عندما يُطرح على أحدنا السؤال عن ماهية الإيمان، غالبا ما يكون جوابه بذكر أركانه الستة، مستشهدا في ذلك بما ورد في الحديث النبوي الشريف المعروف بحديث جبريل عليه السلام. قال لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: “فأخبرني عن الإيمان، قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره” 1 . والإيمان بهذا التعريف يغلب عليه الجانب النظري لدى الناس أكثر من الجانب السلوكي. وفي محاولة من العلماء لتوضيح التعريف أكثر وتفصيله وتفسيره حدّدوا الإيمان في كونه: اعتقادا بالجنان ونطقا باللسان وعملا بالأركان. يُردّد الخطيبُ وكذلك الواعظ هذا الكلام من على المنبر أو في المناسبات فيسمعه الناس مرات ومرات ولا يدركون معناه العملي التطبيقي. فيبقى الإيمان مجرد أفكار عالقة بالعقول والأذهان يحفظها الجميع، ولكن لا أثر لها في واقع السلوك والحياة.

في القرآن الكريم نجد آيات كثيرة تتحدث عن الإيمان في جانبه الإجرائي والعملي، منها:

قوله تعالى: إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون، الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون، أولئك هم المؤمنون حقا 2 . هذه الآية تحصر لنا حقيقة الإيمان في أعمال وجل القلب عند سماع ذكر الله، والتوكل على الله، وإقام الصلاة والإنفاق في سبيل الله.

وقوله تعالى: إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، أولئك هم الصادقون 3 . أما هذه الآية فتحصر لنا الإيمان الصادق في الإيمان واليقين، وفي الجهاد بالمال والنفس في سبيل الله.

وقوله تعالى: والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله، والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقا 4 . بينما اعتبرت هذه الآية الإيمان الحقيقي مرتبطا بالإيمان والهجرة والجهاد وبالإيواء والنصرة.

فمجموع هذه الآيات تبين لنا إلى حدّ ما الإيمان في جانبه الإجرائي والتطبيقي، ومن المؤكد جدا أن الصورة ستكون كاملة وواضحة أكثر لو ذكرنا آيات أخرى، ثم استحضرنا إلى جانبها الأحاديث النبوية التي وردت في الباب. لكن بالرغم من ذلك فسيكون من الصعب بمكان تطبيق هذه الإجراءات الإيمانية إن اكتفينا بإلقائها على الناس أو تلقينِها لهم أو حتى البراعة في تفسيرها وشرحها. فالأمر يتطلب التعرض والخضوع لتربية إيمانية تقوّي في الفرد الراغب في الإيمان الإرادةَ والاستعدادَ والصبرَ على تطبيق هذه الإجراءات والأعمال الإيمانية.

وعندما تنجح هذه العملية التربوية الإيمانية في تثبيت هذه المعاني ويولد المسلم في عالم الإيمان، يكون قد استوعب الإيمان في جانبه العقلي النظري كأفكار وتعريفات، وفي جانبه السلوكي التطبيقي كأعمال وإجراءات. لكنه لازال لم يستوعب الإيمان في كليته، فقد بقي له أهم جانب فيه وهو الجانب القلبي الباطني. في هذا الجانب نجد أرقى ما يمكن للمسلم المؤمن أن يصل إليه ويدركه بالتربية الإيمانية، وهو حلاوة الإيمان وطعمه. يتذوقهما المؤمن في كل عبادة يمارسها أو عمل يفعله. وبوجود هذه الحلاوة الإيمانية يقاوم ويتغلب على كل حلاوة أخرى كانت تأتيه من الشهوات تعكّر عليه توبته الصادقة وتفسد عليه قربه من ربه عز وجل. فلا يواظب مؤمن على قيام الليل إلا بسبب ما يتذوقه فيه من حلاوة، ولا يداوم مؤمن على ذكر الله إلا لأنه يجد فيه الحلاوة. وهكذا كل أعمال يوم المؤمن وليلته. وفي المقابل نجد السبب الذي يجعل بعض الناس يداومون على البلايا هو وهمهم الحلاوة فيها. وعندما تصيبهم منها المرارة بتعرضهم لمشكل أو خطر بسببها، آنذاك يحاولون التخلص منها والبحث عن الحلاوة في مكان آخر وعمل آخر.

والحلاوة الإيمانية يتذوقها المؤمن حين يتمكن حبُّ الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وحبُّ المؤمنين من شغاف قلبه وهو تائب صادق، فعن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “ثلاث من كن فيه وجد بهـنّ حلاوة الإيمان، من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه، كما يكره أن يُقذف في النار” 5 . وعن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “ذاقَ طعم الإيمان من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا” 6 .

والفرق بين من استوعب حقائق الإيمان ومن تذوق حلاوة الإيمان كالفرق بين من يحدثك عن العسل وفوائده وبين من يملكه بين يديه يتذوقه ويذيقه للناس، لا يستويان مثلا.

وعندما يتغذى المؤمن من هذه الحلاوة الإيمانية يكون كل ما يصدر منه وعنه يحمل طابع الحلاوة، كلامُه، مشاعرُه، سلوكُه، صحبته، حتى رائحتُه تجد لها وقعا طيبا على النفوس وأثرا في الطريق الذي يسلكه. ولا تتغير تلك الحلاوة الصادرة منه تحت أي ضغط يعيشه، وأمام أي موقف يتعرض له. فهو لا يغضب إلا إن كان الغضب لله، ولا يسبّ، ولا يغتاب، ولا يكره، ولا يعنف، بل يفيض حبا وتسامحا وكرما. ومثل حلاوة المؤمن كمثل فاكهة البرتقال إن قام بعصرها أحدُنا خرج منها عصير البرتقال الحلو، ولا تتغير حلاوة ذلك العصير مهما اختلف من قام بعصر تلك الفاكهة، فلا يهمّ إن كان رجلا أو امرأة أو حتى طفلا، كما لا يهمّ أيضا إن كان الزمان صباحا أو مساء أو ليلا، كما لا يهم تغيير المكان ولا تغيُّر نفسيات من قام بالعصير. فهو يفيض ويسيل وينبض بما تغذّى، وما تغذى به هي حلاوة الإيمان.

بهذه الجوانب الثلاثة العقلية والقلبية والجوارحية يتأكد لنا الإيمان في صورته الكاملة. والحديث الجامع لكل هذه الجوانب والأبعاد هو حديث شعب الإيمان، يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: “الإيمان بضع وسبعون – عند البخاري بضع وستون – شعبة (زاد مسلم): أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان” 7 .

نسأل الله تعالى أن يكرمنا بحلاوة الإيمان التي يغنينا بها عن كل حلاوة زائلة فانية.


[1] رواه الإمام مسلم رحمه الله.\
[2] الأنفال: 2-4.\
[3] الحجرات: 15.\
[4] الأنفال: 75.\
[5] رواه البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى.\
[6] رواه الإمام مسلم رحمه الله.\
[7] رواه الشيخان رحمهما الله تعالى.\