جل الاعتقالات في صفوف العدل والإحسان لا يمكن فهمها بإرجاعها إلى الأسباب الصغرى التي يتم إخراجها بها، ولكن بوضعها في سياق المدافعة السياسية بين المخزن وأدواته وخدامه، وبين قوى الممانعة والمعارضة الحقيقية ومنها العدل والإحسان.

وهكذا، لا يمكن فهم أسباب الاعتقال وخلفيته الحقيقية إلا بالرجوع إلى السياق النضالي الذي تعيشه الجماعة ضد الفساد والاستبداد، فعلى طول صفحات تاريخ الجماعة كانت الاعتقالات تأتي دوما حين يرتبك المخزن ويفقد زمام المبادرة في تعاطيه مع معارضة سلمية مدنية تفوّت عليه فرص التدجين وفرص التخوين وفرص الاستئصال العنيف، فيضطر إلى الاعتقال، ليس بغية الانتقام فحسب، ولكن بمنطق الضغط ولي الذراع، ما دامت الجماعة قد عوّدتنا على تحمل تبعات مواقفها، والدفاع عن أبنائها إلى آخر رمق، دون أن يضطروا إلى “مراجعات” مُمْلاة، أو توقيع طلبات عفو قرين الإذلال وصكوك العبودية التامة، ولذلك قضى طلبة العدل والإحسان عشرين سنة كاملة دون أن تشملهم موجات العفو الحسني ولا من جاء بعده.
بهذا الاعتبار، نكون أمام منطق العصابة في تدبير الصراع السياسي، ما دام يخضع لفكرة أخذ الرهائن، واعتماد الابتزاز، إنها فكرة التغلب الأصيلة في نفسية الإكراه والجبر، ذلك التغلّب الذي يعتمد الإخضاع المشروط في الحالة المخزنية – بالإذلال التام.

من هذا المنطلق يمكن فهم قضية اعتقال طالبين من فصيل طلبة العدل والإحسان (عبد الناصر أصفار وتوفيق الفناني) بمدينة فاس يوم الأحد 15 يوليوز 2018 وهما في الطريق إلى مدينة الرباط قصد المشاركة في المسيرة الاحتجاجية، التي دعت إليها العديد من المنظمات والهيئات المغربية للمطالبة بالإفراج الفوري عن معتقلي حراك الريف ردا على الأحكام القاسية الصادرة في حق هؤلاء المعتقلين.

توقيت الاعتقال وأسبابه المعلنة تكشف أنه مجرد رد فعل ضد تحركات العدل والإحسان دعما لحراك الريف وجرادة وغيره، وهذا ما أشار إليه بيان الهيئة الحقوقية للجماعة باستغراب.
وترجع ملابسات هذه القضية إلى الملف المطلبي الذي ناضل من أجل تحقيقه طلاب كلية الشريعة في الموسم الجامعي 2016/2017، وكان أبرز مطالبه حينها هو تأجيل امتحانات الدورة الخريفية التي برمجتها إدارة الكلية بشكل أجمع الطلبة في حينه على أنه لن يضمن استكمال الدروس والإعداد للامتحانات بشكل سليم. وقد أصدر فرع الاتحاد الوطني لطلبة المغرب بفاس في إبانه بيان حقيقة يوضح فيه خلفيات وملابسات المعركة بتاريخ 18 يناير2017، وذلك ردا على اتهامات الإدارة.

ومن أجل عدم الفصل المنهجي في التحليل، نشير إلى أنه في نفس السياق يمثل الدكتور محمد بن مسعود، الأستاذ الجامعي وعضو الأمانة العامة للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان، أمام المحكمة الابتدائية بطنجة الثلاثاء 17 يوليوز 2018 على الساعة الواحدة بعد الزوال بقاعة الجلسات رقم 2. وتعد هذه الجلسة الثالثة بعد جلسة أولى يوم 17 أبريل 2018، وجلسة ثانية يوم 29 ماي 2018.

الدكتور بنمسعود، كما جاء فيق تدويناته، يتابع بتهمة “نشر ونقل خبر وادعاءات ووقائع غير صحيحة، ومستند مدلس فيه منسوب للغير أخلت بالنظام العام، وأثارت الفزع بين الناس، وإهانة هيئات منظمة”، على خلفية تدوينة “رأي وفكرة، عبرتُ فيها عن وجهة نظري في نقاش مجتمعي عام حول جدوى ومخاطر اعتماد المقاربة الأمنية في مواجهة الاحتجاجات الشعبية بصفة عامة”، كما وضح في تدوينة حديثة له نشرها على جداره في “فيسبوك”، مع العلم أن “التدوينة موضوع المتابعة، والتي لا زالت منشورة على جداري بتاريخ 14 مارس 2018، ويمكن الرجوع إليها” لم تخص بالذكر أحداثا معينة أو مدينة أو دولة بعينها.

ومع اشتداد الخناق على المخزن بفعل الهبّة الشعبية واليقظة العامة التي بدأت تسري في الشعب (والتي تجلت بعض مظاهرها في المقاطعة الاقتصادية الكاسحة لبعض المنتجات الغذائية التي ترتبط بالمخزن الاقتصادي)، صارت ردود فعله مثيرة للضحك والاستغراب، وتؤدي إلى مزيد من التدحرج في سلم القيم كما في دركات الاستبداد.

فقد تمكن العهد الجديد من الرجوع بسرعة صاروخية إلى العهد الحسني الرصاصي، وخيّمت غربان الأحكام القرونية من جديد في سماء مملكة “الاستثناء” وعاد التحكّم الشمولي في تفاصيل التفاصيل… هو منطق الحكم المخزني المترنّح بفعل مؤشرات وحدة النضال المجتمعي، ونسبة الوعي المطّردة، وتأثيرات وسائط الاتصال الجديدة على بنية السيطرة ووسائلها لدى الدولة.
وبعد فشل “النموذج التنموي” الرسمي فشله الذريع المُعلن، وبعد استشراء الفساد في كل مفاصل الدولة بشكل يعيق أبسط حركة “للإصلاح من الداخل”، وبعد نفاد قطع الغيار السياسي اللازمة لتسويق الوهم مرة أخرى، لم يعد المخزن يملك من حلول سوى السجون والتعذيب وانتهاك الأعراض، بوليسيا وإعلاميا.

ولذلك، صار من اللازم على القوى الوطنية المناضلة أن تضاعف الجهود لتدبير اختلافاتها، ولبناء جبهة شعبية كبرى ضد هذا الانحطاط العام، لإجبار المخزن على الرضوخ للإرادة الشعبية، وإعادة بناء النظام على أسس ديمقراطية سليمة، إلا يفعلوا سنغرق في دوامة مظلمة – لا قدّر الله – من الاستبداد البدائي، أو الانفلاتات الشيطانية المدمّرة، ما دامت الكثير من القوى الإقليمية تتربّص بنا الدوائر.