في الحلقة الخامسة من مجالس “شعب الإيمان” يشرح فضيلة الأستاذ محمد عبادي الأحاديث من 69 إلى 75 الواردة في كتاب الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى في الخصلة الأولى: الصحبة والجماعة، الشعبة الثالثة: صحبة المؤمنين وإكرامهم، ويستنبط منها مجموعة من الآداب والسجايا التي حث عليها الشارع الكريم، والتي ينبغي على المؤمن إحياؤها والعمل بها.

الحديث 69:

حول هذا الحديث قال فضيلة الأستاذ عبادي: “أول ما يستوقفنا في هذا الحديث هو الاستئذان، هذه السنة التي ينبغي أن نحييها، لأن ما لم يكن فيه إذن فليس فيه بركة. وهذا سيدنا عمر رضي الله عنه لم يكن مع سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمر جامع حتى يستأذنه، وإنما كان حرا يفعل ما يشاء، ومع ذلك استأذنه في عمل تعبدي فيه طاعة لله سبحانه وتعالى، في أداء عمرة”. ونبه إلى أنه “هكذا كان الصحابة رضي الله سبحانه وتعالى عنهم، كما أخبر عنهم الله سبحانه وتعالى عز وجل، إذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه، إلا المنافقين فكانوا ينصرفون لواذا حتى لا يشعر أحد بهم. والله سبحانه وتعالى أمره بأن يأذن لمن يشاء ويمنع من يشاء، ويستغفر لمن أذن لهم”.

ودعا الأستاذ عبادي إلى ضرورة “أن نحيي هذه السنة في الرباطات واللقاءات والمجالس.. حتى يكون العمل الذي يقوم به الإنسان مباركا”.

ولفت إلى أن سنة الاستئذان تعتبر من خصائص هذه الأمة فـ“أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كانت لا تقوم بأعمالها إلا بإذن؛ الولد يستأذن أبويه.. التلميذ يستأذن شيخه.. المرأة تستأذن زوجها.. والرجل يستأذن زوجته، فالرسول صلى الله عليه وسلم استأذن زوجته لأجل صلاة قيام الليل.. استأذنها ليقبل على الله سبحانه وتعالى عز جل”..

الأمر الثاني الذي يتحدث عنه الحديث، والذي أثاره الأستاذ عبادي هو “الدعاء؛ يستفاد من الحديث أن الفاضل يطلب الدعاء من المفضول، فسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم طلب الدعاء من سيدنا عمر رضي الله تعالى عنه، ودعاؤنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم هو الصلاة عليه”.

“والتماس الدعاء من المؤمنين عامة ومن الصالحين خاصة أمر مشروع ومرغوب فيه ومطلوب، لأن دعاء المؤمن لأخيه المؤمن عن ظهر الغيب يستجاب، وقد ورد في الأثر “ادعوني بألسنة لم تعصوني بها”، لساني أنا عصيت الله سبحانه وتعالى عز وجل في حين لم أعص الله بألسنة إخواني وأخواتي، فإذا دعوا لي فدعاؤهم يكون مظنة الاستجابة”. يضيف فضيلة الداعية عبادي، ويؤكد “ومما يمكن أن يدرج في هذا الأمر هو الدعاء بأدعية القرآن، فالقرآن لسان الحق سبحانه وتعالى عز وجل، وأدعية رسول الله صلى الله عليه وسلم وأدعية الصالحين”.

خصلة أخرى من الخصال النبوية الكريمة استنبطها الأستاذ عبادي من ذات الحديث وهي استعمال “الرسول صيغة التصغير “يا أُخَيَّ” للتحبيب، ففرح سيدنا عمر فرحا كبيرا بهذا الطلب وهذا الإكرام”.

الحديث 70:

وضح فضيلة الأستاذ عبادي بخصوص التركيبة اللغوية للحديث: “ألا أخبركم، أداة استفتاح وتشويق”. وانتقل إلى تبيان معاني الحديث قائلا: “عدّ رسول الله أصنافا وجبت لهم الجنة؛ النبيئون والصديقون والشهداء والمواليد، وهم الصبيان الصغار الذين ماتوا قبل البلوغ لأنهم غير مكلفين بعد”، وأثار -بهذا الخصوص- مسألة خلافية بين العلماء وهي دخول أبناء الكفار في هذا الحكم مبينا أن “الراجح أن الأمر ينطبق على أبناء الكفار أيضا -مع وجود خلاف- لأنهم لم يكلفوا بعد، بدليل قوله تعالى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا، فهم لم تقم عليهم الحجة”. ليتوجه للحضور مواسيا ومهنئا “فهنيئا لمن توفى له أبناء صغار، قدمهم فرطا ليشفعوا له”.

وأيضا ممن استوجب الجنة، حسب ذات الحديث، “الرجل يزور أخاه في مكان بعيد لا يزوره إلا لله، وهذا من الأعمال البسيطة التي توجب الجنة والتي يجب الانتباه إليها والقيام بها لأجل أن يكتبنا الله سبحانه وتعالى من أصحاب الجنة” يضيف الأستاذ عبادي.

ثم انتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الحديث عن صنف الرجال إلى صنف النساء، فمن صفات “المرأة التي من المحقق أن تدخل الجنة” يدل الأستاذ عبادي “الودود، وهي التي تتودد إلى زوجها وتتحبب إليه وتعامله برحمة وحنان وعطف وما يليق بالعلاقة الزوجية. والولود وهي كثيرة الولادة، لأنه في ذلك العهد كان عنصر الرجال يحصده الجهاد، فكانت الأمة مطالبة بكثرة الولادة لتكثير أعداد المسلمين لأجل نصرة دين الله سبحانه وتعالى، وأيضا لتكثير سواد الأمة يوم القيامة “تناكحوا تناسلوا فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة”..”.

ويزيد الأستاذ عبادي مجليا خصال المرأة التي توجب الجنة “أنها إذا غضبت، ولا بد في الحياة الزوجية من وجود خصام واختلاف لأسباب متعددة، فعليها أن تصبر وتتحمل حتى لو كانت مظلومة، فعليها أن تسامح زوجها ولا تنام حتى يرضى”. ليتساءل “وهل هذا الموقف مطلوب من المرأة وحدها أم أن الرجل أيضا ينبغي أن يقوم بنفس الأمر؟”، وللإجابة عن هذا السؤال ساق الأستاذ عبادي قصة “سيدنا أبا الدرداء رضي الله تعالى عنه حين قال لزوجته: إذا رأيتني غضبت رضِّني وإذا رأيتكِ غضبت أرضِّيك وإلا لم نصطحبا”، ليستنبط من قول الصحابي الجليل أن “هذا خلق ينبغي أن يتصف به المرأة والرجل على السواء”.

الحديث 71:

المنادي المقصود في الحديث هو الملَك، يوضح الأستاذ عبادي، ويكمل شرحه: “طِبتَ خبر الغاية منه الدعاء رجاء أن يتحقق هذا الدعاء، ويعيش الإنسان الحياة الطيبة في سلوكه وأخلاقه ومعاملاته، وفي مأكولاته ومشروباته.. لأن الطيب ضد الخبيث وضد الحرام “إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا”، والجنة أرض طيبة طاهرة لا تقبل إلا الطيبين الطاهرين. وطاب ممشاك دعاء أن تسلك طريق الطيبين، أهل الصلاح والخير، وهي التي تفضي إلى معرفة الله سبحانه وتعالى ورضوانه.

والقرى أول ما يقدم للضيف، فالله سبحانه وتعالى يتكفل بإكرام الأخ الذي زار أخاه فيه، وإكرامه عز وجل يكون بأن يدخله الجنة.. فأي كرم هذا وأي قرى هذا؟”.

الحديث 72:

هذا الحديث يحمل نفس معنى سابقه مع زيادة عيادة المريض، يبين الأستاذ عبادي، ويضيف: “وهي عيادة وزيارة لله “عبدي مرضت فلم تعدني..”. وهذه عادات منسية، فالإنسان يزور المرضى من أقاربه، لكن أن يذهب للمستشفى ليزور المرضى ولو لم يكونوا من الأقارب فهذا لا يلتفت له”. ويذكّر بأن “هذه سُنة كان يقوم بها الإخوة في بداية الدعوة”، دالا على أبواب الخير التي تفتحها هذه الزيارة: “عيادة المريض فيها أجر عظيم يذكرهم الإنسان بالله عز وجل، ويدلهم على الأحكام الفقهية الخاصة بالمرضى، ويذكرهم بأن الصلاة واجبة لا تسقط على الإنسان ما دام في حالة وعي..”.

الحديث 73:

في هذا الحديث يخبر الأستاذ عبادي أن “رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي القدوة من نفسه”، حيث “زار أهل بيت من الأنصار لله سبحانه وتعالى عز وجل فطعم عندهم طعاما، إما أكل أو ذاق فالكلمة استعملت في القرآن بالمعنيين.. فلما أراد أن يخرج نضح له على بساط، بمعنى رش أو صب عليه الماء كي يصير لينا حتى يصلي عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصلى عليه ودعا لهم”.

وأرشد فضيلة الأستاذ عبادي إلى أن “هذه من آداب الزيارة، فالزيارة لله يجب أن يقضى وقتها لله ذكرا لله وقراءة قرآن وصلاة نافلة، فهذه أمور مستحبة اتباعا وإحياء للسنة النبوية، والسنة كذلك أن يكون في كل دار مكان للصلاة، يكون بمثابة مسجد في الدار، يعامل معاملة المسجد فيجمر ويطيب وينظف ويخصص للصلاة فقط “صلوا في بيوتكم ولا تتخذوها قبورا”، فالنوافل كلها يستحب أن تكون في البيت، أما الفرائض فلابد أن تؤدى حيث أمر الله سبحانه وتعالى”.

“يستفاد من الحديث كذلك أن الأمير أو السيد أو الرئيس أو الفاضل لا ينبغي أن يترفع عن الناس، بل ينبغي أن يتفقدهم ويزورهم وأن يواسيهم” يضيف الأستاذ عبادي مستقرئا، ويزيد “ويستنبط من الحديث أيضا الدعاء لأهل الدار لأنهم أكرمونا باستقبالهم وبإطعامهم لنا، وأيضا إكرام الضيف بما تيسر ودون تكلف سنة ينبغي أن تحيا، وهذه سنة سيدنا إبراهيم عليه السلام”.

الحديث 74:

جاء في الحديث “وسادة من أدم حشوها ليف”، و“الأدم الجلد المدبوغ، والليف أوراق النخل”، يفسر الأستاذ عبادي، ويسترسل شارحا: “الوسادة هي إما للاتكاء أو الجلوس، فسيدنا عبد الله بن عمر لم يستعملها وبقيت بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، والحديث يدل على إكرام الزائر، فإلقاء الوسادة من أوجه الإكرام، دخل عدي بن حاتم الطائي على الرسول صلى الله عليه وسلم فألقى له رداءه ليجلس عليه وهو لم يسلم بعد إكراما للضيف”. ونوه بحال المسلمين اليوم في معاملة ضيوفهم قائلا: “الحمد لله المسلمون لا يزالون على هذه السن،ة فيضعون بين يدي الزائر أفضل ما عندهم من الطعام ومن الشراب ومن الفراش..”.

ولفت الأستاذ عبادي إلى أمر مهم في الحديث وهو كون سيدنا عبد الله بن عمر لم يقعد على الوسادة، متسائلا: “هل ينبغي رد مكرمة المكرم؟” ليجيب موجها: “يمكن أن لا يقبل الإنسان كرامة أخيه إذا لم يسبب له حرجا أو لم يتأثر بذلك الرفض، أما إن خشي أن يبقى في قلبه شيء ما فلابد أن يقبل كرامة أخيه، والأصل أن يقبل المؤمن كرامة أخيه”.

الحديث 75:

يفسر الأستاذ عبادي القول الذي جاء في الحديث “ليس من أحمد ولا من إبراهيم عليهما السلام”، بكون “سيدنا إبراهيم يضرب به المثال في إكرام الضيف، ورسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك، والمعنى أنه لا علاقة له بسنة سيدنا محمد ولا سيدنا إبراهيم فليبحث عمن ينتسب إليه..” والمقصود هنا من لم يكرم ضيفه.

وأنهى فضيلة الداعية الأستاذ محمد عبادي مجلسه هذا بالدلالة على حكم إكرام الضيف في الشرع، قائلا: “الواجب في إكرام الضيف إن مرَّ بكَ يوم وليلة، أو إذا قصدك قصدا فحق ضيافته ثلاثة أيام، وما فوق ذلك يعتبر صدقة”.

وعما إذا كان هذا الحكم ينطبق على كل الناس أم على أهل البادية فقط، أرشد الأستاذ عبادي أن الأمر في المدن أخف منه في القرى، على اعتبار أن المدن توجد بها فنادق، وأماكن للأكل.. في حين “يجب على أهل القرى أن يكرموا الضيوف إذا قصدوهم قصدا، ولا ينبغي للمضاف أن يبقى مع المستضيف حتى يحرجه”.

والخلاصة، كما بصَّر الأستاذ عبادي، أن “إكرام الضيف سنة نبوية ينبغي أن نحييها”.

وختم الأستاذ عبادي بالتضرع إلى الله “سبحانه وتعالى عز وجل أن يجعلنا من أهل الكرم، وأن يكرمنا بما هو أهله، هُوَ أَهْلُ التَّقْوَىٰ وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ.