أيها الصديق الغافل المرتاب

كل ما يدركه حس الإنسان أو تكشف عن أسرار آلاته المتطورة صنع من مادة واحدة. فالذي هيأ تلك المادة وغَزَلها لابد أنه واحد، لأن تلك الصنعة لا تقبل الاشتراك، فالمنسوجات المتقنة تخصّه هو. ثم التفت إلى هذا: إن أجناس هذه المنسوجات موجودة في كل جزء من أجزاء هذا العالم العجيب وقد انتشرت انتشاراً واسع النطاق حتى إنها تُنسَج معاً وبتداخل في آن واحد وبنمط واحد في كل مكان. أي أنه فعلُ فاعلٍ واحد، فالجميع يتحرك بأمرٍ واحد. وإلاّ فمحال أن يكون هناك انسجامٌ تام وتوافق واضح في العمل وفي آن واحد وبنمط واحد وبنوعية واحدة وهيأة واحدة في جميع الأنحاء، لذا فإن كل ما هو متقن الصنع يدل دلالة واضحة على ذلك الفاعل الذي لا نراه، بل كأنه يعلن عنه صراحةً، بل كأن كل نسيج مغرز بالزهور، وكل ماكنة بديعة، وكل مأكول لذيذ، إنما هو علامة الصانع المعجز وخاتمه وآيته وطغراؤه. فكل منه يقول بلسان الحال: “مَن كنتُ أنا مصنوعه، فموضعي الذي أنا فيه مُلكُه”. وكل نقش يقول: “مَن قام بنسجي ونقشي فالطَول الذي أنا فيه هو منسوجُه”. وكل لقمة لذيذة تقول: “مَن يصنعني ويُنضجني فالقِدر الذي أطبخُ فيه مُلكُه”. وكل ماكنة تقول: “مَن قام بصنعي فكل ما في العالم من أمثالي مصنوعه وهو مالكه. أي من كان مالكاً للمملكة والقصر كله فهو الذي يمكـنه أن يملّكنا”. وذلك بمثـل مَن أراد أن يدّعي تملّك أزرار البزة العسكرية ووضع شعار الدولة عليها لابد أن يكون مالكاً لمصانعها كلها حتى يكون مالكاً حقيقياً، وإلا فليس له إلاّ الادعاء الكاذب، بل يعاقب على عمله ويؤاخذ على كلامه.

أيها الصديق ويا من يتقرب شيئاً فشيئاً إلى الإنصاف.. فها نحن هنا نعيش فى كنف هذا العالم الرتيب العجيب متجاهلين غافلين أو جاهلين أوامر رب البيت الذي يؤوينا. فإن لم نعرف أنظمة هذا البيت وقوانينه ولم نعرف مليكه فالعقاب يحق علينا، إذ لا مجال لنا بعدُ للاعتذار. فلقد أمهلونا طوال عمرنا المديد، ولم يتعرضوا لنا بشيء. إلا أننا لا شك لسنا طلقاء سائبين، فنحن في مملكة رائعة بديعة فيها من الدقّة والرقة والعبرة في المصنوعات المتقنة ما ينم عن عظمة مليكها، فلابد أن جزاءه شديد أيضاً. وتستطيع أن تفهم عظمة المالك وقدرته من عظمة صنعه.

وستفهم أن هذه العظمة والهيبة لابد أنها تنـطوي على كـرم لا حـد له وسخاء لا حدود له.

فيا أيها الصديق الغافل! هل ترى أنه يمكن أن يكون هناك أدنى احتمال لكذبٍ أو خداع في كلام هذا الكريم؟ حاش لله أن يكون من ذلك شيء من كلامه أبداً.

تأمل في بستان هذه الكائنات، وانظر إلى جنان هذه الأرض، وأنعم النظر في الوجه الجميل لهذه السماء المتلألئة بالنجوم، تَرَ أن للصانع الجليل جل جلاله ختماً خاصاً بمن هو صانع كل شيء على كل مصنوع من مصنوعاته، وعلامة خاصة بمن هو خالقُ كل شيء على كل مخلوق من مخلوقاته، وآية لا تقلَّد خاصة بسلطان الأزل والأبد على كل منشورٍ من كتابات قلم قدرته على صحائف الليل والنهار وصفحات الصيف والربيع.

وهكذا إن لم تنطفئ جذوة عقلك ولم تفقد بصيرة قلبك فستفهم أنّ جعل الشيء الواحدِ كل شئ بسهولة مطلقة وانتظام كامل، وجعل كلَّ شئٍ شيئاً واحداً بميزانٍ دقيق وانتظام رائع وبمهارة وإبداع، ليس إلاّ علامة واضحة وآية بيّنة لخالق كل شيء وصانعه.

أيتها الأخت المومنة

إن كنت تجعلين الحياة الأخرى غاية المنى وتتخذين هذه الحياة الدنيا وسيلة لها ومزرعة، وسعيتِ لها سعيها فسوف تكونين في جوار سيد البشر صلى الله عليه وسلم العبد العزيز لدى خالقه الكريم، وستصبحين الـضيف المكرم الفاضل في هذه الدنيا منتظرة ما وعد الله عباده التوابين من نعيم مقيم في جنة الخلد.

من مكتوبات سعيد النورسي رحمه الله.