نشرت جريدة “هسبريس” الإلكترونية، يوم أمس الأربعاء 4 يوليوز 2018، حوارا لها مع الدكتور عمر احرشان، أستاذ القانون والعلوم السياسية بجامعة القاضي عياض بمراكش، وعضو الأمانة العامة للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان، أدلى فيه بقراءته للأحكام التي صدرت عن غرفة الجنايات الابتدائية بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء يوم 26 يونيو 2018 ضد معتقلي حراك الريف، ورسائلها، وعن الحديث الذي رافق صدور هذه الأحكام من انتظار عفو ملكي، وعن العفو العام من طرف البرلمان، وعن آليات دعم الملف التي من شأنها أن تحقق انفراجا فيه.. ومحاور أخرى.

هذا نص الحوار كاملا:

 

كيف تلقيتم الأحكام الصادرة عن معتقلي حراك الريف؟

مثل غيري من المغاربة، كانت الأحكام التي صدرت عن غرفة الجنايات الابتدائية بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء يوم 26 يونيو 2018 ضد معتقلي حراك الريف جد قاسية هدفها الردع والانتقام وتقديم العبرة بهؤلاء لغيرهم من نشطاء الاحتجاجات التي تتزايد في مختلف أنحاء المغرب. ولهذا، خلفت استياء واسعا لدى أغلب فئات الشعب والفاعلين بمختلف توجهاتهم ومواقعهم، وأسهمت في تكريس اليأس من جهاز القضاء الذي نظر في هذا الملف لمدة طويلة تجاوزت السنة تضمنت حوالي 84 جلسة بسط فيها دفاع المعتقلين مختلف الدفوعات التي تبرئ المعتقلين.

لماذا، في نظرك، هذا الاستياء وهي أحكام صادرة عن سلطة قضائية مستقلة؟

تعددت أسباب استنكار هذه الأحكام بسبب قساوتها؛ لأنها فاقت ثلاثة قرون وزعت على 51 معتقلا، وبسبب الاعتراف الرسمي أيام الاحتجاجات بمشروعية المطالب الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي طالب بها المعتقلون، وبسبب الإجراءات العقابية التي اتخذت في حق العديد من الوزراء والمسؤولين بخصوص هذا الملف، وبسبب الصورة التي خلفها هذا الحراك الذي طبعت فعالياته السلمية وعدم الانزلاق إلى العنف المضاد بالرغم من الإفراط في العنف الذي تعرض له المشاركون في مسيراته ووقفاته. ولهذا، بلغ اليأس من تمتيع المعتقلين بمحاكمة عادلة وتصويب الاختلال الذي شاب الحكم حد رفض استئناف الحكم؛ لأن لا أمل يرجى في حكم يصدر عن جهاز لا يتمتع بالاستقلالية اللازمة. في الحقيقة هي أحكام سياسية بلبوس قضائي.

لماذا صدرت الأحكام إذن بهذه “القساوة” حسب وصفك؟ ما هي الرسائل من ورائها؟

هي رسائل متعددة؛ أهمها الردع والتخويف ومحاولة استرجاع المخزن لزمام المبادرة الذي افتقده لمدة ليست بالقصيرة، دبر فيها المحاكمة بتقنية التمطيط الزمني لربح الوقت وإنهاك مناصري الحراك واصطناع تناقضات بينهم وتسويق أوهام الانفراج ومبادرات الوساطة، لتخدير الحس النضالي وإطفاء جذوة النضال واختيار الفرصة المناسبة التي يكون الرأي العام منشغلا بقضايا أخرى.

ومن أهم الرسائل أن المخزن هو الفاعل المركزي والمقرر الوحيد وكل السلط والأجهزة تدور في فلكه، ولذلك لاحظنا الزج بالقضاء في هذه اللعبة دون تفكير في الإساءة إلى جهاز القضاء والقضاة، والصورة التي تنفق جهود وأموال لتسويقها عن المغرب، والسبب في التضحية هو أولوية رسالة الردع والتخويف والتيئيس.

لوحظ مباشرة بعد صدور الأحكام الحديث عن العفو كحل لهذا الملف، ما سبب ذلك؟

الحديث عن العفو الملكي ليس جديدا؛ فقد ظل يتردد منذ مدة.. الكثيرون انتظروه في جل الخطابات الملكية السابقة، سواء في يوليوز أو غشت أو أكتوبر 2017؛ ولكن بدون جدوى.

أظن أن العفو الملكي غير وارد على المدى القريب، كما أنه غير وارد طلب العفو من المعتقلين، لأن هذه أمور بذلت جهود لتحققها بدون نتيجة. كما أن الأحكام القضائية تصدر باسم الملك وهي أحكام ابتدائية، والراجح أن تدخلا من الملك لن يكون في هذه المرحلة على الأقل.

طيب، هناك من تحدث عن العفو العام من طرف البرلمان؟

من مستجدات دستور 2011 توسيع صلاحيات البرلمان لتشمل التشريع في مجال العفو العام، كما ينص على ذلك الفصل 71؛ وهو ما لم يكن من اختصاصه في الفصل 46 من دستور 1996، والعفو العام “لا يكون إلا بنص تشريعي”، كما ينص عل ذلك الفصل 51 من القانون الجنائي.

العفو العام إجراء سياسي وهو حل لملف سياسي واعتقال سياسي في سياق سياسي، وقد يكون إنقاذا لجهاز القضاء المرتهن لمراكز قوى سياسية لا تريد تحقيق الانفراج في هذا الملف. مع العلم أن هناك فصلا آخر في الدستور هو الفصل 49 يشترط أن مشروع قانون العفو العام لا بد أن يمر قبل عرضه على البرلمان من المجلس الوزاري. وبهذا، فالملك حاضر في العفو العام ولكن ليس هو المبادر. وطبعا، الحديث هنا في هذا الفصل عن المشاريع وليس المقترحات. وهذا نقاش آخر.

إذا كان هناك اتفاق على أن هذا ملف سياسي فإن المقاربة القانونية قاصرة عن حله.. والقضاء، في أحسن الأحوال، يطبق القانون الموجود. ولذلك لا بد من مبادرة سياسية تقترح حلا سياسيا يبعد القضاء الميؤوس من استقلاليته ونزاهته. والحديث عن الجهاز وليس عن قضاة نزهاء موجودون بالتأكيد. والدستور يتيح هذا المخرج، وتفعيل هذا المقترح اختبار آخر لمصداقية وصدقية الأحزاب التي تستنكر الأحكام وتتعاطف مع المعتقلين وأقرت بمشروعية مطالب حراك الريف وتريد طي هذه الصفحة بشكل مشرف للجميع.

هذا المقترح من شأنه نقل التضامن الحزبي من المجال الإعلامي إلى المجال المؤسسي الرسمي، وتضييق الخناق على من يوظف القضاء لإطالة هذا الملف، وكشف صدقية تصريحات الساسة، والضغط على الجهات التي لا تريد حل هذا الملف وفضحها وعزلها.

في نظرك، هل هذا ممكن حدوثه؟

لا أتحدث هنا عن النتيجة الممكنة؛ ولكن عن آلية يجب تحريكها ومسار سيحقق بالتأكيد نتائج داعمة للملف وللمعتقلين وللانفراج. وطبعا، نجاح الأمر متوقف على أمرين اثنين هما: أولا استقلالية القرار الحزبي، وثانيا التنسيق القبلي بين مختلف المجموعات والفرق في البرلمان لتأمين أغلبية مريحة للمقترح ومرور سريع له، طالما أن التداول الإعلامي يبين أن الكل مع الإفراج عنهم ومشروعية مطالبهم وأنهم لا يستحقون هذه الأحكام القاسية.

هناك مقترح تقدم به نائبا فيدرالية اليسار الديمقراطي.. هل سيحقق هذه النتائج؟

فكرة المقترح جيدة؛ ولكنها متسرعة من حيث التوقيت، وفيها ثغرات من حيث المضمون وقد تجهض ما قلناه سابقا. كان الأولى، في رأيي، تجنب تسريب المقترح إلى الإعلام وتجنب تقديم مقترح تفصيلي والانطلاق بمفاتحة الفرق البرلمانية الأخرى حول الفكرة من حيث المبدإ وجس نبضها لتقديم مقترح متوافق حوله. أما غير ذلك فهو يندرج في باب “المزايدة السياسية والإعلامية” التي سيرفضها الآخرون بهذا المبرر.

قد يستفيد منها الطرف المقترح؛ ولكن استفادته محدودة إعلاميا وسياسيا ولن تتجاوز ذاته الحزبية لأنه أقام الحجة وبرأ ذمته فقط، وهذا لن يقدم شيئا للملف طالما أن الرفض وتقديم مقترحات أخرى سيكون هو البديل لدى الغير وستتعثر الخطوة من حيث اتفقنا على أنها إجراء سياسي استعجالي لحل مشكل آني هو الوقع السيء لهذه الأحكام القاسية. كما أن لا فائدة من نشر المقترح في الإعلام قبل وضعه في مكتب مجلس النواب؛ لأن للعمل البرلماني تقاليده وأعرافه وقنواته بخصوص نشر المسودات والمشاريع والمقترحات.

هل تظن أن هذه الملاحظات كانت غائبة عنهم؟

ليس لدي جواب والحكم هنا على المآلات. ولذلك، فمن باب المسؤولية على مقدمي المقترح الاستمرار في إفادة الرأي العام حول مآلات المقترح من حيث وضعه لدى مكتب مجلس النواب، والخطوات التي قاموا بها من أجل تأمين أغلبية له وبالسرعة اللازمة.

وصفت المقترح بـ”المتسرع”، لماذا؟

ربما أجبت عن بعض هذا، ولكن إذا أردت التفصيل سنكون مضطرين للحديث عن مواد هذا المقترح ومضمونها.

تفضل؟

مثلا في المادة الثالثة هناك حديث عن لجنة يرأسها وزير العدل وينوب عنه الوكيل العام للملك أو الوكلاء العامون. وهذا غير ممكن لأنه لا يستحضر أن هناك استقلالا للنيابة العامة عن وزارة العدل.

المادة السادسة تتحدث عن إلغاء الأحكام واعتبار العفو بمثابة البراءة، وهذا لا يستحضر الفرق بين البراءة بإجراء سياسي والبراءة بإجراء قضائي، ولا يستحضر الفصل 51 من القانون الجنائي الذي ينص على “لا يكون العفو الشامل إلا بنص تشريعي صريح. ويحدد هذا النص ما يترتب عن العفو من آثار دون المساس بحقوق الغير”. ولهذا، فهذه المادة ستوسع الشرخ بين الفرق البرلمانية، وخاصة من طرف أحزاب الأغلبية.

المادة الثامنة تتحدث عن الشروع في تنفيذ المقترح مباشرة بعد مصادقة مجلس النواب عليه وبدون نشر في الجريدة الرسمية. وهذا خطأ لا يقع فيه الطالب المبتدئ في دراسة القانون، الذي يتعلم أن النشر مرحلة أساسية من مراحل التشريع؛ حتى تنطبق عليه “لا يُعذر أحد بجهله للقانون”… ثم لا يمكن أن يصبح قانونا، أي نصا تشريعيا كما هو منصوص عليه في القانون الجنائي إلا بعد مصادقة مجلس النواب ثم المستشارين ثم يرجع إلى مجلس النواب في قراءة ثانية ثم قد تنظر فيه المحكمة الدستورية بطلب ثم يصدر ظهير التنفيذ.

في الديباجة، هناك عبارة “الإشارة الواضحة من طرف رئيس الدولة إلى فشل المشروع التنموي”، وأظن أن هذه العبارة وحدها كافية لإبعاد كل الفرق البرلمانية من التفاعل قبولا لمقترح فيدرالية اليسار.

وهل تريدهم أن يكتبوا جلالة الملك؟

لا طبعا. الدستور يتحدث عن الملك وليس جلالة الملك. ومقدمو المقترح ملكيون ويطالبون بملكية برلمانية.. ولذلك، فعبارة الملك جامعة لهم مع غيرهم من الأحزاب الموجودة في البرلمان التي يمكن أن تسند المقترح وإلا فهو مقترح ميت منذ الولادة والهدف منه إعلامي و”شو سياسي”.

ولكن، في كل الأحوال، من الصعب حصول المقترح على أغلبية؛ لأن منطق تضامن الأغلبية سيغلب؟

هذه هي معضلة المشروع السياسي لفيدرالية اليسار. هو اختار العمل من خلال البرلمان بنائبين وفي الوقت نفسه هو في المعارضة ويرفض التنسيق مع المعارضة بدعوى أنها تتضمن الأصولية المخزنية، في إشارة إلى حزب الأصالة والمعاصرة، ويرفض التعامل مع الأغلبية لأنها تتضمن أحزابا إدارية وأصولية دينية، ويرفض العمل المشترك خارج البرلمان مع العدل والإحسان لأنها “أصولية دينية”، ويرفض التنسيق الفعلي مع النهج الديمقراطي حتى يوضح موقفه من الملكية والصحراء. هو يعزل نفسه.

لنفترض مثلا أنه يرفض التنسيق مع الأحزاب البرلمانية. كان أولى به أن يضغط بالشارع ليحرج فرقها من خلال جمع مليون توقيع لصالح مقترح القانون هذا. وكانت ستشكل مسيرة وطنية مناسبة لهذا الأمر؛ ولكنه استبق الزمن وأعلن عن مسيرة مع بعض مكونات اليسار وهو يعلم أن التجاوب معها سيكون، جماهيريا، غير متناسب مع الحدث والانتظارات منها ودون مستوى مسيرة السنة الفارطة التضامنية مع حراك الريف في الرباط.

هذا سينقلنا إلى موضوع آخر. لماذا لم يتم التنسيق، كما السنة الفارطة، من أجل تنظيم مسيرة مشتركة؟

ببساطة، لأن هناك تراميا على اختصاص أصيل لعائلات المعتقلين ولجان الدعم الخاصة بحراك الريف من لدن تيار إيديولوجي يريدها مسيرة إيديولوجية للون واحد لا يعكس تنوع المجتمع المغربي. وهذه مغامرة غير محسوبة النتائج، ولا تفيد حراك الريف والمعتقلين، ويتحمل تداعياتها من بادر إلى تقسيم صف الداعمين للحراك وهم معروفون ولو اشتغلوا في صمت وبدون مزايدات. وهذه أمور يعرفها المغاربة ويعرفها المعتقلون وعائلاتهم وأهل الريف.

كان الأولى أن تأتي المبادرة من لدن العائلات ولجان الدعم التي يتمثل فيها كل الحساسيات المجتمعية.

هل كل هذا لإقصاء العدل والإحسان؟

المصيبة هي أن الجهات المتضررة كثيرة، وربما اطلعت على بيان الفعاليات الأمازيغية كذلك. الحكم هو حجم المسيرة وتأثيرها مقارنة على الأقل مع مسيرة السنة الفارطة، بالرغم من أن هذه الظرفية تستدعي مسيرة أكبر وأقوى في الدار البيضاء بعد هذه الأحكام.

ما الهدف من هذه المسيرة بهذا الشكل إذن؟

شخصيا، أتمنى النجاح لها ولكل مبادرة تخدم ملف حراك الريف، وأتمنى بالمقابل أن لا تكون شكلا لامتصاص الغضب مرة واحدة.

إن تقديري هو أن المسيرة الوطنية تكون تتويجا لمسيرات ووقفات محلية، وهذا هو الذي يعطي الزخم الجماهيري؛ ولكن أراد أصحاب المبادرة غير ذلك.. فالحكم، إذن، للشعب حول صواب المبادرة أو خطئها.