ألقى فضيلة الأستاذ محمد عبادي، الأمين العام لجماعة العدل والإحسان، كلمة توجيهية في ختام الرباط التربوي الجامع مطلع هذا الأسبوع، في ما يلي نصها الكامل تعميما للفائدة:

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن تكون هذه ساعة إجابة، ونحن نعيش الاضطرار والفرح بالله تعالى وبرسول الله صلى الله عليه وسلم وبهذه الأخوة وبهذه الصحبة. نسأل الله تعالى أن يزيدنا من فضله وأن يجعلنا من أحبابه وأوليائه وأصفيائه ممن اجتمعا عليه وتحابوا فيه وتناصحوا فيه وتذاكروا فيه وتعاونوا على إقامة دينه وشريعته في كل أرضه وبين كل عباده.  

أحبتي في الله، بعث الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم وحيدا في قومه وهيأ له من نصره وأحبه وحل معه دعوته عز وجل وكانت دار الأرقم بن أبي الأرقم رباطا مستمرا يجتمع فيها لصحابة رضي الله عنهم كل ليلة أحيانا يقومون الليل كله أو نصفه أو ثلثه وتخرجوا من مدرسته صلى الله عليه وسلم، وانتقلت الدعوة من السرية إلى الجهرية فكانت المعاناة وكلن الصبر وكان الثبات وكانت الهجرة وتلتها الفتوحات وانتشر دين الله تعالى في كل بقاع العالم.

أذكر هذا الحدث لأربطه بما نحن فيه؛ هيأ الله تعالى لنا الحبيب المرشد رحمه الله تعالى ورضي عنه وجزاه عنا خيرا قام وحيدا وأوذي في الله عز وجل وبدأت قلوب المومنين تلتف حوله وهداه الله تعالى لإنشاء هذه المحاضن التربوية، الرباطات التي ينتظر مننها أن يتخرج منها أفواج من المومنين والمومنات نوصي إخوانا وأخواتنا من هذا الرباط ومن كل رباط إلى أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم مسلحون بالسلاح الفتاك الذي يأسر القلوب هو سلاح الحب في الناس سلاح الرحمة سلاح الشفقة سلاح الحنان لكسب قلوب الناس.

سمعنا في شريط سيدي عبد السلام رحمه الله يتحدث عن المومنين ويقول: المحبة تتكلم بك وفيك والمحبة هي الصحبة والصحبة هي المحبة، تتكلم فيك بسلوكك بأحوالك بأوضاعك بتصوراتك. تتكلم فيك وتتكلم بك. فسلاح المحبة لا يعادله أس سلاح على وجه الأرض، هو الذي يكسب القلوب. فالذين أرادوا أن يستعمروا الشعوب بمنطق القوة فشلوا في ذلك وسرعان ما استعادت الشعوب حريتها فتحرت من الظلنم الممارس عليهم.

ما فتح في الإسلام عنوة طرد الإسلام منه عن طريق السيف: الأندلس جنوب إيطاليا البلقان.. فالفتوحات وصلت إلى فيينا عاصمة النامسا. أين هو الإسلام في هذه البقاع في حين أن المناطق التي فتحت عن طريق الدعوة وحملها أهل الله في اندونيسيا وماليزيا والهند بقي الإسلام راسخا ثابتا وتلك البقعة هي التي تشكل قلب الإسلام من حيث العدد. نعن العرب كمشة من الناس لأن الدعوة هناك فتحت قلوب الناس فاعتصم الناس بها.

إذن ما المطلوب منا نحن معشر الأحبة؟

إذا لم تنفق مما أخذت سلبت، أنفق من علمك يزدك الله علما أنفق من إيمانك يزدك الله إيمانا، أنفق من مالك يزدك الله مالا، أنفق ولا تخش من ذي العرش إقلالا.

إن توقفت عن الإنفاق سلب ما كان لك لأننا سنخرج ونواجه الدعوة المضادة فإما ٫ان تستقبل الدعوة المضادة وإما أن تواجهها بدعوة نورانية تغزو القلوب وتأسر القلوب فتطرد الدعوة المضادة. وسمعنا سيدي عبد السلام في الشريط يقول: “الساكت عن الدعوة مثبط قاعد”؛ يثبط العزائم، قاعد، لا يكتب غفي صفوف المجاهدين. إذن فالمطلوب من: الدعوة الدعوة الدعوة لنحصن بها أنفسنا قبل أن يكون المستهدف غيرنا… المستهدف ذاتها. وجزى الله خيرا إخواننا في التبليغ، يخرجون إلى الدعوة فيقولون: “خرجنا لإصلاح أنفسنا”. التربية في الرباطات وفي المحاضن التربوية مهمة، ولكن كمال التربية في ساحة المعركة. كمال التربية ليس بين أربعة جدران. التربية في المواجهة الفكرية وفي المواجهة العلمية… التربية بين أربعة جدران ناقصة، قلا بد من الخروج: “الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم”. فهي تحصين للنفس التي ما زالت كلمة سيدي عبد السلام ترن في أذني مما اقتبسه من حِكَم سيدنا أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه وأرضاه الذي قال: “لا تفقهوا كل الفقه حتى تمقت الناس في جنب الله ثم ترجع إلى نفسك فتكون أشد لها مقتا”. ما الذي يحول بيننا وبين معرفة الله؟ ما الذي يحول بيننا وبين الوصول إلى الله عز وجل؟  إنها هذه النفس الأمارة الخبيثة التي يقولون عنها إنها أخبث من سبعين شيطانا. هذا هو العدو الذي يجب ان نقاتله في هذه المحاضن ونقاتله في ساحات الوغى. خطوتان فإذا بك بين يدي ربك واقفا. الخطوة الأولى عن النفس والخطوة الثانية عن الكون بما فيه وما أصعب الخطوتين. فكيف نتمكن من هذه النفس التي تحب الخنوع والراحة والدعة والكسل والخمول؟ وهذا يؤثر في نفوسنا. فلا بد أيها الأحباب أن نخرج إلى الواقع ونحن مزودون بهذه الإرادة وقد أكرمنا الله تعالى بمعين لا ينضب، معين الصحبة والجماعة والحمد لله تعالى أن هذه المحاضن تذوب فيها القلوب وينصهر بعضها في بعض ويحصل تعارف بين الأرواح لما يصدر عن كل روح من أعمال متشابهو ومتماثلة فيحصل الاندماج، والصف المرصوص هو الذي يستطيع أن يثبت.

لا يمكن أن نلقي باللائمة على العدو ونقول إن العدو له قوة خارقة وأسلحة وجيوش و… نعم هو يمتلك كل ذلك ولكن قوة الحق لا يمكن للباطل أن يقف في وجهها. فالخلل يرجع إلى صفوف المسلمين وإلى ذات المسلمين وإلى عدم ارتباطهم بالله تعالى والله عز وجل ربط التمكين بحقيقة العبودية: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ، الألف والام للاستغراق أو الجنس. وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًاً تأكيدات… قسم… الشرط الوحيد: يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا، ونحن في باب العبودية واقفون. وقد تحدثنا في هذا الرباط عن أن الغاية من العبادة هي معرفة الله.

أيها الأحباب الكرام، سمعنا في هذا الرباط لكثير من المواعظ والتوجيهات ومن أشرطة سيدي عبد السلام رحمه الله تعالى، فلا بد أن نجعلها دائما بين أعيننا وفي قلوبنا نسير على ضوئها ونكيف سلوكنا على مقتضاها ونبقى إن شاء الله عز وجل محافظين على هذه الصلة وخصوصا في هذه المحطة التي تجمع الجماعة كلها لأن كل واحد منكم يمثل قطاعات متعددة من إخوانه. فالجماعة حاضرة بين أيديكم.

فكيف نخرج من هذا الرباط كما أشار سيدي فتح الله بوجوه غير الوجوه التي دخلنا بها في علاقتنا مع أهلنا وفي علاقتنا مع أولادنا وفي علاقتنا مع جيراننا وفي علاقتنا مع إخواننا، أن نكون كما رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أصحابه: فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك. وما أوصى به سيدي فتح الله مع الأزواج ومع الوالدين نعممه على سائر خلق الله. الصبر على الأذى. تحمل الأذى. النظر إلى الناس بعين الإكبار والإجلال والاحترام. لا نقوم بردود الفعل. لا نغضب. لا نقتص. نترك الله عز وجل يتولى الدفاع عنا. في الحديث القدسي: “من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب” لم يقل: من عادى لي مسلما. لأن المسلم يقتص لنفسه. ولم يقل مؤمنا لأن المؤمن أيضا يدخل في صرا مع أعدائه. ولكن قال: “من عادى لي وليا” لأن الولي لا يدافع عن نفسه بل تتدخل قدرة الله عز وجل لتدافع عنه. نسأل الله تعالى أن يدافع عنا وأن يديم علينا هذه النعمة. وأن يجعلنا دائما وأبدا إخوانا حتى نلقى الله عز وجل وهو راض عنا.