بقلم: رشدي بويبري

 

أقدم في هذا المقال المركز قراءة في الفصل السادس من كتاب “إمامة الأمة” للإمام “عبد السلام ياسين” المعنون ب” أحسبتم..”، في إشارة منه إلى قول الله عز وجل “أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون”. وقد اعتبر الإمام رحمه الله هذا الفصل لبّ الكتاب وجوهره  ورتبه بعد الفصل الخامس الذي خصصه للحديث عن تصوره لحقوق الانسان. يقول الامام عبد السلام ياسين رحمه الله: “قمة حقوق الإنسان، حقَّه في بلوغ كماله، حقَّه في تسنم ذروة كرامته الآدمية. لمن سبقت له من الله الحسنى فاتخذ إلى ربه سبيلا”.

• العبثية والباطل

استهل الامام “عبد السلام ياسين” رحمه الله هذا الفصل بتشخيص وضعية الانسان المعاصر حيث اعتبر أن الحضارة الجاهلية المعاصرة المهيمنة على البشرية الآن ببريقها وسلطانها تشبه الجاهلية الأولى التي بعث فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم في المبدأ الذي بنيت عليه كلاهما والذي تعبر عنه الآية الكريمة “وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر”. حضارة دهرية بلا وجهة ولا غاية. لكن الفرق بين الجاهليتين أن المعاصرة تفلسف مبدأها العبثي وتسنده بتأويلات عقلية. فالحضارة المعاصرة تؤله العقل وتسم الغيب وكل ما يتعلق به بالخرافة والتخلف وتجعل بين القلب والعقل برازخ وسدودا. وتستند هذه الحضارة على إفرازات العقل العلمي وكشوفاته ومخترعاته، وتقدمها حجة مفحمة على ثمرات تحرر العقل الغربي من براثين الغيب والخرافة حين طلق الكنيسة في أوروبا عصر النهضة. ويرد الإمام على هذا الطرح بقوله: “وما هذا العقل إلا كخُفَّاش جيِّدِ الإبصار في ظلمات الكون المادي وما أودع الله فيه من أسباب. حتى إذا خرج من كهفه ذاك إلى حيث تسطع شمس حقائق الغيب عَمِيَ عَمىً مُطْبَقا، وأنكر أن يكون في الوجود غيرُ ما وقع عليه حسُّه الكليلُ” . فالعقل المجرد ليس معيارا في إدراك الحقيقة المطلقة ولا حكما لها. 

 وأمة الاسلام ليست بمعزل عن هذه العبثية المعاصرة بل هي في خضمها وضحيتها. يقول الإمام رحمه الله: “وتهبُ علينا تلك الرياح الهوجاء، رياح الثقافة «المتقدمة» والإعجابِ بالأوربيِّ، المخترع الصانع، فيتقلصُ في ذهننا معنى الإسلام في حدود عبادة سطحية، ونظام اجتماعي وسياسي، ندافع عنه، ونُنَظِّرُ له لنضاهيَ وننافس ما عندهم من نُظم. وتكونُ العبادة في هذا القطارِ عربةً مجرورة” . ولا مشروعية لحركتنا وصحوتنا الإسلامية “ولا معنى لدولة القرآن، ودعوة القرآن، وإمامة الأمة، وتنظيم الجماعة، وتجنيد العامة، وتربية الطليعة، إن لم يكن إحقاقُ الحق في صورته وروحه، وإبلاغُ الإنسان كرامته الآدمية وكماله الأبدي، لب الحركة، وثمرة الجهاد، وغاية الدعوة، وشأن الدولة” .  ويؤكد الإمام، في هذا السياق، على ضرورة تحرر المسلمين من العقبتين اللتان تحولان دون تنسم طريق هذه الحقيقة، الخرافية والعقلانية.   

• بين العقل والقلب

أكد الامام رحمه الله أن القلب هو مستودع الوحي والإيمان والحقيقة، واستدل لذلك بقول الله عز وجل:” قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزّله على قلبك بإذن الله مصدقا لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين”. وعقب بقوله: “نزله أي القرآن، على قلبك ما قال على عقلك وفكره” . ويميز الإمام رحمه بين مفهوم التأمل العقلي ومفهوم التفكر بقوله: “الله عز وجل حين أمرنا بالتفكر في خلق السماوات والأرض، ما دفعنا إلى حَلَبَةِ الاستنتاج العقليِّ. إنما دفعنا لننبهر بعظمة آيات الله فنخضَع، فإذا جاءنا رسولٌ مُؤَيَّد بالمعجزات وبالوحي جلسنا مجلس التلميذ لنسمع. وما هلك من هلك من مكذبي الرسل إلا لأنهم وزنوا بعقولهم الكليلة ما جاء به الوحيُ”.  وفي هذا السياق يستحضر الامام مفهوما محوريا هو مفهوم الفطرة، بحيث ميز بين دلالتين لهذا المفهوم، الدلالة القرآنية والدلالة العامية. ” فالمعنى الدارج يجعل الفطرة مرادفة للسذاجة والغفلة. والمعنى القرآنيُّ يعطيها مدلول استواء الخِلقة الباطنية للإنسان، المجبولةِ على الإيمان بالله جل وعلا ومعرفته. فمعنى سلامةِ الفطرة سلامةُ هذه الخلقة الباطنية، المعبَّرِ عنها بالقلب، واستعدادُها لتلقي الإيمان بالله عز وجل وبغيبه، وكفاءتُها لمعرفته سبحانه وتعالى على ما يتجلى لها ويعلمها” . وأكد أن التربية تحمي الفطرة أو تفسدها، كما ورد في الحديث النبوي. كما أن الفطرة تترقى “على هذه الدرجات الثلاث، إسلام فإيمان فإحسان، تترقى… من دركات الباطل والعبث إلى معارج الحق واليقين، من ظلمات المادية والشهوانية النفسية إلى نور الروحانية، من الجهل بالله جلت عظمته إلى العلم به” . وبناء على مركزية مفهوم الفطرة حدد الامام العلاقة بين العق والقلب. يقول: “الترتيبُ الفطري للإنسان يرفع القلبَ إلى مقام الإمارة، ويجعل العقل وزيرا له، والحواسَّ خَدَمَةً. فإذا فسدت الفطرة تأمَّرَ العقل، وتمرد على القلب ومعانيه، وهذا فساد العقل الفلسفي العبثي. فإن فسدت الفطرةُ الفسادَ التاليَ للفساد الأول، المُلازمَ له، الناتِجَ عنه، تأمَّر الهوى بشهواته، وسخَّر العقل لأغراضه، وطرد معانيَ القلب” .

• معرفة الله، الغاية العظمى

الغاية العظمى من خلق الانسان هي معرفة الله جل وعلا، يقول تعالى:” وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون” قال ابن عباس: لِيعرفون. في هذا الباب وقف الإمام على معنى الدعوة إلى الله بحيث اعتبر أن “لب الأمر كله الدعوةُ إلى الله، وما خلق الله من سماوات وأرض، وبر وبحر، وجن وإنس، ودنيا وآخرة، وما بعث من رسل وأنبياء، وما اصطفى من أصفياء وأولياء، فإنما خلق وبعث، واصطفى الهداة، ليعبده خلقه، ويعرفه على ما ينبغي لكماله من سبقت له العناية” . وميز بينها وبين معاني أخرى مرتبطة بها، “فالدعوة إلى الله غير الدعوة إلى الإسلام وإن كانت الدعوة إلى الإسلام بدايتها. وهي غير الدعوة للحل الإسلاميِّ في الحكم والسياسة والاجتماع والاقتصاد، وإن كان الحل الإسلاميُّ والجهاد لفرضه ونصرته بعضَ مُهماتِها، حين تكون دعوةً على المنهاج النبويِّ، وحين يكون الدعاةُ ورثةً جامعين. وهي غيرُ الدعوة إلى الإيمان وحلاوته، والذكر وتلاوته، والروحانية وكرامتِها، وإن كان كل ذلك بعضَ خصائصها”.  فالغاية من الدعوة إلى الله عز وجل هي تحقيق معرفته لدى الموفقين من خلقه والسلوك إليه طريقها. تعيش الحركة الاسلامية المعاصرة أزمة إيمانية وروحانية تتنامى مع الوقت ومع الاحتكاك بالواقع، ويعبر شبابها عن تعطش كبير إلى التربية الايمانية ويتعرض لخطابات كثيرة  عن السلوك إلى الله، لكن من يدل على الله حقا؟ وخاصة أن علم السلوك عمل لا كلام. “وهل من مرجع إلى السنة المحمدية الجامعة بين الجهاد الأكبر جهادِ النفس، وبين الجهاد الأوسع جهادِ نُصرة الله في الأرض؟ «المجاهد من جاهد نفسه» كما جاء في الحديث النبوي، فهل من سبيل لتتويج جهاد النفس بجهاد يُحيي الأمة ويمكن لدين الله في الأرض؟” . يجيب الإمام رحمه الله داعيا إلى العمل وترك الجدل العقلي والغوص في تجربة روحية فالسلوك عمل وليس نقاشا وجدلا نظريا: “دعْ المصطلحات، وتعال يشْكُ بعضُنا إلى بعض لواعجَ الشوق إلى الله، ونتواص بالحق وهو الله، ونتواص بالصبر مع الذين يريدون وجه الله. فإن لم تكن لي ولك إرادة، ولا شوق، ولا تعلق بالحق، فيا خُسْراه! وإن لم يكن لي ولك تصديق بأن من لم يجعل الله له نورا فماله من نور، وأن لله عبادا يتولاهم فيخرجهم من الظلمات إلى النور، ويجعل لهم نورا، ويجعلهم نورا، وأن النور يقتبس من قلوب العارفين بالله بالصحبة، ومن ذكر الله عكوفا على بابه، ومن صدق الإرادة والطلب، ودوام الحضور والوقوف بالباب، إن لم يكن لي ولك شيء من ذلك فيا حسرة على العباد” . ثم استحضر رحمه الله نصوصا لعارفين عالمين جليلين، هما حجة الاسلام الغزالي والامام عبد القادر الجيلاني. 

1* تحقق معرفة الله:

كيف تكون معرفة الله عز وجل؟ قال حجة الإسلام رحمه الله: “إذا صدقت إرادتُه (يعني السالكَ إلى الله) وصفَتْ هِمتُه، وحسُنَتْ مواظبتُه، فلمْ تجاذبْه شهواتُه، ولم يشْغَلْه حديثُ النفس بعلائق الدنيا، تلمعُ لوامع الحق في قلبه. ويكون في ابتدائه كالبرْقِ الخاطف لا يثْبُتُ، ثم يعود. وقد يتأخر. وإن عاد فقد يثْبُتُ. وقد يكون مختطَفاً. وإن ثبت قد يطولُ ثباتُه، وقد لا يطول. وقد يتظاهر أمثالُه على التلاحق. وقد يقتصر على فن واحد. ومنازل أولياء الله فيه لا تُحصَرُ. كما لا يُحْصَى تفاوُت خَلْقهم وأخلاقهم” . أضاف إليها الامام الجيلاني :”أن العارف بالله يعطى نورا يرى به قربه من ربه ويرى قرب ربه عز وجل من قلبه..” .

2*منطلق المعرفة يقظة القلب:

الغفلة عن الله عز وجل تحجب معرفته وهوى النفس وعبوديته عائقة عن العبودية لرب العالمين، ويقظة القلب الدائمة منطلق المعرفة ومدخلها، قال الامام عبد القادر رحمه الله: “فإذا ترقت درجة هذا العبد من الإسلام إلى الإيمان، من الإيمان إلى الإيقان، من الإيقان إلى المعرفة، من المعرفة إلى العلم، من العلم إلى المحبة، من المحبة إلى المحبوبية، من طلبه (أي الله عز وجل) إلى مطلوبيته، فحينئذ إذا غفَلَ لم يُتْرَكْ، وإذا نسيَ ذُكِّرَ، وإذا نام نُبِّهَ، وإذا غَفَلَ أُوقِظَ، وإذا وَلَّى أُقْبِلَ (به)، وإذا سكتَ نُطِّق. فلا يزال أبدا مستيقظا صافيا لأنه قد صفت آنيةُ قلبه، يرى من ظاهرها باطنها. ورِثَ اليقظةَ من نبيِّه صلى الله عليه وسلم: كانت تنام عيناه ولا ينام قلبه، وكان يرى من ورائه كما يرى من أمامه. كُلُّ أحد يقظتُه على قدر حاله” . ويعقب الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله راجيا: “وتأمَّلْ لو أنَّ جند الله المجاهدين لإعلاء كلمة الله كانت الدنيا عندَهم مُحتقرَةً كما كانت عند سادة العارفين الأئمةِ وهم الصحابةُ رضي الله عنهم كيف تحلو لهم الشهادةُ في سبيل الله، وكيف يساعدُ اطمئنانُ قلوبهم، وهدوءُ ثائرةِ طبعهم، على خوض معارك القومة، وجهادِ البناء، وإمامةِ الأمة، وتربيتها، وقيادتها” .

*خطورة حب الرياسة وجنايتها: 

أخطر ما يواجه السالك إلى الله عز وجل حب الرياسة وما يترتب عنه من سقوط ومن تردي عن الحق. لذلك كان ديدن المربين العارفين تحذير المريدين من مخاطر هذا الفخ القاتل. يقول الامام عبد القادر رحمه الله: “كلٌّ منكم يطلُب الريَاسَةَ على الخلق بلا آلةٍ فيه ! إنما تصح الرياسةُ على الخلق بعد الزُّهْدِ فيهم، وفي الدنيا، والنفس، والهوى، والطبع، والإرادة. الرياسة من السماءِ تنـزلُ لا من الأرض. (يخاطبُ هنا المتمشيخين المتصدرين لتربية المريدين بهوى أنفسهم). الوِلاية من الحق عز وجل لا من الخلق. كنْ أبدا تابعا لا متبوعا، صاحبا لا مصحوبا (أيةُ نصائح هذه لنا في تنافُسنا على القيادة وزمامُ أنفسنا لا نملِكُه !). ارْضَ بالذل والخمول (يقصد الذلة على المؤمنين وعدم حب الظهور)، فإن كان لك عند الحق عز وجل ضدُّ ذلك فهو يجيئك في وقته. عليك بالتسليم والتفويض، وترْكِ حَوْلِك وقوتك، واعتراضِك، وشرْكِكَ بالخلق وبنفسك. عليك بصحبة العبودية، وهي امتثالُ الأمر، والانتهاءُ عن النهي، والصبرُ على الآفاتِ. أساس هذا الأمر التوحيدُ والثباتُ على الأعمال الصالحة” .

*التوبة إلى الله عز وجل بضابط الكتاب والسنة:

التوبة إلى الله عز وجل سلوك وحال دائم للصالحين لا ينقطع أبدا مهما علت مرتبتهم في درجة الصلاح وهي من لوازم السلوك إلى الله عز وجل، يقول الامام الجيلاني: “توبوا بقلوبكم وبألسنتكم. التوبةُ قلبُ دولة! تقْلِبُ دَوْلَةَ نفسك، وهواك، وشيطانك، وأقرانِك السوءِ. إذا تُبت قلَبْتَ سمعك وبصرك ولسانك وقلبك وجميعَ جوارحك. وتُصَفِّي طعامَك وشرابَك من كدر الحرام والشُّبْهة، وتتورَّعُ في معيشتك وبَيْعك وشرائك. وتجعل كلَّ همك مولاك عز وجل. تُزيلُ العادةَ، وتترك مكانها العبادَة. تُزيل المعصية وتترك مكانها الطاعة”.  وضابط الالتزام بالكتاب والسنة شرط التوبة الصادقة، “لا تبتدعْ وتُحْدِثْ في دين الله عز وجل شيئا لم يَكُنْ. اتبَعْ الشاهدين العدلين: الكتاب والسنةَ. فإنهما يوصلانك إلى ربك عز وجل. وأما إن كنتَ مبتدعا فشاهداك عقلُك وهواك. فلا جَرَمَ يوصلانك إلى النار، ويُلحقانك بفرعون وهامانَ وجنودِهما” .

 

*رفع الهمة والتعلق بالمحبوب جل وعلا على يد الصحبة المربية:

يتنزل فضل الله سبحانه بقدر همة العبد وشوقه، يقول الإمام الجيلاني: “إن الله عز وجل يُعطيك على قدر همتك وصدقك وإخلاصك. اجتهد وتعَرَّضْ واطلُب، فإنَّ منك لا يجيء شيء، ولا بد منك. تكلَّفْ في تحصيل الأعمال الصالحة كما تتكلفُ في الرزق. الشيطانُ يلعب بعوامِّ الناس كما يلعب الفارِسُ بكرته، يديرُ أحدَهُم فيما يشاء كما يدير أحدُكُم دابَّتَهُ فيما يشاء” … “دع الاشتغال بطلب الدنيا فإنها لا تشبعك. وما سوى الحق عز وجل لا يشبعك. فاشتغل به يشبعك … يا غافلا رد من يريدك. أطلب من يطلبك. أحب من يحبك. اشتق إلى من يشتاق إليك، أما سمعت قوله عز وجل” يحبهم ويحبونه” .

ويختم الإمام “عبد السلام ياسين” رحمه الله هذا الفصل بقوله: “جزى الله هؤلاء الأئمة خيرا، فما تركوا من النصح شيئا إذ نصحونا بإلحاح على هذا الذي تأباه النفس وتنفِرُ منه أشدَّ النفور، وهو أن تتْبَعَ رجلا وتُحَكِّمَه في نفسك ليربِّيَك. النفسُ لا تَرضى لكبريائها. لكن من تداركه الله عز وجل بالشوق إليه، حتى تهونَ الدنيا في عينه، وتذِلَّ نفسه، يفعلُ كما فعلوا، فمفتاح الطريق وضمان السلوك صحبة رجل” .