للصيف طبيعة خاصة، ففيه العطلة السنوية والسفر، وخلاله يميل الناس أكثر إلى الاسترواح عن النفس، وفي الصيف أيضا تظهر عادات وسلوكات إيجابية وسلبية…
فكيف يكون الصيف فرصة تجمع بين الاسترواح والتخفيف من المشاق التي تلازم الإنسان طيلة السنة، وبين الجد والحفاظ على التكاليف الشرعية وترسيخ العادات التي يستفيد منها دهره كله؟
في هذا السياق يعرض موقع الجماعة نت سلسلة “حوارات خفيفة” حول جملة من القضايا التربوية والترفيهية والمعرفية… ارتباطا بهذه الفترة الهامة من السنة.

اليوم مع حوار حول فصل الصيف والأسرة مع الأستاذ مصطفى سنكي.

تحتاج الأسرة إلى مزيد من التعاضد والمحبة والتراص في مجتمع تشهد فيه الأسر تفككا مُطّردا، كيف يمكن أن تكون العطلة الصيفية محطة للزيادة في تماسك الأسرة؟

يعتبر التعاضد قيمة راسخة في منظومة المجتمعات العربية والإسلامية عموما، والمجتمع المغربي ليس استثناء، ولا زال التعاضد على مستوى التجمعات السكنية حاضرا وإن كان بدرجات متفاوتة رغم ما يشهد المجتمع المغربي خلال العقود الأخيرة من تحول نحو الأسر النووية المنغلقة على الأبوين والأبناء.

وحيث إن التعاضد قيمة تحصن المجتمع من تلاشي العلاقات الإنسانية وضمورها وتفشي إحساس الغربة وإن كان المرء بين أهله وذويه، وحرصا لصلة الرحم بين الأقارب عموما وتوفيرا لشروط ترسيخ قيمة التعاضد والتكافل بين الأسر، تغتنم المناسبات الاجتماعية أفراحا وأقراحا للرفع من منسوب التماسك بين العائلات والأسر، وتعتبر العطل الفصلية مناسبة مواتية لتقوية هذا التماسك وترسيخه شريطة تفادي العوامل المشوشة ومنها التكلف في أسباب الضيافة.

إن العطل الفصلية تتيح فرصة لتبادل الزيارات بين الأسر والعائلات وتخفف أعباء السفر والإيواء خاصة الذي يشكل عائقا كبيرا للكثير من الأسر ويحرمها من السفر؛ في حين أنه من السهولة الزيارات بين الأسر، ففي فصل الربيع مثلا تستقبل الأسر في المدن الداخلية والجبلية أقاربها من المدن الساحلية، وخلال فصل الصيف تشد الرحال للمدن الساحلية، وتسهم الزيارات المتبادلة في تقوية العلاقات الأسرية وتتطور لأشكال من التضامن والتعاون.

إن تدبيرا من هذا القبيل للعطل الفصلية يحصن المجتمع من التفكك ويرسي العلاقات الأسرية على أساس إيماني يعيد لصلة الرحم اعتبارها ويضخ في هذه العلاقات معاني إنسانية تستعيد بها الحياة المجتمعية دفئها ونكهتها، دون أن يكون لذلك كلفة مادية.

تربية الأولاد مهمة يومية شاقة، كيف يمكن أن تفتل العطلة الصيفية بأوقات الفراغ فيها وبأسفارها في تربية الأولاد؟

واهِمٌ من يعتقد أن تربية الأبناء تقوم أساسا على تعليمهم الأخلاق والسلوكات الحسنة وتوفير أسباب النجابة الدراسية، فهذا تصور ثبت عدم جدواه، بل لا بد للأبناء بحسب أعمارهم من فسح للترفيه خلال الغلاف الزمني اليومي؛ وتسعف العطل الصيفية في تربية الأبناء وقطع أشواط معتبرة في بناء شخصيتهم، من خلال ما تتيحه العطل عموما والصيفية تحديدا من فرص تساعد على التعامل عن قرب مع الأبناء اكتشافا لميولاتهم وتصويبا لاختياراتهم.

وإذا كان أحد مطالب التربية هو إكساب الأبناء القدرة على تحمل المسؤولية واتخاذ القرار وحسن الاختيار، فأجواء العطل الصيفية وأسفارها ومخيماتها مناسبة يتدرب فيها الأبناء على الاستقلالية والاعتماد على النفس تحت أعين الآباء ولو عن بعد، أو من خلال المخيمات المنظمة تحت إشراف مؤسسات تربوية.

يحذر كثير من المربين من الفراغ الذي يجده الأطفال في العطلة الصيفية، كيف يمكن التخطيط لشغل هذا الفراغ بما ينفعهم في دنياهم وآخرتهم؟

العطلة لا تعني التسيب وهدر الوقت، والعطل ليست وقتا ميتا، بل هي حيّزٌ زمني من عمر الإنسان يستفاد منه، وكما يعلم الأبناء على تنظيم الوقت خلال السنة الدراسية، إذ هو أحد مفاتيح النجاح الدراسي، يجب تعويد الأبناء تنظيم وقت العطل وحسن استثماره جمعا بين ترفيه هادف ممارسة لرياضات وهوايات معينة وتدريب على ممارسة أعباء أسرية تتناسب وأعمارهم وبين تغذية للعقل والروح ترسيخا لسلوك القراءة ومصاحبة الكتاب، ومع هذا كله تدريب على المحافظة على الصلاة في وقتها وآدابها.

إن سوء الفهم لوظيفة العطل يحيلها أوقات فراغ تزيد من متاعب الأسر وتهدد الأبناء بأشكال من الانحراف، وإن لم يكن فلا أقل من اكتساب عادات سيئة على مستوى أوقات النوم والاستيقاظ وتناول الوجبات، مرورا بقطع العلاقة مع القراءة والكتاب، وهو ما يشوش على مسارهم الدراسي.