العلماء ورثة الأنبياء… هكذا أخبر نبينا صلى الله عليه وسلم.

والأنبياء لم يورثوا درهما ولا دينارا، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر. والله جلت قدرته لا ينزع العلم انتزاعا، لكن ينزع العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالما، اتخذ الناس رؤوسا جهالا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا… كذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.

موت العلماء منذر موقظ للغيورين بالانتباه لما على الأمة من مسؤولية إزاء علمائها، وفضلائها، وخيارها…

في الآونة الأخيرة ذكرت بعض وسائل الإعلام في المشرق أنباء عن انتقال عدد من علماء أمتنا إلى الدار الآخرة، ولم تذكر ذلك قنوات مغربية لانشغالها بـ”الأهم”… وكما جاء في الحديث فإن موت العلماء علامة لانتزاع العلم، وأخطر من ذلك أن يموت العلماء وبكثرة، فلا تجد لهم عند الكثير من الناس – حتى بعض المحسوبين على العلم – خبرا، ويُتركون رحمهم الله يعالجون الموت، وهو أجل الجميع، وقبله يعانقون آلام المرض فلا خبر بهم عند دولة “تحمي الملة والدين” قالوا…

 ففي مغربنا الحبيب وحده، رحل في أقل من أربعة أشهر عدد من العلماء  الأفاضل، ذاقوا حلاوة طلب العلم وبذله، وعاشوا مرارة الجهد الشاق في تحصيله، والعمل الدؤوب في ذلك، قضوا في ذلك العمر كله، وتخرج من مجالسهم علماء كُثر، فشيخ مدرسة  “إداومنو” 1 العتيقة سيدي الحاج عبلا، ومن لا يعرفه في المغرب عامة وفي سوس خاصة، وهو تلميذ لسيدي الحاج الحبيب العالم الرباني المشهور رحمهما الله جميعا. ولعلك تستغرب إن شاهدت قنوات من المشرق حجت إلى أول مدرسة علمية عتيقة بالمغرب؛ هي المدرسة “الوجاجية” 2، لسماعها بعالم الفلك ومعه علوم أخرى “سيدي محمد بن المكي”، وذلك لقيمة الرجل العلمية، وقد رحل رحمه الله أيضا، وكثير من المغاربة لا يعرف عنه ولا عن علمه شيئا. كما رحل في نفس الشهر الذي رحل فيه العالمان الحاج “عبلا” و”محمد بن المكي” الشيخ “إبراهيم البوشواري”، شيخ مدرسة “أيت إعزى” بإقليم تارودانت، والثلاثة علماء وشيوخ في مدارس عتيقة في سوس، عريقة في الزمن وفي العطاء العلمي. وتجدر الإشارة إلى أن الرجال الثلاثة رحلوا جميعا في شهر واحد، شهر رجب من هذا العام 1438هـ، وفصل بين وفاة الأول والثاني أسبوع واحد، وبين رحيل الثاني والثالث أسبوع واحد أيضا. وكلهم ماتوا يوم الخميس، وصلي عليهم يوم الجمعة، رحمهم الله جميعا.

وبعدهما بثلاثة أشهر تقريبا، وذلك يوم الخامس غشت من عامنا 2017 الموافق للثاني عشر من ذي القعدة عام 1438، رحل الشيخ المحدث عبد الله التليدي 3 شيخ معهد ابن القطان للعلوم الشرعية بطنجة، وكان ممن يحج إليه الناس من أصقاع الدنيا لأخذ سند الحديث عنه والعلم، بعدما كان هو رحالة في العالم الإسلامي طلبا للسند والعلم.

ولم يبتعد الزمن قليلا حتى فجعت الأمة في الشيخ صالح بن عبد الله  الإلغي، العلامة المتبحر في العلوم الشرعية والذي تخرج على يده كثير من العلماء، توفي رحمه الله تعالى يوم الخميس 17 غشت 2017 الموافق لـ24 ذي القعدة 1438هـ.

وأنا أكتب هذه الأسطر أعلن عن نبإ وفاة الشيخ محمد بن أحمد زحل، أسد المنابر في ثمانينيات القرن الماضي، وقد انتقل إلى الرفيق الأعلى في غرة ذي الحجة من عام 1438هـ.

 هذا في مغربنا وحده، أما في الهند فقد ودعت أمتنا المغلوبة على أمرها عالما جليلا، هو الشيخ ظهير الدين المباركفوري 4.

سؤال محير إذن. أكُلُّ هذا المصاب يلم بالبلاد ولا التفاتة تثلج الصدر ويثبت معها “حماة الملة والدين” ولو مجاملة أنهم يعرفون للعلماء حقهم؟ أم أن هؤلاء العلماء لم يعد معهم فضل ولا استثمار بعدما رحلوا عنا؟ عذرا على سوء الظن، فلربما تنتظر دولة “حماية الدين والملة” موعد موازين لتحتفل بهؤلاء الأعلام. أستغفر الله، حاشاهم رجالا عاشوا، رجالا ماتوا، رحمهم الله. ولعل دولتنا معها الجواب، وإلى الله المشتكى.

إن من واجبنا أن نكون لأهل العلم والفضل حيث كان السلف الصالح من هذه الأمة، ومن أهم ما ينبغي فعله ما يلي:

1.         الترحم عليهم والدعاء لهم بظهر الغيب، وكان من الأليق أن يكون ذلك في كل مساجد البلاد طولا وعرضا.

2.        التعريف بهم وبجهودهم في طلب العلم وبذله، وسيرهم وأحوالهم في ذلك، والأولى أن يكون على قنوات ينفق عليها من مال الشعب الذي طالما أحب العلم والعلماء، وأنفق المال على طلبتهم.

3.         الاعتناء بتراثهم المكتوب والمرئي والمسموع، بتحقيقه ونشره ودراسته.

4.         إيلاء العناية اللازمة لطلبتهم والقيام بواجب حسن معاملتهم، والنهوض بشؤونهم حتى يتفرغوا للعلوم الشرعية.

5.         شكر صنيعهم والكف عن آذاهم، وذكر محاسنهم في المجالس والمنتديات.

وكما بدأنا: من لم يشكر الناس لم يشكر الله.

فشكرا للعلماء الأبرار، رحم الله تعالى من مات منهم، ومتع بالعافية من بقي منهم  يعاني المرض ويصابر في ذلك.

وإن الله تعالى ليرفع درجة العالم الصادق إلى عليين.

والحمد لله رب العالمين.


[1] مدرسة عتيقة في سفح الأطلس الصغير قريبا من مدينة أولاد تايمة، تابعة لإقليم اشتوكة ايت بها، كانت في تاريخها تدرس القراءات حتى مجيء هذا الرجل فأضاف لها العلوم الأخرى.
[2] أول مدرسة علمية عتيقة تأسست في المغرب على يد محمد بن وجاج اللمطي رحمه الله، وقد كانت رباطا للجهاد درس بها عبد الله بن ياسين مؤسس الدولة المرابطية، عمرها عشرة قرون، توجد بمنطقة أكلو على ساحل المحيط الأطلسي قرب مدينة تزنيت، اشتهرت بعلم الفلك الذي درس فيها عشرة قرون بجانب العلوم الأخرى.
[3] فقيه محدث، له مصنفات عدة، له السند المتصل في الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من خمسة عشر طريقا، رحل في ذلك للهند والحجاز واليمن وليبيا وغيرها من البلاد.
[4] محدث كبير له إجازات بالسماع وإجازات عامة وأعلى سند في العالم في صحيح مسلم، درس وعلم إلى أن أقعده المرض قبيل وفاته، توفي ما بين المغرب والعشاء من ليلة الثلاثاء 14 غشت 2017 الموافق 22 ذي القعدة 1438، ودفن في مقبرة عمر آباد بجوار قبر العلامة عبد الكبير العمري، وقد ولد بمباركفور بالهند عام 1920م.