مسيرة 15 يوليوز 2018 هي بالفعل مسيرة شعب بجميع أطيافه وألوانه وفسيفساء خريطته السياسية والحقوقية، إنها تؤكد لنا مرة أخرى أننا في حاجة إلى جبهة وطنية قوية لمناهضة الاستبداد والظلم.

 مسيرة اليوم جاءت لتحمل رسالة واضحة وفاضحة إلى المخزن بدون لف أو دوران: “أنت من يسعى إلى تأزيم الوضع وإفساد العلاقات الإنسانية وتقويض البُنى الاجتماعية”. رسالة كان أساسها إنسانيا وبُعدها حقوقيا، وخُلاصتها: “لا للاعتقال السياسي، ولا للحكرة، ولا للظلم…”. تعددت اللاءات وهي واحدة في منطقها الداخلي، روحها “لا للجمع بين الثرة والسلطة”.

كنا هناك، وصدحت حناجرنا، وتماهت مع الحبال الصوتية للجماهير الشعبية التي لبّت نداء العائلات وذوي المعتقلين، بشعارات أخذت شكلا موسيقيا لها تارة، ونفسًا انفعاليا تارة أخرى، لكنها توحّدت كلها في مطلب عادل ومشروع ألا وهو: “أطلقوا سراح المعتقلين وأنصفوا المظلوم”، لخصها شعار: “كلنا المعتقل” و”غير شدونا كاملين”.

عشنا هناك لحظات كلها أمل في غد مشرق تتوحد فيه كل القوى الحيّة في هذا البلد، لإسقاط الفساد والاستبداد وتقويض دعائمه التي فاحت رائحتها النتنة من مؤسساته المقعّرة، والتي لم تعد تطاق في وطننا الذي استبدّ به زمرة من فسدة الرأي والأخلاق الذين لا يهمهم المستقبل ولا الفقير ولا الكبير أو الصغير، فئة آثرت المغامرة بمصير البلد، والمقامرة بمستقبل أكثر من أربعين مليونا دون حسيب أو رقيب.

الخامس عشر من شهر يوليوز لم يخل من رسائل مخزنية حاقدة للمشاركين، ولكل من نبذ العنف سلوكا وممارسة، ولكل من رفض الاستبداد والقهر، ولكل من يحمل في أحشائه ذرة من الرجولة والبطولة والرفض القاطع مع الاستبداد بجميع أشكاله وألوانه، رسائل التقطناها قبل المسيرة بساعات كان أبرزها اعتقال شابين طالبين من مناضلي الاتحاد الوطني لطلبة المغرب بمدينة فاس، وكأني بالمخزن أراد من خلال كل ذلك أن يقول للشعب ولعموم المتظاهرين: “ما زلت مستمرا في اعتقالكم وعقليتي القمعية لن تغيرها القوانين والمؤسسات ولا المظاهرات، عقيدتي القمعية لن تتبدل ولم ولن تتغير وكلكم أيها الرعايا مسجونون مع وقف التنفيذ”.

وجاءت الرسائل الأخرى تباعا منها: منع العديد من المواطنين المغاربة من التوجه نحو الرباط للمشاركة في مسيرة الكرامة والحرية المطالبة بإطلاق سراح كافة المعتقلين، ولعل المدن التي كانت محط استهداف من قبل قوى القمع والمنع: الشاون ومكناس وفاس ووجدة والحسيمة. كما تجدر الإشارة إلى أن أبناء وبنات مدينة برشيد تم منعهم في محطتين متتاليتين؛ الأولى كانت بمحطة المحمدية حيث تمت عرقلة الحافلة وترهيب سائقها، وجاء المنع الثاني بمحطة بوزنيقة، بحيث تم تطويق الحافلة بجحافل من الدرك والقوات المساعدة ومحاصرة الحافلة، مما دفع بالركاب إلى النزول من الحافلة بشكل حضاري… وهناك بدأت حكاية أخرى.

في عين المكان جعل أحرار وحرائر مدينة برشيد من منعهم عُرسا نضاليا لا يقل أهمية عن إخوانهم بمحطة الرباط المليونية، فأرسلوا بأصواتهم الحرة التي لا يمتلكون غيرها رسائل للمعتقل وللمخزن وللعالم أجمع أن ببلادنا رجالا، ومن ثم رفعوا شعارات منددة بهذا السلوك الأرعن الذي ينم عن سوء نية صناع القرار في هذه اللحظة المفصلية من تاريخ مغربنا الحبيب.

إن هذا المنع والعرقلة والتشويش هو الذي دفع بلجنة الإشراف عن تنظيم مسيرة 15 يوليوز بالرباط والمشكّلة من “جبهة الرباط ضد الحكرة”، و”لجنة دعم معتقلي حراك الريف بالدار البيضاء”، و”مبادرة الحراك الشعبي بالدار البيضاء”، إلى استنكار مثل هذه الممارسات التي لا يزال يحتفظ بها مخزن القرن الواحد والعشرين حيث جاء في بيان لها أنه “أمام هذه الممارسات المنافية للحق في التنقل والتظاهر والتعبير عن الرأي كما تنص عليه القوانين المحلية والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان فإننا نستنكر بقوة هذه الممارسات البائدة ونعبر عن تضامننا مع ضحايا هذه الانتهاكات ونتشبت بممارسة حقوقنا في التعبير والتظاهر مهما كانت الظروف.”

أما الحديث عن الرسائل التي حملتها المسيرة التضامنية فهي تتعدد بتعدد الأطياف المشاركة من تنسيقيات وعائلات المعتقلين واللجان والمبادرات والجبهات وكل القوى الحيّة، إلخ… رسائل أقل ما يقال عنها إنها ليست شرقية ولا غربية بل هي مغربية عنوانها الأبرز “الريف يوحدنا وظلم المخزن يجمع شملنا وحرية المعتقل هي همّنا جميعا”.

دام النصر والوفاء لهذا الشعب العظيم الذي ما فتئ يؤكد في كل محطة أنه قادر على صنع الحدث.