ظاهرة تفشت اليوم في عصرنا بكثرة بين العامة من الناس، وخاصة في معاملاتهم وعلاقاتهم. وهي ظاهرة البحث عن الإنسان “المعقول” أي: الثقة، القوي، الصادق، الأمين. بغض النظر عن كفاءته العلمية والعملية. فمن له تجارة وأراد مساعدا يسأل عن الإنسان المعقول. ومن له حرفة ويريد عاملا يسأل عن الإنسان المعقول. ومن أن أراد الزواج رجلا كان أو امرأة يبحث عن الإنسان المعقول. ومن أراد أن يبيع أو يشتري أو يستفتي أو يسند مهمة أو يستشير يبحث عن الإنسان المعقول. هذا البحث الطويل وهذا السؤال الكثير عن الإنسان المعقول إن دلّ على شيء فإنما يدل على غياب هذا الإنسان وندرته، بمعنى أنه تشكل قلته وغيابه للمجتمع أزمة. فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة، قال كيف إضاعتها يا رسول الله؟ قال: إذا استند الأمر إلى غير أهله، فانتظر الساعة” ر 1. وبيّن عليه الصلاة والسلام كما في حديث حذيفة: “أن الأمانة ترتفع في آخر الزمان من القلوب، وأنه لا يبقى منها في القلب إلا أثرها، فيقال: إن في بني فلان رجل أميناً”.

ويؤكد ما يقع اليوم في الواقع من غياب الأمناء والصادقين ما ذهب إليه الفيلسوف ديوجين حين حمل قنديلا مشتعلا في واضحة النهار. ولما سأله الناس مستغربين من فعله هذا الغير عادي، قال لهم: “إنني أبحث إنسان”. لأن كل من يراه أمامه ليس بإنسان الذي يحتاجه المجتمع لبناء صرحه وتحقيق أهدافه.

وفي جانب آخر نجد الخاصة من الناس ممن لهم النفوذ والقرار يتحدثون عن جميع الأزمات التي تصيب المجتمعات من اقتصادية وسياسية واجتماعية وثقافية وتعليمية والتي تسبب لها التخلف والضعف والغثائية والانهزامية والتبعية، إلاّ الحديث عن “أزمة إنسان” التي تمثل أمّ الأزمات وأصلها فلا يزال غائبا. مع العلم أنّ الذي يقف وراء الاقتصاد هو الإنسان، فإن صلح ذلك الإنسان صلح ذلك الاقتصاد، وإن فسد ذلك الإنسان فسد أيضا ذلك الاقتصاد. وكذلك المجالات الأخرى. فلا يعقل تغيير الأوراق والقوانين في كل مرّة بينما الذي يُعهد إليه السّهر على تنفيذها لا يُعار له أيّ اهتمام من حيث صلاحه أو فساده. وصدق الله تعالى إذ يقول: إن الله لا يُغيّر ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.

فهذه هي المشكلة الحقيقية التي تعيشها الأمة: أزمة إنسان حقيقي. نشر الكاتب البرازيلي الشهير “باولو كويلو” قصة قصيرة يقول فيها: “كان الأب يحاول أن يقرأ الجريدة، ولكن ابنه الصغير لم يكف عن مضايقته؛ وحين تعب الأب من ابنه قام بقطع ورقة في الصحيفة كانت تحوي على خريطة العالم ومزقها إلى قطع صغيرة وقدمها لابنه وطلب منه إعادة تجميع الخريطة.. ثم عاد لقراءة صحيفته.. ظانًّا منه أن الطفل سيبقى مشغولا بقية اليوم.. إلا أنه لم تمر خمسة عشر دقيقة حتى عاد الابن إليه وقد أعاد ترتيب الخريطة! فتساءل الأب مذهولا: هل كانت أمك تعلمك الجغرافيا؟! ردّ الطفل قائلا: لا، لكن كانت هناك صورة لإنسان على الوجه الآخر من الورقة، وعندما أعدت بناء الإنسان، أعدت بناء العالم”… كانت عبارة عفوية؛ ولكنها كانت جميلة وذات معنى عميق “عندما أعدت بناء الإنسان، أعدت بناء العالم”، فالأهم إذا هو بناء الإنسان فكرا وشعورا وسلوكا، فبدون هذا البناء ستبقى الأمة على حالها حتى ولو كرّست كل جهودها وإمكاناتها لبناء المجالات الأخرى فإنها لا تفلح في الخروج من الأزمة. والواقع والتاريخ يشهدان على ذلك. فقد جرّبت كل الإصلاحات ولم تأت بالنتيجة.

فإذا وصلت الأمة إلى قناعة كاملة بوجود “أزمة إنسان”، وأن بناءه وإصلاحه باتا ضرورة ملحة قبل كل بناء وإصلاح، آنذاك عليها أن تقتنع أيضا بأن هذا البناء والإصلاح لا يتمّان إلا عن طريق عملية تربوية حقيقية وكاملة.

في ميدان تدريب الحيوانات استطاع الخبراء تدريبَ أخطر ما فيها الأسود والنّمور والفهود. لكن في ميدان تربية الإنسان ما زال خبراء التربية لم يحصلوا على نتائج ملموسة نظرا لما يعتري مناهجهم العقلانية من تقصير وضعف. خاصة وأن هذه المناهج تغفل عن أهم ما في الإنسان وهو قلبه وروحه بينما تمنح للعقل والجسد اهتماما كبيرا على حسابهما. فلا بد إذا من الرجوع إلى المنهج الذي وضعه من خلَق هذا الإنسان، وهو الأعلم بما يصلحه وما يفسده. ويذكر لنا التاريخ تجربة كانت نتائجها باهرة، وهي التجربة النبوية التي اعتمدت هذا المنهج الرباني في تربية الإنسان فصنعت منه إنسانا قرآنيا فريدا أذهل العالم يومه وبعده وإلى الآن بأمانته وسمته وعدله وصدقه وقوته وكرمه وجميع أخلاقه. وكان المنطلق في هذه العملية التربوية بالتركيز على ثلاثة أمور:

1- وحدة التصور والسلوك باعتماد القرآن والحديث المرجعية الوحيدة والنبع الصافي الذي منه يستقي المؤمنون جميع الأحكام والتوجيهات.

2- الزّيال بالقطع مع حبال الجاهلية حتى تتميّز الشخصية الإسلامية عن غيرها بأخلاقها وسمتها.

3- الطاعة الكاملة مع السرعة في التنفيذ لتتحول الأفكار التي يتكون منها المشروع المجتمعي إلى واقع ملموس.

أما الهدف من هذه العملية التربوية القرآنية النبوية فهو تمكين كل إنسان من إعطاء كل ما عنده من أفكار واجتهادات وإمكانيات وطاقات تصلح لأن تكون لبنة في بناء الجماعة المؤمنة ثم بناء الأمة بعد ذلك. فلا يموت أحد منهم إلا وقد قضى ما عليه وأدّى واجبه كما يحب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. فيخرج من الدنيا إلى الآخرة فارغا لم يحمل معه أيّ فكرة صالحة أو مجهود نافع يضيع معه تحت التراب أو يكون لقمة سائغة للدود.

كتاب “مُت فارغاً” أو  Die Empty للمؤلف الأميركي تود هنري، يفيدنا في الموضوع، والذي صدر للمرة الأولى في عام 2013. استلهم تود هنري فكرة كتابه أثناء حضوره اجتماع عمل، عندما سأل مدير أميركي الحضور قائلا: ما هي أغنى أرض في العالم؟ فأجابه أحدهم قائلاً: بلاد الخليج الغنية بالنفط. وأضاف آخر: مناجم الألماس في إفريقيا.

فعقب المدير قائلاً: بل هي المقبرة! نعم، إنها المقبرة هي أغنى أرض في العالم؛ لأن ملايين البشر رحلوا إليها “أي ماتوا” وهم يحملون الكثير من الأفكار القيّمة التي لم تخرج للنور ولم يستفد منها أحد سوى المقبرة التي دُفنوا فيها.

ألهمتْ هذه الإجابة تود هنري لكتابة كتابه الرائع “مُت فارغاً” والذي بذل فيه قصارى جهده لتحفيز البشر بأن يفرّغوا ما لديهم من أفكار وطاقات كامنة في مجتمعاتهم وتحويلها إلى شيء ملموس قبل فوات الأوان، وأجمل ما قاله تود هنري في كتابه “لا تذهب إلى قبرك وأنت تحمل في داخلك أفضل ما لديك، اختر دائماً أن تموت فارغاً”.

وبالفعل ذلك ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم حين أخضع الإنسان في زمانه لعملية تربوية حقيقية. إذ أفرغ منهم كل الأفكار والطاقات التي يملكونها وحولها إلى واقع هو جنة الله في أرضه. حتى ولو قامت الساعة لا يتوقف الإنسان عن إفراغ ما لديه من خير ينفع. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها” 2. وهو صلى الله عليه وسلم القدوة الحسنة فقد قال في حجة الوداع: “اللهم قد بلغت(ثلاثا)، اللهم فاشهد”. أليس هذا تعبير على أن النبي صلى الله عليه وسلم قد مات فارغا بحيث قد أفرغ كل ما كان يملك من خير في هداية الناس ودعوتهم إلى الحق وإلى الصراط المستقيم. وهناك من الصحابة الكثير ممن شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك. منهم سعد بن معاذ رضي الله عنه. زاره النبي صلى الله عليه وسلم وقد أشرف سعد على الموت بعد أن انفجر جرحه، فأخذ رسول الله رأسه ووضعه في حجره الشريف ودعا الله قائلا: “اللهم إن سعدا قد جاهد في سبيلك، وصدّق رسولك، وقضى الذي عليه، فتقبّل روحه بخير ما تقبلت به روحا”. ففتح سعد عينيه وفاق: السلام عليك يا رسول الله، أما إني لأشهد أنك رسول الله. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:” هنيئا لك يا أبا عمر” 3.

وتتوجه هذه العملية التربوية في جوهرها إلى أهمّ جزء من أجزاء التركيبة الإنسانية ألا وهو القلب. يقول النبي صلى الله عليه وسلم مؤكدا على هذا التوجه والاستهداف: “ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب” 4. والغرض من هذا التوجه والاستهداف لأهمّ جزء في الإنسان هو إعادته إلى فطرته السليمة التي فطره الله عليها لا تبديل لخلق الله، ذلك الدين القيّم.

في خلاصة القول يبدو أن الطريق الصحيح للخروج من الأزمة التي تخنق الأمة على جميع الأصعدة هو بناء الإنسان. وذلك بإصلاح قلبه من خلال عملية تربوية حقيقية وكاملة يسهر على تنفيذ مشروعها ربانيون قادرون بما منحهم الله من نور وحكمة وعلم على التأثير والتنوير، وسط مجالس تربوية مخصصة لذلك ومهيأة له. ويبقى الاستعداد والقابلية لتلقي التربية مرتبطان بالإنسان الذي له الرغبة في إصلاح قلبه.


[1] واه البخاري رحمه الله.
[2] رواه الإمام أحمد في مسنده.
[3] انظر الدكتور محمد عرفة، موسوعة رجال حول النبي صلى الله عليه وسلم، ص:162.
[4] متفق عليه.