ليس الذاكر من قال: سبحان الله، والحمد لله، وقلبُه مصر على الذنوب، وإنما الذاكر من إذا هَمَّ بمعصية ذكر مقامه بين يدي علام الغيوب. كما قال بعض السلف: ليس الذاكر من هَمْهَمَ بلسانه، وإنما الذاكر من إذا جلس في سوقه، وأخذ يزن بميزانه، علم أن الله مطلع عليه، فلم يأخذ إلا حقا، ولم يعط إلا حقا.

فما ينبغي للعباد أن ينشغلوا عن المنعم بشيء من نعمه، ولا يلتهوا عنه بشيء من كرمه. الله أحق أن نختاره على ما سواه. الله مولانا وما أولى بالخير من كان الله مولاه.

يا ليتنا عقلنا عن الله ولو حرفا من خطابه! يا ليتنا قربنا من الله ولو عرض شعرة من عزيز جنابه! إنما يفهم ما أقول أرباب الفطن والعقول، إنما يشرب من هذه الشَّمُول من هو برداء التوفيق مشمول. اسمع ما أقول فهو جميل لا يضر عنه ما يقول الجهول، كل شيء شغول، فهو للنفس عَوْلٌ عن ذكر لمَولى مُلْكُه ما يزول. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ملعونة هي الدنيا ملعون ما فيها إلا ذكر الله وعالما ومتعلما”، كيف لا تكون الدنيا ملعونة وهي عن ذكر الله شاغلة، وللناظر إليها فاتنة، ولمن ركن إليها قاتلة، ولمن استصحبها غاشة، ولمن استنصرها خاذلة.

الذنب جُبّ، والمعصية فخ، والشيطان صياد، والإنسان طائر، فمتى أكَبَّ الإنسان على التقاط حلالها، فيوشك أن يقع في حرامها، ومتى وقع في حرامها فقد استحوذ عليه قَنَّاصُهَا، وتَعَذَّرَ عليه إلا من جهة التوبة خلاصه، فكيف السبيل إلى الخلاص منها ورضيعها لا يمكنه الفطام عنها؟ والجواب عن هذا السؤال أن تستغيث بالكبير المتعال، فالراجع إلى الله مستريح بالله مما سواه؛ لأنه يستريح من الدنيا وأشغالها، ومن الشياطين ووسواسها، ومن الأفكار وغمومها، ومن الأشغال وهمومها، وغير ذلك مما الناس به في هذه الدنيا مفتونون ومعذبون، وعليه في الآخرة محاسبون ومعاقبون، فأريدوا وجه الله بكل أعمالكم، وجاهدوا في سبيل الله بأنفسكم وأموالكم، وأقبلوا عليه يقبل عليكم، فإنه لا يعرض إلا عمن أعرض عنه، ولا تجعلوا طلب الدنيا أكبر هَمِّكُم فيطول فيها هَمُّكُم، وفي الآخرة يطول حسابكم على قدر مالكم. قال أبو الدر داء رضي الله عنه: ذو الدرهمين في الآخرة أشد حسابا من ذي الدرهم”.

وفي الحديث: “الْتَقَى مُؤْمِنَانِ على بَابِ الجنَّة؛ مُؤْمِنٌ غَنِيٌّ، وَمُؤْمِنٌ فَقِيرٌ، كَانَا في الدُّنْيَا، فَأُدْخِلَ الْفَقِيرُ الْجَنَّةَ، وَحُبِسَ الْغَنِيُّ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يُحْبَسَ، ثُمَّ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ، فَلَقِيَهُ الْفَقِيرُ، فَيَقُولُ: أَيْ أَخِي، مَاذَا حَبَسَكَ؟ والله لَقَد احْتُبِسْتَ حَتَّى خِفْتُ عَلَيْكَ، فَيَقُولُ: أَيْ أَخِي، إِنِّي حُبِسْتُ بَعْدَكَ مَحْبِسًا فَظِيعًا كَرِيهًا، وَمَا وَصَلْتُ إِلَيْكَ حَتَّى سَالَ مِنِّي الْعَرَقُ، مَا لَوْ وَرَدَهُ أَلْفُ بَعِيرٍ، كُلُّهَا آكِلَةُ حَمْضٍ، لَصَدَرَتْ عَنْهُ رِوَاء”.

واعلموا أن لله عبادا شغلهم الاهتمام به عن الاهتمام لهم، وتلك مرتبة المقربين الذين يتبتلون إليه تبتيلا، ومنهم من لا يرفع قصة الشكوى إلا إليه، وذلك مقام أصحاب اليمين الذين لم يتخذوا من دونه وكيلا.

طالع أيضا  فجر يوم جديد

اجتهد أن تكون عارفا بالله، فإن عجزت فاجتهد أن تكون مريدا من الله، ولا تكن الثالث تكن من الخائبين.

اجتهد أن تكون واصلا إلى الله، فإن عجزت فكن سالكا إلى الله، ولا تكن الثالث من المنقطعين.

اجتهد أن تكون واصلا، فإن عجزت فكن سالكا إلى الله، ولا تكن الثالث تكن من الجاهلين.

اجتهد أن تكون ممن يحبه الصالحون في الله، فإن عجزت فكن ممن يحب الصالحين في الله، ولا تكن الثالث تكن من الممقوتين.

هذه وصية مناصحة من اهتدى بهديها اهتدى، هذه سفينة سلامة من اعتصم بركوبها نجا.

تابع تتمة الكلام النفيس لابن الجوزي على موقع الإمام ياسين.