الحج.. اسم له وقع عظيم على القلوب المؤمنة، التي ترجو لقاء الله والجنة، والتي تسعى دائما لتقديم أعمال البر والطاعات بين يدي يوم تشخص فيه القلوب والأبصار، فالحج ومناسكه العظيمة التي قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم: “خذوا عني مناسككم” بدءا بالإحرام وانتهاء بالحلق أو التقصير، كلها مناسك تعيش معها القلوب التي رحلت إلى الله وتركت الأهل والمال والأعمال طالبة النجاة من يوم العرض على الله.

ففي الحج يتساوى الجميع في اللفظ والقدر والمكانة والهيئة، حيث تتلاشى الفروق ويصبح الجميع سواسية، ربهم واحد ولباسهم واحد وشعارهم واحد ووجهتهم واحدة ومرادهم واحد.

ولكن للأسف الشديد، تحولت رحلة الحج المباركة عند كثير من الناس، إلى رحلة للتباهي ولإحضار اسم الحاج الذي له وقع التميز عن الغير، وفي أحسن الأحوال رحلة عادية يرجع صاحبها كما ذهب.

فهل كان هذا حال سلفنا الصالح رضي الله عنهم أجمعين في هذا الموقف العظيم.

تعالوا بنا أحبتي نطلع على أحوال بعض منهم عسى أن يرزقنا الله تعالى همتهم، ويحشرنا في سربهم.

قال ابن المبارك: (جئت إلى سفيان الثوري عشية عرفة، و هو جاث على ركبتيه وعيناه تهملان. فقلت له: من أسوأ هذا الجمع حالا؟ قال: الذي يظن أن الله لا يغفر لهم).

يروى عن إبراهيم بن أدهم رضي الله عنه أنه وقف بعرفة والناس يدعون وهو يبكي بكاء الثكلى المحترقة: وقد حال البكاء بينه وبين الدعاء، فلما كادت الشمس أن تغرب رفع رأسه إلى السماء وقال: (وا سوءتاه منك وإن عفوت).

وقال الفضيل بن عياض لشعيب بن حرب وهما بالموسم: (إن كنت تظن أنه شهد الموقف أحد شر مني ومنك فبئس ما ظننت).

وقال شعيب بن حرب: (بينا أنا أطوف بالبيت فإذا برجل يشد ثوبي من خلفي، فالتفت فإذا الفضيل بن عياض، فقال: لو شفع في وفيك أهل السماء لكنا أهلا ألا يشفع فينا. قال شعيب: ولم أكن قد رأيته قبل ذلك بسنة. قال شعيب: فكسرني وتمنيت أني لم أكن رأيته).

وكان وهيب بن الورد رحمه الله يسأل عن ثواب شيء من الأعمال كالطواف ونحوه فيقول: (لا تسألوا عن ثوابه، ولكن سلوا: ما الذي على من وفق لهذا العمل من الشكر).

لما حج الرشيد قيل له‏:‏ (يا أمير المؤمنين، قد حج شيبان‏.‏ قال‏:‏ اطلبوه لي، فأتوه به، فقال‏:‏ يا شيبان، عظني، قال‏:‏ يا أمير المؤمنين، أنا رجل ألكن (لا أفصح بالعربية) فجئني بمن يفهم كلامي حتى أكلمه‏.‏ فأتى برجل يفهم كلامه، فقال له بالنبطية‏:‏ قل له‏:‏ يا أمير المؤمنين، إن الذي يخوفك قبل أن تبلغ المأمن، أنصح لك من الذي يؤمنك قبل أن تبلغ الخوف، قال له‏:‏ أي شيء تفسير هذا‏؟‏ قال‏:‏ قل له‏:‏ الذي يقول لك‏:‏ اتق الله فإنك رجل مسؤول عن هذه الأمة، استرعاك الله عليها، وقلدك أمورها، وأنت مسؤول عنها، فاعدل في الرعية، واقسم بالسوية، وأنفذ في السرية، واتق الله في نفسك، هذا الذي يخوفك، فإذا بلغت المأمن أمنت، هذا أنصح لك ممن يقول‏:‏ أنتم أهل بيت مغفور لكم، وأنتم قرابة نبيكم وفي شفاعته، فلا يزال يؤمنك حتى إذا بلغت الخوف عطبت، قال‏:‏ فبكى هارون حتى رحمه من حوله، ثم قال‏:‏ زدني، قال‏:‏ حسبك‏).

‏وحج عبد الله بن جعفر – رضي الله عنه – ومعه ثلاثون راحلة وهو يمشي على رجليه، حتى وقف بعرفات، فأعتق ثلاثين مملوكًا وحملهم على ثلاثين راحلة، وأمر لهم بثلاثين ألفًا، وقال: (أعتقهم لله تعالى لعله سبحانه يعتقني من النار).

ما أروعها من مشاهد تهز القلب، ليحذو حذوهم ويسير على نهجهم، ليصير من قافلة الموكب النوراني التي خصها الله تعالى بكرامة الدنيا والآخرة.