1-   بدايات ومقدمات

الحمد لله الملك القدوس السلام، ربّ البيت الحرام، والمسجد الحرام، والمشعر الحرام، ومكة والمدينة والمقام، أشهد أن لا إله إلاّ الله هو السلام ومنه السلام وإليه السلام، تبارك ربنا ذو الجلال والإكرام، وأشهد أنّ سيدنا محمدا عبده ورسوله زينة الأنام، عالي القدر رفيع المقام، يا سعد من رآه عيانا ويا سعد من رآه في المنام، اللهم صلّ عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين الكرام، وعلى صحبه الغرّ الميامين العظام، وعلى التابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين والختام…

أمابعد، فيقول المولى عزّ وجلّ: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِين، فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ ۖ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ۗ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ 

أخي الحاج…أختي الحاجة

أُلّفت في موضوع الحجّ من الكتب مئات، وكثرت في الحديث عنه الدروس والمحاضرات، وما لي حاجة في تكرار ما كتب وما قيل، إنما قصدي أن أقرب الشعائر من المشاعر، والباطن من الظاهر، حتى تنسجم الأشباح مع الأرواح، وتتناغم حركات الأجساد مع حذاء الفؤاد، فيحصل المطلوب أو يكاد، ونبلغ المرام ونفوز بربّ العباد.

ما الكعبة ولا البيت، ولا الصفا ولا المروة، ولا منى ولا مزدلفة ولا عرفات إلاّ عبيد ومخلوقات، ما نبتغيها ولكن نبغي بها من هو نور الأرض والسماوات.

آه يا حاج… لو سبقت لك من المولى الكريم الحسنى فأحبّك، وفي الميقات من أنانيّة نفسك جرّدك، وبالطواف من أدران الذنوب خفف كاهلك، وبماء التوبة والأوبة المزمزم ضلّعك وطهرك، وعلى الصفا رزقك الصفا وقرّبك، وعلى المروة منتهيا أعطاك من فضله ووهبك.

آه يا حاج… لو على سفوح عرفات محا وعفا وسامحك، ومن وثاق خزي الغفلة وسلاسل الهوى المقيتة سرّحك، وعلى أرض مزدلفة نعاسا أمنة منحك، لتستيقظ على جمع حصيات ترمي بها الجمرات، متحررا من الشهوات والغفلات، ذابحا نسكك نفسا خسيسة لطالما رمتك في المهلكات…. اذبح فقد حلّ قتل الهوامّ السّامات، وانطلق إلى مكة مفيضا طف واسعَ واحلق بعدها الشعرات، وها قد تحلّلت مما جنته الأيدي العفنات… ها قد ولدت مجدّدا، كل ما مضى نسي ومحي وفات، عُقّ عن نفسك شاتين للذكر وللأنثى شاة، تلك الفرحة الكبرى… يا حسرة على من فاتته الخيرات، ولم يغفر له في عرفات.

هذه تبقى مجرد كلمات… ما بالأماني المعسولة تنال المكرمات، إسع لها سعيها واقتحم العقبات، واركب مع الرجال فالركب فات، من لم يفز بالله قبل الممات، فلا نهاية عنده للحسرات، هكذا سمعناها من شيخنا المربيّ جدّد الله عليه الرحمات…

“ابك على نفسك إن كنت خاليا من الإرادة العلية، بارد الهمّة، نزّاعا إلى الأرض، مخلدا إليها، راضيا بالحياة الدنيا. وإلاّ فابك على الله عزّ وجلّ أن يتداركك بمن يحملك ويحمل عنك. من فاته الله فاته كلّ شيء”.

لبّ الله بقلبك وعظّم النيات، واسأله سؤال المضطر بدموع سائحات، ابك وتباك واستمطر الرحمات، وإياك ثمّ إيّاك وخليط الأموال والدريهمات، هذا حلال وهذا حرام فتلك الحجب المانعات، من مأكله حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام لا تستجاب له الدعوات، محجوب مردود مطرود من الرحمات.

يا هذا! … يا هذه! …

ما أنتَ وما أنتِ في المليار والنصف مليار مسلم؟

أ بذكائك أم بدهائك؟ … أ بعلمك أم بعملك؟ … أ بمالك أم بجاهك؟ … أم لعله بصلاحك وعلو همتك أنت هذا العام، من زوار المقام، وضيوف الرحمان ذي الجلال والإكرام؟

ألا تنظر حولك؟ … ألا ترى نعمة الله عليك؟ …

ألا تفهم بأنه اختيار واصطفاء، واجتباء وانتقاء، وربك ذو الرحمة يؤتي فضله من يشاء، فالسعداء يقابلون العطاء بالشكر والوفاء، والأشقياء يقابلونه بالنكران والجفاء، وكُلاًّ يُمدّ -سبحانه- هؤلاء وهؤلاء.

أنتَ أيها الحاج … من هيَّأ لكَ الأسباب؟ …

وأنتِ… من فتح لكِ الباب؟ …

من غيّب الأسقام والإحن؟ … من دفع البلايا والفتن؟ … من ردّ الرزايا والمحن؟ … ومن وفّر الأموال والُمؤَن؟ من أذِن وأوَّن وحيَّن؟

احذر -يا حاج- واحذري -يا حاجة- أن لا تشكري النعم، فتتحوّل –والعياذ بالله- إلى نقم… اشكري المولى على جزيل عطاءه، واحمديه على عظيم سخائه، واعترفي له بفضله يغرقك في بحر آلائه.

فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون

وصلى الله وسلّم على سيد الكائنات، الرحمة المهداة، وعلى آله وصحبه وحزبه ما أذّن مؤذّن ونادى للصلوات.