اصرخ في وجه الشيطان

بينما أنت تناجي ربك في الصلاة بخشوع وتضرع وحضور قلب مستقبلاً الكعبة المعظمة، إذا بتداعي الأفكار هذا يسوقك إلى أمور مشينة مخجلة لا تعنيك بشيء. فإذا كنت يا أخي مبتلى بتداعي الأفكار، فإياك إياك أن تقلق أو تجزع، بل عُد إلى حالتك الفطرية حالما تنتبه لها. ولا تشغل بالك قائلاً: لقد قصّرت كثيراً.. ثم تبدأ بالتحري عن السبب.. بل مر عليها مرّ الكرام لئلا تقوى تلك العلاقات الواهية العابرة بتركيزك عليها، إذ كلما أظهرت الأسى والأسف وزاد اهتمامك بها انقلب ذلك التخطر إلى عادة تتأصل تدريجياً حتى تتحول إلى مرض خيالي. ولكن لا.. لا تخش أبداً، إنه ليس بمرض قلبي، لأن هذه الهواجس النفسية والتخطر الخيالي هي في أغلب الحالات تتكون رغماً عن إرادة الإنسان وهي غالباً ما تكون لدى مرهفي الحس والأمزجة الحادة. والشيطان يتغلغل عميقاً مع هذه الوساوس.

اعلم أن الإسلام دين الله الحق، دين يسر لا حرج فيه، وأن المذاهب الأربعة كلها على الحق. فإن أدرك المرء تقصيره تلافاه بالاستغفار الذي هو أثقل ميزاناً من الغرور الناشئ من إعجابه بالأعمال الصالحة. لذا فإن رأى مثل هذا الموسوس نفسه مقصراً في عمله واستغفر ربه فذلك خيرٌ له ألف مرة من أن يغتر إعجاباً بعمله. فما دام الأمر هكذا، فاطرح الوساوس واصرخ في وجه الشيطان. إن هذا الحال حرجٌ، وإن الاطلاع على حقيقة الأحوال أمرٌ صعب جداً، بل ينافي اليُسر في الدين، ويخالف قاعدة “لا حرج في الدين” و “الدين يُسر”. ولابد أن عملي هذا يوافق مذهباً من المذاهب الإسلامية، وهذا يكفيني. حيث يكون وسيلة لأن ألقي بنفسي بين يدي خالقي ومولاي ساجداً متضرعاً أطلب المغفرة، وأعترف بتقصيري في العمل، وهو السميع المجيب.

دسائس الشيطان

إن أخطر دسائس الشيطان هو أنه يُلبس على بعض ذوي القلوب الصافية والحس المرهف تخيّلَ الكفر بتصديق الكفر، ويُظهر لهم تصوّرَ الضلالة تصديقاً للضلالة نفسها، ويجلب إلى خيالهم خواطر قبيحة في حق الأشخاص والأمور المنزّهة المقدسة، ويوهمهم بالشك في بعض يقينيات الإيمان بجعل الإمكان الذاتي في صورة الإمكان العقلي. وعندئذ يظنّ هذا المسكين المرهف الحسّ أنه قد هوى في الكفر والضلالة، ويتوهم أنه قد زال يقينه الإيماني، فيقع في اليأس والقنوط. ويكون بيأسه هذا أضحوكة للشيطان الذي ينفث في يأسه القاتل، ويضرب دوماً على وتره الحسّاس، وينفخ في اِلتباساته ويثيرها، فأما أن يخلّ بأعصابه وعقله، أو يدفعه إلى هاوية الضلالة.

وَهذه الهمزات والوساوس لا سند لها ولا أساس، كما أن صورة الحيّة في المرآة لا تلدغ، واِنعكاس النار فيها لا يحرق، وظل النَجَس فيها لا ينجّس، كذلك ما ينعكس على مرآةِ الخيال أو الفكر من صورِ الكفر والشرك، وظلال الضلالة، وخيالات الكلمات النابية والشتم، لا تفسد العقيدة واليقين ولا تغير الإيمان، ولا تثلم أدب التوقير والاحترام. ذلك لأنه من القواعد المقررة: تخيّل الشتم ليس شتماً، وتخيل الكفر ليس كفراً، وتصوّرَ الضلالة ليس ضلالةً.

أما مسألة الشك في الإيمان، فان الاحتمالات الناشئة من الإمكان الذاتي لا ينافي اليقين ولا يخلّ به. إذ من القواعد المقررة في علم أصول الدين: أن الإمكان الذاتي لا ينافي اليقين العلمي.

فمثلاً: نحن على يقين من أن بحيرة بارلا مملوءة بالماء ومستقرةٌ في مكانها، إلا انه يمكن أن تخسف في هذه اللحظة. فهذا إمكان ذاتي واحتمالٌ، وهو من الممكنات. ولكن لأنه لم ينشأ من أمارة، أو دليل، فلا يكون إمكانا ذهنياً حتى يوجب الشك. لأن القاعدة المقررة في علم أصول الدين أنه: لاعبرة للاحتمال غير الناشئ عن دليل، بمعنى: لا يكون الاحتمال الذاتي الذي لم ينشأ عن أمارة إمكانا ذهنياً، فلا أهمية له كي يوجب الشك. فبمثل هذه الإمكانات والاحتمالات الذاتية يظن المسكين المبتلى انه قد فقد يقينَه بالحقائق الإيمانية. فيخطر بباله مثلاً خواطر كثيرة من الإمكان الذاتي من جهة بشرية الرسول صلى الله عليه وسلم، ولاشك أنها لا تخلّ بيقينه وجزمه الإيماني، ولكن ظنه أن هذا يضرّ هو الذي يسبب له الضرر.

وأحياناً أخرى تُلقي لمَةُ الشيطان – التي هي على القلب – كلاماً لا يليق بجلال الله سبحانه وتعالى. فيظن صاحبه أن قلبه هو الذي فَسَد فصدر عنه هذا الكلام، فيضطرب ويتألم. والحال أن اضطرابه وخوفه وعدم رضاه دليلٌ على أن تلك الكلمات لم تكن صادرةً من قلبه، وإنما هي من اللمّة الشيطانية، أو أن الشيطان يخيّلها إليه ويذكّره بها.

وكذلك فان من بين اللطائف الإنسانية  -وهي بضع لطائف لم أستطع تشخيصها – ما لا ترضخ للإرادة والاختيار، ولا تدخل تحت وطأة المسؤولية – فتتحكم أحيانا وتسيطر دون أن تنصت لنداء الحق، وتلج في أمور خاطئة، وعندئذ يُلقي الشيطان في رَوع هذا الانسان المبتلى: إن فطرتَك فاسدة لا تنسجم مع الإيمان والحق، ألا ترى أنها تلج بلا إرادة في مثل هذه الأمور الباطلة؟ إذن فقد حكم عليك قَدَرك بالتعاسة وقضى عليك بالشقاء!! فيهلك ذلك المسكين في هذا اليأس المدمّر.

وهكذا فإن حصن المؤمن الحصين من الدسائس الشيطانية المتقدّمة هي المُحكمات القرآنية والحقائق الإيمانية المرسومةُ حدودُها بدساتير العلماء المحققين والأصفياء الصالحين. أما الدسائس الأخيرة فإنها تُردّ بالاستعاذة بالله سبحانه وتعالى وبإهمالها، لأن من طبيعة الوساوس أنها تكبر وتتضخم كلما زاد الاهتمام بها. فالسُنّة المحمدية للمؤمن هي البلسم الشافي لمثل هذه الجراحات الروحية.

 

من مكتوبات سعيد النورسي رحمه الله.