مقدمة

الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق رحمة للأميين والعرب والعالمين، معلما ومربيا بالحكمة والموعظة الحسنة، قال تعالى: هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين [الجمعة، الآية 2].

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، الأب الرحيم والمعلم الكريم والمربي ذو الخلق العظيم بالمؤمنين رؤوف رحيم، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم إلى يوم الدين.

أما بعد،

فإن موضوع التربية وأساليبها ومناهجها، قد قيل فيه الكثير من الكلام الذي سلط الضوء على مفهوم التربية وأنواعها، والأساليب الصحيحة والخاطئة وصفات المربي، وغير ذلك مما صنف في مناهج التربية والتعليم القديمة والحديثة، لكن ما يلاحظ على جلها هو إغفالها للجانب النفسي والروحي والجانب الأخلاقي في الإنسان، لأن جل هذه المناهج منبثقة عن الفلسفات الغربية، مما يؤثر على النتائج التي تكون دائما غير مرضية، وسبب ذلك في اعتقادنا لا يرجع إلى عجز الوسائل والتقنيات المتبعة بقدر ما هو راجع إلى مرجعيتها ومنطلقاتها التي تجهل التصور الحقيقي للإنسان.

أما التربية الإسلامية التي جسدها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبحكم أنها نابعة من مصدر رباني عالم بالإنسان وخفاياه، فهي وحدها القادرة على إيصاله إلى الكمال البشري وإلى تحقيق سعادته الدنيوية والأخروية.

فالتربية الإسلامية هي “تنمية جميع جوانب الشخصية الإسلامية الفكرية والعاطفية والجسدية والاجتماعية، وتنظيم سلوكها على أساس من مبادئ الإسلام وتعاليمه، بغرض تحقيق أهداف الإسلام في شتى مجالات الحياة” 1.

وإذا كانت التربية هي مجموعة من التصرفات العملية والقولية التي يمارسها المربي والمعلم والراشد نحو صغير أو تلميذ أو طالب، بهدف مساعدته وتوجيه قدراته على ضوء مبادئ تربوية، فإن المربي الناجح يفترض فيه مجموعة من الشروط؛ منها: العلم والأمانة والقوة والعدل والحرص والحزم والصلاح والصدق والحكمة، مع مهارتي التحفيز والتغافل، حتى لا يسقط في أساليب مدمرة للشخصية كالتسلط والسيطرة والتذبذب في المعاملة، والقسوة وغير ذلك مما يثير الألم في نفوس الناشئة.

1.  حول المفهوم

عندما نتحدث عن التربية فوجب تحديد المفهوم والتصور؛ فهل نعني بالتربية الأساليب التي يمارسها الإنسان الراشد على الصغير وفق فلسفة تربوية ما؟ أم نقصد بها تلك الوسائل المتخذة بغية الارتقاء بالإنسان نحو مدارج الكمال والنجاح في الدنيا دون اعتبار أو مع اعتبار نجاحه أو رسوبه في حياته الآخرة؟ هل نتحدث هنا عن التربية التي تمارس عبر مؤسسات نظامية متخصصة أو غير متخصصة؟ وبعبارة أخرى هل نتحدث عن التربية المدرسية وعلاقاتها بالتربية النبوية؟ أم عن التربية التي تمارسها الأسرة ويمارسها الإعلام وتمارسها مؤسسات المجتمع المدني والمساجد والمؤسسات الرسمية العلمية والدينية والسياسية؟

إن هذه التساؤلات تجعلنا ندرك صعوبة الإحاطة بمفهوم التربية في صفحات معدودة وفي حيز زمني ضيق، ومهما حاولنا فإن مقاربتنا ستكون لا محالة قاصرة عن أن توفي الموضوع حقه غير أن ما لا يدرك جله لا يترك كله.

2.  مفهوم التربية لغة

باستقرائنا لمختلف التعريفات اللغوية للتربية في مضان أغلب معاجم اللغة، وجدنا أن هذا اللفظ مشتق في اللغة العربية من أحد الأفعال التالية:

أ‌- من الفعل (ربا – يربو)

تقول: ربا الشيء يربو أي زاد ونما، قال تعالى: وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَت[الحج، الآية 5) أي نمت وزادت لما يتداخلها من الماء والنبات، ومنه قوله تعالى: ويربي الصدقات[البقرة، الآية 275] أي يزيدها ويضاعف أجرها، ومنه أخذ الربا الحرام، قال تعالى: وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ[الروم، الآية 38].

ب‌- من الفعل (ربي – يربي)

ومعناه نشأ وترعرع، تقول: ربوت في حجره أي نشأت فيه، وتقول ربوت في بني فلان أي نشأت فيهم، ويقال: أين ربيت يا صبي؟ أي أين نشأت؟

 ج- من الفعل (ربّ – يربّ)

رب الشيء يربه بمعنى أصلحه وتولى أمره، وساسه وقام عليه ورعاه، وتقول ربيت الدهن أي طيبته وأجدته، ومنه قولهم: لأن يربني فلان أحب إلي من أن يربني فلان – أي يسوسني، والله جل ثناؤه هو الرب لأنه مصلح أحوال خلقه، يسوسهم ويرعاهم. يقول صاحب لسان العرب: “ربرب الرجل الذي إذا ربى يتيما، ورببت الأمر، أربه ربا… وربابه: أصلحته ومتنته، ورببت الدهن: طيبته وأجدته” 2.

وبهذه المعاني نستنتج أن المعنى اللغوي للتربية “يتضمن عملية النمو والزيادة، وعملية الرعاية والإصلاح” 3. وهذا هو المعنى الأساسي للفظة “تربية” من الناحية اللغوية.

3.  التربية اصطلاحا

بتغير المجتمعات البشرية وتطورها تتغير المفاهيم والتصورات، ولذلك فإن الباحث يحار أمام كثرة التعاريف لمفهوم التربية، حتى أنك لا تكاد تعثر على تعريف موحد لهذا المصطلح. إنه – نعني مفهوم التربية – اصطبغ بصبغة المجتمع الذي أنتجه، وبفلسفته العامة في الحياة، وبنظرته للكون والإنسان.

– قديما عرفها أفلاطون (384-346 ق.م) بأنها “إعطاء الجسم والروح كل ما يمكن من الجمال والكمال”.

– وعرفها أرسطو (384-322 ق.م) بأنها “إعطاء العقل لكسب العلم كما تعد الأرض للنبات والزرع”.

– وعرفها أبو حامد الغزالي بأنها “إرشاد المريد في سلوك طريق التصوف بأسلوب مجاهدة النفس وتخليصها من الشوائب الدنيوية”.

– وقد عرفتها اللجنة الدولية المكلفة بوضع استراتيجية للتربية بأنها “العمل المنسق المقصود الهادف إلى نقل المعرفة وخلق القابليات وتكوين الإنسان، والسعي به في طريق الكمال من جميع النواحي وعلى مدى الحياة”.

– وعرفتها اللجنة العربية المكلفة بوضع استراتيجية لتطوير التربية في البلاد العربية بأنها “عملية إنسانية سلوكية اجتماعية حضارية تتألق في جوهرها من التعليم، والقائم أصلا على الجهود الذاتية للمتعلم، المتجلية في تشكيل سلوكه، المؤدية إلى تطوير شخصيته، وبالتالي إلى مساهمته في تقديم، وتمكينه من المساهمة في بناء الحضارة الإنسانية، وبهذه الصورة فهي عملية سلوكية واجتماعية غايتها القصوى خير الإنسان وخير المجتمع وخير الإنسانية جمعاء” 4.

وجاء في معجم علوم التربية أن “التربية في جوهرها عمليات نفسية واجتماعية تصدر عن شخصية الإنسان بجملتها جسما وفكرا ووجدانا وإرادة وخلقا، تتحقق على خير وجوهها إذا شملت تلك النواحي وعملت على تكاملها، وهي إنما تفهم طبيعتها بالاستناد إلى الفكر الإنساني وتطور العلم الحديث في مجال العلوم السلوكية خاصة والممارسة الواقعية والتجريب…” 5.

كما يعرفها آخرون بأنها «عملية بواسطتها يتعلم الفرد الحقائق والمهارات وينمي بها قدراته ويشبع ميوله» 6.

ومن هذه التعاريف، رغم اختلافها، يمكن استخلاص مجموعة من الخصائص المشتركة والأساسية في مفهوم التربية وهي:

أ‌- كل التعاريف تؤكد أن التربية خاصة بالنوع الإنساني؛

ب‌- تعتبر التربية فعل يمارسه كائن على آخر؛

ت‌- التأكيد على أن فعل التربية موجه لتحقيق غاية معينة، وأن الغرض من التربية هو تقديم مساعدة من أجل اكتساب وتنمية كفاءات.

أما التربية الإسلامية فهي “ذات طابع شمولي تكاملي لجميع جوانب الشخصية الروحية والعقلية والوجدانية والأخلاقية والجسمية والاجتماعية والإنسانية، وفق معيار الاعتدال والاتزان، فلا إفراط في جانب دون غيره ولا تفريط في جانب لحساب آخر” 7.

4.  مفهوم التربية الإسلامية

يقول الكاتب الإسلامي محمد قطب: «لقد أحسست بطبيعة الحال أن في القرآن توجيهات تربوية كثيرة، وأن لهذه التوجيهات أثرا في النفس، وأن الإنسان حين يتدبرها ويتأثر بها يصبح له سلوك معين وشعور معين أقرب إلى الصلاح والتقوى، ويصبح الإنسان أكثر شفافية وأكثر إنسانية» 8.

لقد خلق الله في البشر مجموعة من الأحاسيس محكومة بهوى النفس، ولأنه خلق الإنسان لهدف وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون [الذاريات، الآية 56] فلا بد أن توجه هذه الطاقات إلى الانسجام التام مع الغرض من الخلق.

 ولأن الإسلام منهج متكامل للحياة الإنسانية، ولمختلف أبعادها ومجالات نشاطها، فإن التربية الإسلامية تهتم بالنمو المتكامل للفرد، وترسم له سبيل النجاة في الدنيا والآخرة، ويمكن رصد ذلك من خلال الأمثلة التالية:

أ‌- التربية الإسلامية تهتم بالإنسان جسميا، عندما تؤكد أفضلية قوة البدن وصحته، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف” 9.

ب‌- كما تهتم التربية الإسلامية بالجانب العقلي للفرد، إذ تشجع على طلب العلم وترفع من درجة العلم والعلماء. قال تعالى: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ [المجادلة، الآية 11].

ت‌- كما تعتني التربية الإسلامية بالتربية الاجتماعية عملا بقوله تعالى: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة، الآية 03].

ث‌- وتهتم التربية الإسلامية كذلك بالتربية العملية والمهنية لقوله تعالى: فَإِذَا قُضِيَتِم الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ [الجمعة، الآية 10].

ج‌- كما تهتم التربية الإسلامية بالتربية الجمالية لقوله تعالى: قُل مَن حَرَّمَ زينَةَ اللَّهِ الَّتي أَخرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزقِ [الأعراف، الآية 30].

ح‌- كما أن التربية الإسلامية تهتم بالجانب الروحي والوجداني للفرد وتدعوه لنقاوة النفس وصفاء السريرة، نجد ذلك في مثل قوله سبحانه: إِنَّمَا المُؤمِنونَ الَّذينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَت قُلوبُهُم [الأنفال، الآية 02]، وقوله تعالى: وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا [الشمس، الآيات 7-8-9-10].

وبذلك تكون التربية الإسلامية تربية شاملة لكونها تهتم بالنمو الشامل للفرد، بل لجميع أفراد المجتمع الإسلامي.

ويمكن القول بأن التربية بهذا المفهوم يصبح لها دور في تنمية الجوانب الفطرية في الإنسان، وتقويم الانحراف الناتج عن التأثيرات الأسرية والاجتماعية والثقافية، ويدل على ذلك حديث البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه» 10.

وخلاصة كلامنا حول مفهوم التربية في الإسلام، أن مجمل أعمالها وأهدافها وغاياتها، هو توجيه طاقات الإنسان – كل طاقاته الإبداعية – نحو تحقيق العبودية لله تعالى، والتخلص من عبودية المكونات المادية التي تعتبر في فلسفة التربية الإسلامية وسيلة لا هدفا، وفي هذا الصدد يقول السيخ محمد الغزالي: “ليس الدين أحكاما جافة وأوامر ميتة، إنه قلب يتحرك بالشوق والرغبة، يحمل صاحبه على المسارعة إلى طاعة الله وهو يقول: وعجلت إليك ربي لترضى 11.

ويقول الدكتور يوسف القرضاوي: “ولما ختم الله كتبه بالقرآن وختم رسالته بالإسلام وختم النبيين بمحمد صلى الله عليه وسلم، أكد هذه الحقيقة، وأعلن في كتابه الخالد أن الغاية من خلق المكلفين أن يعرفوا الله ربهم وأن يعبدوه، فهذا سر خلق الجنس الناطق المفكر المريد في هذا العالم” 12.

ويقول د. ماجد عرسان الكيلاني: «والعمل الصالح هو الترجمة العملية والتطبيق الكامل للعلاقات التي حددتها فلسفة التربية الإسلامية بين إنسان التربية الإسلامية من ناحية، وبين كل من الخالق والكون والإنسان والحياة والآخرة من ناحية أخرى» 13.

 أما الإطار العام فيتمثل في قوله تعالى: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ [الجمعة، الآية 2]. منهاج تلاوة الآيات، ومنهاج التزكية، ومنهاج تعليم الكتاب والحكمة 14.

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وإخوانه وحزبه.

– يتبع –


[1] التربية الإسلامية وأساليب تدريسها، صبحي طه، ص 9، دار الأرقم، ط 1، 1963.
[2] لسان العرب، جمال الدين ابن منظور، ط 3، دار إحياء التراث، بيروت 1413، ص 203.
[3] مقدمة في التربية وعلم النفس، ص 12، النقيب عبد الرحمان ومراد صلاح، ط 2، 1989.
[4] الاتجاهات الحديثة في مفهوم التربية للتومي الشيباني، الطبعة 2، سلسلة كتاب الشعب، العدد 6، طرابلس المنشأة العامة للنشر والتوزيع 1980، ص264 – 268.
[5] معجم علوم التربية، الفارابي عبد اللطيف (وآخرون)، سلسلة علوم التربية، العددان (9-10)، الدار البيضاء، مطبعة النجاح الجديدة، 1994ن، ص 90.
[6] مقدمة في التربية، إبراهيم ناصر، ط 5، جمعية عمال المطابع التعاونية، عمان 1983، ص 13.
[7] منهج الإسلام في تربية عقيدة الناشئ، لمحمد خير فاطمه، ص: 52، بيروت، دار الخير، ط 1 1998.
[8] منهج التربية الإسلامية، محمد قطب، ج 2، ص 7، ط 7/ ط 5، بيروت، القاهرة، دار الشروق 1983.
[9] أخرجه مسلم في صحيحه رقم 4823، وأحمد في المسند (8593)، عن الصحابي عبد الرحمان بن صخر.
[10] صحيح البخاري، ج 5، ص 182، رقم 6140.
[11] الجانب العاطفي من الإسلام، محمد الغزالي، ص6 دار الدعوة ط 1 ، 1990.
[12] العبادة في الإسلام، الدكتور يوسف القرضاوي، ص 8، مؤسسة الرسالة، ط 19، 1958.
[13] أهداف التربية الإسلامية، د. ماجد عرسان الكيلاني، ص. 44، مؤسسة الريان، 1998، بيروت.
[14] مناهج التربية الإسلامية والمربون العاملون فيها، د. ماجد عرسان الكيلان، ص. 83، مؤسسة الريان – بيروت، لبنان. 1998.