في حلقتها لهذا الأسبوع من برنامج “حدث الأسبوع”، والتي تزامنت مع صدور أحكام جائرة في حق معتقلي حراك الريف بسجن عكاشة بالدار البيضاء، استضافت منشطة البرنامج هاجر الكيلاني الأستاذ محمد أغناج، المحامي بهيئة الدار البيضاء وعضو هيئة دفاع المتهمين، الذي بسط مسار المحاكمة ووجهة نظر الدفاع في الأحكام الصادرة، وأمور أخرى تتعرفون عليها من خلال الحلقة التي اتخذت لها عنوانا “قرون من السجن دبرت بليل”.

بسطا لأطوار محاكمة المعتقلين سالفي الذكر، لفت أغناج بداية إلى كون “هيأة الدفاع مكونة من عشرات المحامين في المغرب، سايروا هذا الملف المفتوح الآن أمام محاكم الدار البيضاء منذ إحالته على الشرطة القضائية في الدار البيضاء”، وأضاف مفصلا: “هناك محامون قاموا بزيارة المشتبه فيهم آنذاك بمخافر الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، وتابعوا إجراءات البحث التمهيدي التي وقعت آنذاك، ثم الإحالة على النيابة العامة، ثم الإحالة على قاضي التحقيق. التحقيق استغرق ما يقارب الثلاثة أشهر منذ بداية شهر يونيو 2017 إلى غاية نهاية شهر غشت من نفس السنة”، وتابع مسترسلا: “بعد ذلك كان هناك مسار للمحاكمة استغرق ما يقارب 85 جلسة في هذا الملف، عرفت عدة أطوار ومراحل في إطار الطلبات الأولية والدفوع الشكلية التي تم تقديمها، والتي بتت فيها المحكمة تقريبا في أواخر دجنبر 2017. ثم بعد ذلك انطلق مسلسل الاستماع إلى المتهمين الذي استغرق تقريبا أربعة أشهر، تم فيها الاستماع إلى جميع المتهمين الذين أبدوا وجهات نظرهم بخصوص الوقائع المنسوبة إليهم. وتم الاستماع أيضا إلى ستة وعشرين (26) شاهدا مقسمين ما بين شهود الاتهام وما بين شهود مقدمين من طرف المتهمين”.

وأفصح عضو هيئة دفاع المعتقلين أنه “خلال جميع هذه المراحل تم تسجيل مجموعة من مباعث القلق بخصوص مسار الملف”، معددا بعضا من أوجهها: “فمنذ البداية لم يعرف هذا الملف مسارا عاديا على مستوى المحاكمة، إحالته مثلا على قاضي التحقيق ثم على غرفة الجنايات جاء بناءً على اختصاص استثنائي، فالأصل أن هؤلاء الأشخاص يقيمون بمدينة الحسيمة أو بدائرتها وكان ينبغي أن يعرضوا على القضاء هناك”.

وأضاف عنصرا ثانيا من العناصر التي كانت تبعث في نفوس المحامين القلق من سيرورة عدالة المحاكمة قائلا: “ثم منذ بداية الملف كان هناك مشكل عدم وصول المتهمين أحرارا أمام هيأة المحكمة، بحبس المتهمين في قفص زجاجي يجعل التواصل بينهم وبين دفاعهم، وبينهم وبين عموم الحاضرين، وحتى بينهم وبين المحكمة محكوما بعدة إجراءات”.

زيادة على ذلك “كان هناك مشكل تصوير الجلسات وبثها إلى جهات مجهولة، رغم أن المحكمة قالت إن البث يتم إلى قاعة أخرى لكن الواقع كان يؤكد أن البث كان إلى جهات مجهولة، فالذي كان يقوم بالتصوير في القاعة ليست هي وسائل الإعلام، بما فيها المعتمدة كما جاء في قرار المحكمة، وإنما كان التصوير يتم لفائدة جهات مجهولة” يضيف أغناج في صورة ثالثة تبرز جنوح المحاكمة نحو البعد عن شروط العدالة.

وفي عنصر رابع يبرز هذا الجنوح بجلاء كشف أغناج أنه “كان هناك عدم تواز بين الدفاع وما بين سلطة الاتهام، فتم حرمان الدفاع من الوصول إلى جزء مهم جدا من وثائق الملف التي هي: الوثائق الإلكترونية، التسجيلات الهاتفية، الفيديوهات، التدوينات.. ومجموعة من الأمور التي كانت على دعامة إلكترونية، مُنع الدفاع من التوصل بها والوصول إليها، كما منع من الإدلاء بوسائل الإثبات التي كانت متوفرة لديه، بما فيها الفيديوهات ومجموعة من الأمور التي كان يمكن أن تفيد الملف، وبالتالي كان هناك عدم تواز بين سلطة الاتهام وما بين قدرات الدفاع التي كانت متاحة”.

تأسس على كل هذه المظاهر، التي تعتبر خللا واضحا في مسار المحاكمة العادلة، “وعلى واقع حرمان المتهمين من تقديم شهودهم، وحرمانهم من تناول الكلمة، ومساعدة شهود الطرفين بكل حرية وبشكل متواصل، هو أنه في لحظة من اللحظات أحس المتهمون بأن المحاكمة غير عادلة ولا توفر شروط المحاكمة العادلة، مما اضطرهم حسب البلاغ الذي أصدروه إلى مقاطعة الجلسات والامتناع عن تقديم المزيد من أي دفاع في الملف” يوضح أغناج، ويضيف: “ترتب عن هذا وقوع شرخ أو قطيعة داخل الملف، فالنيابة العامة قدمت وجهة نظرها وبنت على وقائع، دفاع الطرف المدني قدم وجهة نظره وبنى على وقائع، ولكن دفاع المتهمين، والمتهمون أنفسهم، لم يُمَكنوا ولم يستطيعوا أن يقدموا وجهة نظرهم ويبنوا على وقائع. وهو الأمر الذي أثر على الحكم”.

وجوابا عن سؤال حول انعكاسات الأحكام على الشارع المغربي وخصوصا في منطقة الريف، أعلن أغناج أنه من “الصعب أن أقدم تحليلا، لأن هذا لا يدخل في اختصاصي، حول ما يمكن أن يترتب عنه، ولكن يمكن أن أقدم قراءة قانونية”، لخصها في: “لا ننسى بأن هذه المحاكمة تهم احتجاجات سلمية علنية مبنية على مطالب اقتصادية واجتماعية. الذي كان يحاكم في هذه المحاكمة هو الحق في الاحتجاج السلمي، والحق في تنظيم مظاهرات وتجمعات من أجل المطالبة بمطالب أجمع الكل على أنها مشروعة، ثم الحق في حمل اللافتات، الحق في جمع الإمكانيات البسيطة ما بين المعارضين من المتظاهرين من أجل تنظيم هذه المسيرات..”، وأضاف مؤكدا: “هناك مجموعة من الأفعال يقوم بها المحتجون في جميع أنحاء المغرب يوميا، يجمعون مساهمات، يشكلون لجنا، يتصلون بالإعلام، يكون لهم مواقع، تكون لهم منشورات وفيديوهات.. إلخ، فالذي يحاكم في محاكمة الريف هو الحق في الاحتجاج”.

وأبرز أغناج، في معرض كلامه عن رسائل يمكن بعثها لعائلات المعتقلين، بأنه “كمحام؛ ليست لدي علاقة كبيرة بعائلات المعتقلين، لدي علاقة بالمعتقلين، الذي أقوله للمعتقل وربما لعائلته، هو أننا كدفاع متطوع قمنا بواجبنا وسنستمر في القيام به إيمانا منا برسالة العدالة، وبرسالة الدفاع، وبرسالة مهنة المحاماة. ليست هذه المحاكمة الأولى التي نصطدم فيها بمثل هذه الأحكام، وبقضاء لا يريد أن يسمع الحقيقة، وسنستمر في أداء مهمتنا”.

وفي رسالته للقضاء، أحال أغناج على “رسالة وجهها الأستاذ النقيب عبد الرحيم الجامعي”، واعتبر “أنها رسالة جامعة بالنسبة لما توجه به للقضاء”، مشددا على أننا “لا نزال بعيدين عن قضاء مستقل ونزيه ومحايد”.

ولأحرار وحرائر الريف ولكل من رفع صوته ضد الفساد في جميع أنحاء المغرب، وجه أغناج، باعتباره فاعلا حقوقيا، رسالة مفادها أن “المطالبة بالحقوق وبالحريات لا تشكل جريمة، وإذا جرمها القانون فالخلل في القانون لا في المطالبة بالحقوق والحريات”.