على إثر منع السلطات المخزنية بمدينة أسفي ليلة السبت/الأحد 28/29 يوليوز 2018 مخيما للأطفال بمدرسة معركة بوغافر بآسفي، والذي كان يضم 170 طفلا جاؤوا من مدن بني ملال وأبي الجعد وسوق السبت، وهو المنع التعسفي الذي جاء بسبب انتماء بعض آباء أطفال مشاركين في المخيم لجماعة العدل والإحسان، على إثر هذا المنع، أجرى موقع الجماعة نت حوارا مع الدكتور محمد سلمي منسق الهيئة الحقوقية للجماعة، فيما يلي نصه الكامل:

كيف استقبلتم حدث منع أطفال من مخيم للترفيه والاستجمام بسبب انتماء بعض آبائهم للعدل والإحسان؟

ـ ترحيل الأطفال وطردهم من المخيمات الصيفية بسبب الانتماء السياسي لآبائهم انتهاك حقوقي فظيع تورطت فيه الدولة المغربية أكثر من مرة، مما يؤكد أن الأمر لا يتعلق بتصرف محلي طارئ، وإنما هو تدبير تعسفي ممنهج وخطير للغاية. ونستغرب بالمناسبة لمز الإعلام الرسمي المغربي لبلد مجاور يقال بأنه يقوم بترحيل المهاجرين الأجانب القادمين بطرق غير شرعية من دول إفريقية جنوب الصحراء، بينما السلطات عندنا تقوم بترحيل أطفال المغاربة من مخيماتهم الترفيهية التي ذهبوا إليها بطرق قانونية. وهذا جرم أخطر بكثير من الأول إن صح.

ـ تقول إن صح؟

ـ نعم، لأن الأول قرأت عنه وسمعت، وأما الثاني فعشته ورأيته.

ـ كيف تفسرون تمديد السلطات الحصار على الجماعة إلى أطفال أبرياء، ذنبهم هو انتماء آبائهم للعدل والإحسان؟

ـ ليس من المعقول شرعا أو قانونا أو منطقا أو عرفا أن يحاكم شخص بأفعال غيره. ولا تزر وازرة وزر أخرى… واستهداف الدولة للأطفال بسبب المواقف السياسية لآبائهم، وحرمانهم من المخيمات الصيفية التي تنظمها الدولة أصلا دليل على تهور خطير، وغياب الحكمة في التقدير والتدبير لعلاقة الدولة بالمعارضة. كما أن هذه الانتهاكات تفضح شعارات دولة الحق والقانون لكونها تخرق القانون والدستور والتزامات المغرب أمام المنتظم الدولي في مجال حقوق الإنسان، وحقوق الطفل بصفة خاصة. لقد أدخلت الجهة المكلفة بتدبير ملف العدل والإحسان الدولة في مرحلة خطيرة من التضييق بمنعها الأطفال من التخييم، ومنع الشباب من التوظيف، وإعفاء الموظفين من مهامهم. ونحن نتساءل إلى أين يسوق هؤلاء هذا البلد؟

لماذا في نظركم صمتت منظمات وهيئات تعنى بقضايا الطفل عن هذا المنع التعسفي لحق من حقوق الطفل؟

ـ المنظمات الحقوقية الجادة لا يمكنها أن تسكت عن هذه الانتهاكات، ولعل التفاعل الكبير مع قضية منع الأطفال من التخييم على مواقع التواصل الاجتماعي ينبأ بأن هذا الحدث سيكون له ما بعده. أما الجمعيات الوهمية التي تتحرك تحت الطلب، وتستفيد من الامتيازات الخيالية، فهذه لا ينتظر منها شيء.

ـ ليست هذه المرة الأولى التي تمنع فيها الدولة مثل هذا المخيم، هل من توضيح؟

بالفعل موضوع “الدولة والجماعة والمخيم” عنوان لمسلسل غريب الأطوار من الانتهاكات… لما انتشر العري في الشواطئ بشكل مخالف لأعراف وتقاليد الشعب المغربي المحافظ، (ومعلوم أن العري في الشاطئ كانت القوانين الأوروبية تعاقب عليه إلى حدود العقود الأخيرة من القرن الماضي) بدأت العائلات المغربية تبحث عن شواطئ مهجورة للاستجمام والترفيه في الصيف بعيدا عن شواطئ العري. ثم تطور الأمر إلى مخيمات تؤطرها جمعيات إسلامية. لكن الذين يريدون أن يفرضوا على الشعب اختياراتهم دون مراعاة لحقه في الاختيار ولدينه وذوقه وأعرافه وتقاليده التي تكفلها الشرائع والمواثيق السماوية والوضعية… تضايقوا من الأمر كثيرا. وبلغ الأمر ذروته لما أصبحت جماعة العدل والإحسان تؤطر مخيمات صيفية تضم عشرات الآلاف من المصطافين. وتوفر فيها الراحة والترفيه والثقافة والرياضة… فبدأ المنع بدعوى أنها مخيمات عشوائية وغير قانونية. فالتجأت الجمعيات الإسلامية إلى اتباع كل التدابير القانونية اللازمة بما فيها اكتراء أرض المخيمات من الجماعات الترابية المعنية، كما أسس بعض المستثمرين مخيمات خاصة تستفيد منها هذه الجمعيات… لكن الدولة زحفت على القانون بجرافاتها وقواتها فمنعت بشكل تعسفي هذه المخيمات وهدمت المشاريع لأصحابها… بطرق لا تمت إلا سلوك الدولة بصلة، وأعلنت في المقابل شعار “العطلة للجميع” (وكأن الجماعة كانت تمنع غيرها من العطلة) فمنحت الدولة للجمعيات التي رضيت عنها كل التسهيلات عساها تصنع بديلا منافسا للجماعة. حينها قررت الجماعة النزول إلى الشواطئ المعروفة رغم ما فيها من عري. فبدأت العائلات المحافظة تبحث في الشواطئ عن مكان وجود الجماعة لتلتحق بها، خاصة في أوقات صلاة الظهر والعصر. فأثار ذلك غضب الذين لا يريدون لهذا الشعب أن يحافظ على تدينه وتقاليده. فبدأ الاستفزاز على الشاطئ، ثم المنافسة حيث دعمت الشركات الكبرى بعلاماتها التجارية حلقات الترفيه والتنشيط المضاد… وانتهى الأمر بوضع حواجز للدرك والشرطة قصد منع المحجبات والملتحين ومن يرى على جباههم أثر السجود من الوصول إلى الشواطئ. حينها بدأ الاقتصار على مخيمات صغيرة تنظمها بعض الجمعيات التي ينخرط فيها أعضاء الجماعة. فلجأت الدولة إلى منع أعضاء الجماعة من تأسيس الجمعيات أو الانخراط فيها. فاختار أعضاء الجماعة إرسال أبنائهم مع جمعيات أخرى. فبدأ التجسس على برامج التأطير، وقد تابع العالم باستهجان واستغراب احتجاج أحد “المسؤولين” “المغاربة” على صلاة الأطفال في المخيمات. فبدأ منع الأطفال وطردهم من المخيمات بسبب الدين والمعتقد والانتماء السياسي للآباء… إنها بإيجاز بعض حلقات هذا المسلسل المخجل من الانتهاكات والتضييق ليس على الجماعة فحسب، وإنما على المنوذج الإسلامي المحافظ الذي تشكل الجماعة جزء منه داخل المجتمع المغربي.

في ظل هذا التعسف الخطير، أين شعارات حقوق الطفل التي تتغنى بها الدولة؟

لقد صادق المغرب على اتفاقية (20 نونبر 1989) للأمم المتحدة المتعلقة بحقوق الطفل بموجب ظهير21 نوفمبر 1996، وعلى إثر ذلك نشر نص الاتفاقية بالجريدة الرسمية منذ ذلك الحين. ومما جاء في المادة 2 من الجزء الأول في هذه الاتفاقية “تحترم الدول الأطراف الحقوق الموضحة في هذه الاتفاقية وتضمنها لكل طفل يخضع لولايتها دون أي نوع من أنواع التمييز، بغض النظر عن عنصر الطفل أو والديه أو الوصي القانوني عليه أو لونهم أو جنسهم أو لغتهم أو دينهم أو رأيهم السياسي.” و“تتخذ الدول الأطراف جميع التدابير المناسبة لتكفل للطفل الحماية من جميع أشكال التمييز أو العقاب القائمة على أساس مركز والدي الطفل أو الأوصياء القانونيين عليه أو أعضاء الأسرة، أو أنشطتهم أو آرائهم المعبر عنها أو معتقداتهم.” وفي المادة 3 من الاتفاقية: “تتعهد الدول الأطراف بأن تضمن للطفل الحماية والرعاية اللازمتين لرفاهه”. وفي المادة 31 : “تعترف الدول الأطراف بحق الطفل في الراحة ووقت الفراغ، ومزاولة الألعاب وأنشطة الاستجمام المناسبة لسنه والمشاركة بحرية في الحياة الثقافية وفي الفنون.” و“تحترم الدول الأطراف وتعزز حق الطفل في المشاركة الكاملة في الحياة الثقافية والفنية وتشجع على توفير فرص ملائمة ومتساوية للنشاط الثقافي والفني والاستجمامي وأنشطة أوقات الفراغ.”

ولهذا فإن ما تفعله السلطات المغربية حين تطرد أطفالا من المخيم بسبب انتماء آبائهم لجماعة العدل والإحسان، وهي -للتذكير- جمعية قانونية، يعتبر خرقا سافرا لهذا الالتزام.