبا ولهوا ومفاخرة وتكبرا وتجبرا…وتشكيكا في موعود الله، ونعرض هنا بعضا من صور استهزائهم وتحمل رسلهم وصبرهم على تبليغ رسالات ربهم، وإِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ 3.

     يقول سبحانه: أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ  4 فكان جزاؤهم الدمار، والعياذ بالله، وعبرة للتاريخ ولمن يحيد عن سنته في الكون.

    ولنتمعن جميعا هذه الآيات والتي تصور حوار نوح مع قومه.

    يقول سبحانه: قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ، قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ، أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ، فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ 5.

   أما صالح النبي عليه السلام، فيخرج من بين قومه، بعد أن نصح لهم وأدى ما أمره الله به إليهم، وحذرهم بأسه وانتقامه، بعد أن لم ينتصحوا، يقول الله سبحانه: فَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَٰكِن لَّا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ  6 وكذلك قوم لوط وفرعون والأحزاب الذين كذبوا وهموا بما لم ينالوا. وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ 7، فأخذهم الله وهم ظالمون.

       وتوالى الناصحون عبر الأزمان، لا يخافون في الله لومة لائم، ولم يخل زمان منهم، يجددون الايمان والدين ويردون الناس، بإذن الله، الى الفطرة السليمة.

     ونظرا لهذه الأهمية، سنقف بحول الله مليا، تعظيما وتوقيرا بين يدي من كان شاهدا بالقسط في نصيحته للأئمة والأمة والعامة والخاصة، وقد صدق ما عاهد الله عليه حتى قضى نحبه، ثم نتساءل: كيف يصبح التناصح والتواصي سلوكا في حياتنا؟ استرشادا بكتاب الله من خلال مدارسة المواقف السابقة وغيرها، ثم السور التي تدعو الى التواصي بالصبر والمرحمة، والاسترشاد بنماذج خالدة من السنة القولية والعملية والأحوال الشريفة لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه من بعده. ثم الوارثين من بعدهم.

     ونرجو خلال هذه الوريقات، تحقيق أهداف سلوكية في حياتنا، أهمها إدراك أن الصحبة في الله ليست تطبيقا مجردا للنصوص، بل هي من أعظم معاني النصيحة لأنها “محبة تثبت وترسخ وتنمو وتتجذر في القلوب بالملازمة والمخالطة والمعايشة والتلمذة حتى يملك حب المصحوب على الصاحب كيانه كله” 8.، ثم إدراك أن التناصح والتواصي لا يؤتي ثمرته المرجوة إلا بتحقيق مجموع معتبر من شروط التربية، ووفق الآداب النبوية عند النصح والانتصاح التي أمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم الأجيال من أمته حين قال: “اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر. واهتدوا بهدي عمار وتمسكوا بعهد ابن أم عبد” 9 وابن أم عبد هو ابن مسعود الذي … يوصينا بالأخذ عن الأكابر لا عن الأصاغر. وكل قوّال لا ينهض بك حاله ولا يدلك على الله مقاله صغير.” 10، ثم لأن “الاقتداء بالأكابر، والسماع من الأكابر، والأخذ عن الأكابر… يجذبك مغناطيسهم إلى حب الله ورسوله ولا يحجبك”  11

       وبذلك يتسنى لنا أن نمارس حقنا في النصيحة، شاهدين بالقسط يقظين، ضمن مؤسساتنا، مرتبين في سلك النواظم الثلاث: حبا في الله ثم طاعة بعد نصيحة وشورى، حتى لا تكون صحبتنا مجرد تطبيق “للنصوص وامتثالا جافا عسكريا للأوامر”   12.


[1] رواه مسلم
[2] سورة يوسف، الآية: 111.
[3] قاف: الآية: “37.
[4] إبراهيم، الآية: 9.
[5] الأعراف: 59ـــ64.
[6] الأعراف: 79.
[7] غافر: 5.
[8] ياسين عبد السلام، الاحسان 1، ص: 101
[9] رواه الترمذي وابن عدي عن أنس رضي الله عنه.
[10] ياسين عبد السلام، الاحسان ،1ص: 105.
[11] ياسين عبد السلام، الاحسان 1، ص: 104.
[12] نفسه، ص: 101.