للصيف طبيعة خاصة، ففيه العطلة السنوية والسفر، وخلاله يميل الناس أكثر إلى الاسترواح عن النفس، وفي الصيف أيضا تظهر عادات وسلوكات إيجابية وسلبية…

فكيف يكون الصيف فرصة تجمع بين الاسترواح والتخفيف من المشاق التي تلازم الإنسان طيلة السنة، وبين الجد والحفاظ على التكاليف الشرعية وترسيخ العادات التي يستفيد منها دهره كله؟

في هذا السياق يعرض موقع الجماعة نت سلسلة “حوارات خفيفة” حول جملة من القضايا التربوية والترفيهية والمعرفية… ارتباطا بهذه الفترة الهامة من السنة.

اليوم مع حوار حول خصوصية البرنامج التربوي في فصل الصيف مع الأستاذة زينب الجوهري.

هل يمكننا الحديث عن برنامج تربوي خاص بالصيف وآخر بباقي فترات السنة؟

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف المرسلين.

إن حياة المؤمن كلها لله تعالى في كل الفصول وفي كل الأوقات وفي سائر الأحوال. فكل أعماله وحركاته وسكناته وجميع أموره لله عز وجل، مصداقا لقوله تعالى قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمينسورة الأنعام 162.

ولكن واقعيا يتميز الصيف عن باقي الفصول من حيث الجو وارتفاع الحرارة مما يؤثر على نشاط الجسم، ومن حيث كونه وقت العطلة المدرسية  للتلاميذ والطلبة والإجازة السنوية للعمال والموظفين وما يرافقها من تغيير في نفوس الناس وبرامجهم.

وهكذا فالإقبال على العبادات، قد يختلف بين شتاء بارد نهاره قصير صومه يسير، وليله طويل كاف للاستراحة والقيام، وبين صيف حار يصيب بالتعب والميول للراحة والخمول، فضلا عما تخلفه العطلة والفراغ لدى البعض من ارتباك في نظام النوم والأكل، الشيء الذي يؤثر سلبا على القدرة على الاستيقاظ لصلاة الصبح وقبلها ما تيسر من ركعات قياما لليل.

من هنا أصبح من الضروري التفكير في برنامج تربوي لفصل الصيف حتى لا يصبح عطلة من العبادة والذكر والقرآن وحتى لا يتحول الفراغ إلى غفلة عن الله والعياذ بالله. ومن لا برنامج له أصبح جزءا من برامج الآخرين.

كيف يكون البرنامج التربوي للمومن والمومنة في فصل الصيف، وهل له خصوصية معينة خاصة مع قصر الليل وطول النهار؟

قد يكون المرء بحاجة للاستراحة والترفيه والترويح عن النفس أو تنمية المواهب ومزاولة الهوايات بعد سنة دراسية أو مهنية عمل فيها بجد وجهد متواصلين، حتى يستأنف الموسم الموالي بحيوية ونشاط، ولكن هذه العطلة التي يتوفر فيها وقت قد لا نجده خارجها هي أيضا مناسبة لتدارك ما فاته من حفظ كتاب الله وصلة الرحم ومختلف أعمال الخير، لأن وقت المؤمن ثمين وجب إنفاقه بشح واغتنامه فيما يعود عليه بالخير في الدنيا والآخرة، وهو مسؤول عنه فيما ضيعه. رَوى ابنُ حِبَّانَ والترمذيُّ في جامِعِه أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: “لا تزولُ قَدَمَا عبدٍ يومَ القيامةِ حتَّى يُسألَ عن أربعٍ عَن عُمُرِه فيما أفناهُ وعن جسدِهِ فيما أبلاهُ وعن عِلمِهِ ماذا عَمِلَ فيهِ وعن مالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وفيما أنفقَهُ“

وقال تعالى في سورة الشرح وإذا فرغت فانصب، وإلى ربك فارغب

والبرنامج التربوي في هذا الفصل عموما له خصوصيته – كما سبق الذكر- لأن طول اليوم وحرارته يجعلان الناس يجدون مشقة في الصيام ويميلون للخمول وقلة الحركة، كما أن قصر الليل لا يساعد كثيرا على تخصيص وقت كاف لقيام الليل إن لم ننظم وقتنا أو أسأنا تدبيره.

وهكذا فبرنامج المؤمن والمومنة لابد أن يأخذ بعين الاعتبار هذه الخصوصية، وأول ما يتقربان به لله تعالى الفرائض كما جاء في الحديث القدسي الذي يرويه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربه “ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه”. وبعد الفرائض تأتي النوافل التي يجلب دوام المحافظة عليها حبه سبحانه وتعالى، كالرواتب والوتر النبوي وصلاة الضحى، ويحرصان في برنامجهما كذلك على تخصيص حصص لذكر الله ودعاءه والصلاة على رسوله الكريم والاستغفار والتسبيح وتلاوة القرآن وحفظه، هذا إلى جانب طلب العلم وصلة الرحم وكل أعمال الخير المتاحة.

يقول الإمام المرشد عبد السلام ياسين رحمه الله: “يوم المؤمن وليلته كما نطبقه في جماعتنا، فإنه حافز لكي يتهيأ المرء للقاء الله عز وجل…. وذلك بترتيب أيامه ولياليه وعمره كله، ترتيبا يعبد فيه الله ربه بنية صالحة، بنية التقرب إلى الله، وهذا شيء آخر غير التبرك، هذا سلوك يسمى سلوكا إلى الله عز وجل أي سير إلى الله عز وجل والسير يبتدئ بترتيب المرء يومه وليلته يعني عمره“. (تفريغ لشريط فيديو سُجل يوم الخميس 25 ذي القعدة 1428 بمناسبة حفلات توزيع كتاب يوم المؤمن وليلته)

وإن اتيح لهما حضور مجالس الإيمان أو رباط ترقق فيه القلوب وتصفو النفوس فذلك أمثل.

ما هي أهم معالم هذا البرنامج بالنسبة للأطفال وللشباب وللنساء، وكيف ينجحون في ذلك؟

إن الشباب ربيع العمر ومرحلة مهمة في حياة الإنسان عموما والمؤمن خصوصا، حيث أخبرنا الصادق الأمين أن من بين من يظلهم الله يوم لا ظل إلا ظله شاب نشأ في طاعة الله. لذلك وجب على الشباب ملأ فراغهم في العطلة وخصوصا الصيفية التي تكون مدتها أطول بما يفيده وينفعه في التقرب إليه سبحانه وتعالى أولا، ثم في تنمية مهاراته، فالصيف ليس فترة لعب ولهو وسهر وقتل للوقت  كما يقال. والشاب العاقل هو الذي يدرك قيمة الوقت في حياة الإنسان وأن الزمن الذي مضى لا يعود.  وقد جاء في الحديث الذي رواه ابن عباس (رضي الله عنهما) قال عليه الصلاة والسلام: “اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك وصحَتك قبل سقمك وفراغك قبل شغلك وغناك قبل فقرك وحياتك قبل موتك”.

ولن يتأتى ذلك للشباب إلا بالإقلاع عن العادات السيئة من سهر واستعمال سيء ومفرط للأنترنيت والتلفزة وتجنب محافل الفساد والإفساد، والحرص على النوم الباكر، ووضع برنامج زمني لليوم والليلة يتضمن أولا الجانب التربوي وكذا الدعوي والتحصيل العلمي ويستحضر حقه في الترفيه والترويح عن النفس. وأفضل سند وخير معين على ذلك هو الصحبة الصالحة التي تذكرهم بالله عز وجل وتشجعهم على فعل الخير وتوقظهم من الغفلة والدعاء الدائم له تعالى أن يحرر إرادته ويعينه على ذلك.

والمرأة بدورها مدعوة لمجاهدة نفسها وتجديد إيمانها والتقرب إليه سبحانه وتعالى بكل ما سبق ذكره، إضافة إلى أنها تتقرب إليه سبحانه بكل ما يرتبط بوظيفتها كزوجة وأم من خدمة للبيت ورعاية للأطفال… لذلك فبرنامجها التربوي له خصوصيات: خصوصية الصيف وخصوصية الطبيعة وخصوصية الوظيفة.

 وقد تزداد مشاغلها بخدمة الضيوف أو بالسفر وبرعاية الأطفال وتوجيههم والسعي لاستثمار فراغهم بما ينفعهم، مما يقتضي منها ضبطا أكثر حتى تعطي لكل ذي حق حقه.