فجر 28 يونيو 2010 شاهد على اختطاف سبعة نشطاء من جماعة العدل والإحسان بفاس على يد المخابرات المغربية

أقف متحسرا وأنا أنظر إلى بلدي وما خلفته سياسة الاعورار.. أتمزق ألما لما صار إليه الأمر من انحدار.

شجرة بلدي كسر فروعها فاعلون فساق وفجار.. وقطع جذورها ماسكون بزمام القرار.. فيَبِست، وأصبحت هيكلا قائما لا صورة له ولا ظل، بل عنوانا للبوار…

أتحسر وأنا أرى أشجارا تنمو في إصرار، وتُزهر وتُثمر في ازدهار.. تجاوزت العوائق والأكدار: تركيا، تنزانيا، رواندا، وبالأمس كوريا وسنغافورة وغيرها من الأمصار… لم تكن شيئا يذكر، واليوم تتألق في النماء والإعمار…

 سألت الحفار.. سألت من يمسك بالمنشار.. أأنتما سبب هذا البوار، وما لحق ببلدي من دمار؟؟

أأنتما من جعل شجرة بلدي لا تُرى بين الأشجار؟؟

فأجاب كل منهما في استهتار: أنا مجرد عامل ينفذ القرار..

سألت عن القابض بزمام الأمور من وراء الستار.. فقيل ذاك أخطبوط: يتلوى، يتلون.. سريع الانقباض والانتشار..

سألت عن أناس يزوروننا في كل دورة، يطرقون الأبواب: دارا دار.. عمن تجشموا ذات نهار عناء الأسفار “ليصلوا الرحم” المهمشة في القفار… حيث ينثرون في وجهها معسول الوعود والأشعار.. فقيل هم في الدار المحروسة بين برلماني ومستشار… يتلاومون.. يتغامزون.. وقد يركبهم السُّعار.. ثم ما يلبثوا أن يجتمعوا ليؤشروا.. عفوا، ليصفقوا على القرار.. الآتي من “دار الضمانة”.. دار المقربين “الأبرار”..

سألت عن الثروة في وطني فأُخبرت أن لا مثيل لها في كثير من الديار.. غير أنها رحلت في جنح الظلام، فلا يُرى لها آثار…

سألت عن الرأسمال الحقيقي: عن الشباب.. عن الإنماء فيه والادخار.. فقيل لي: هو ذاك؛ عرضة للضياع والإهدار..

سألت عن الموظف والأستاذ والخبير والإطار.. فقيل لي هم عبيد أسياد الدار… عليهم أن يعيشوا على الفتات ما تعاقب الليل والنهار…

استغربت مشهدا أصبح مألوفا على الطوار… كل يمد يده استجداء بلا قناع أو ستار.. فقيل لي ذاك عنوان المقاومة والاستمرار…

تعجبت من بلد ثمانون بالمائة منه لا يسألون الدولة معاشا أو تعويضا أو تغطية صحية أو راتبا أو أي إجار.. بل يتحملون ضرائبها بالقنطار… غارقين في بطالتهم المقنعة، أو أعمالهم الحرة المحتقرة وما تقطر به من شحيح الدينار…

تواطأ عليك يا وطني حثالة من أهل الدار و”الزوار”.. فأنزلوا بك كل البلايا والأضرار..

حتى إذا ارتفع منسوب الاندحار والانحدار، وادلهمت الآفاق وأظلمت الدنيا، فلا ترى إلا الحكرة والاحتقار.. وفي كل اتجاه وواجهة حمي وطيس الأسعار.. وانكشف جشعٌ يَدَّعي الاستثمار… ثم قام من يصرخ: يا للعار… يا للعار… وُوجه بأنه عدو الاستقرار…

ثم ماذا بعد؟

عشرون سنة سجنا نافذا نصيبك، أيها الحر.. أيّاً كنتَ، في أرض الضِّرار…

ذكرتني باثني عشر شابا قَضَوها وراء الأسوار… فما تنعَّمَت زهرة شبابهم بما تَنعَم به الأزهار..

 ذكرتني بعشر من الظلم والحصار… توالدت فصارت عشرات، هنا وهناك، تُلاحق الأخيار…

 ذكرتني ببيوت شُمّعت، وعيون دَمعت، وهي تُفوّض أمرها إلى الله غير راضية بالذل والصَّغار…

 ذكرتني بسبعة اختُطفوا في جُنح الظلام، دون ذنب أو إثم أو سابق إنذار…

 ذكرتني بمحب لا يزال وراء القضبان يُؤدي ضريبة الوقوف ضد الزور والبهتان ومصنوع الإفك والأوزار…

 ذكرتني بمن جدَّ وكدَّ، حتى إذا أتى أُكله ونضج وراح يُعجب الزراع.. أتته يد الغدر بالترسيب والتشطيب والإعفاء.. كالإعصار…

 ذكرتني بجحافل.. ركبوا الماء.. فلفظتهم أمواج البحار…

 ذكرتني بروح زهقت تحت الأقدام، وسط الزحام، تستجدي حفنة من دقيق فتحول الدقيق في فمها إلى تراب وغبار…

 ذكرتني بمن سامها حامي الحمى العسف والعنف، فأضرمت في جلدها النار…

 ذكرتني بمن رمى بنفسه في حاوية الأزبال.. فكان مصيرَه الطحنُ فِداءً لرزق الصِّغار… ذكرتني بمن قضوا في مناجم الفحم والذهب والفوسفاط والنُّضار..

ذكرتني بمن طُرِدوا وشُرِّدوا، تأمينا لمصالح الكبار…

ذكرتني بسنوات من الرصاص لم تُطو، بل عادت في وضح النهار..

ذكرتني بعشرات الأفكار والطموحات التي اغتيلت في نشوة الظهور والانبهار…

ذكرتني بشعب مقهور، صُودر حقه وأُعدم منذ أول لحظة ظن فيها أنه تخلص من الحماية وأصبح من الأحرار…

ستون عاما ـ يا وطني ـ وأنت تئن تحت وطأة ورثة الاستعمار…

ولما قلتَ: لا .. نعتوك بأبشع الأوصاف، وأذاقوا أبناءك المِرار وصنوف الأقذار…

ولما تحديتَ، وقاطعتَ.. وقلتَ: لا، لا للغلاء الفاحش على حساب الشعب المغوار…

قلتَ: لا، لقهر شعب ضحى بالغالي والنفيس لبناء الدار… قلتَ: لا للتقتير في التعليم والصحة والإعمار… قلتَ: لا للفساد والأضرار.. لا للاحتكار.. لا للاستئثار.. قلتَ: لا للأجور الخيالية في المناصب السامية وفي الاستوزار.. قلتَ: لا للحضوة واستغلال المواقع لنيل الأوطار… يوم قلتَ: لا للجمع بين سلطة المال وسلطة القرار.. وقلتَ: لا لشراء الذمم بالريع، وشراء الفُحش والفجور في موازين بالدولار…

يوم صرختَ بأعلى صوتك وقلتَ: لا، ثم لا.. إلى آخر المسار… أتاك الجواب حينا: عشرون سنة، وأنا لك بالحديد والنار…

فلا تستغرب ـ أيها الشعب ـ مما آل إليه الأمر وصار… فأنت تحت رحمة قوم يَرعَون الفساد، ويعشقون مِلة الاستبداد، ويمقتون سماع صوت غير صوتهم.. فكيف تنتظر منهم الحوار…

فماذا بقي لك أيها الشعب المحتار، إلا أن تصمد مقاطعا باستمرار.. فذاك سلاح الأحرار… أو تندثر وتتلاشى في عالم مَوَّار.. فلا يَقِر لك قرار…

 واللبيب من علمته المحن كيف يختار…