لقد عُرِفَت الأقطار العربية، منذ مدة ليست بالقصيرة، بانتمائها إلى حظيرة الدول المتخلفة، رغم ما تزخر به من ثروات، والتي هي بشكل أوبآخر، عصب “تقدم” دول الصف الأول أوالثاني المتمركزة أساسا شمال الكرة الأرضية.

 فلا آبار النفط التي تسبح فيها الأراضي خولت لها ريادية التصنيع العالمي، ولا فتوة الخريطة الديموغرافية التي تؤمن السواعد أعطتها آليات بناء الدولة والمجتمع، بل بالعكس تماما، بقيت سمة التخلف هذه وما يعنيه من جوع وجهل ومرض وبطالة لصيقة بمجتمعات لها من الإمكانيات ما يجعلها تساعد غيرها من الدول في محاربة كل هذه الأعراض.

 هذا الأمر يضعنا أمام تصور آخر لماهية التخلف الذي تعانيه هذه البلدان، هل هوحقيقة جوعوجهل ومرض وبطالة؟ أم أن هذه كلها ما هي إلا نتاج وانعكاس لصورة التخلف الحقيقي على مستوى تدبير الشأن السياسي وتوزيع الموارد الاقتصادية داخل كل قطر قطر.

 لكن كيف يمكننا القفز نحوهذه النتيجة أوالجزم بها دونما أدنى تردد، في الوقت الذي يكون فيه أمر التخلف هذا ذا صلات عديدة بالمجتمع والفرد والوعي والجغرافيا والدين والسياسة وغيرها…

 إن استمرار هذا الوجود في حظيرة الدول المتخلفة وعلى مدى من الزمن، وفي وقت لا تمر فيه عشر سنوات إلا ويتم الحديث عن إجراء إصلاح “جدي وشامل ” يمس أسس وبنيات المجتمع من دستور وتعليم ومؤسسات وغيرها…لا يحيلنا فقط على هذه النتيجة، بل ويجعلنا نشكك في النيات المؤطرة لهذه الإصلاحات.

 بعبارة أخرى البحث عن المستفيد الحقيقي من إبقاء الحالة أو إبقاء النسق المتحكم والذي هو نفسه المؤطر لهذه للإصلاحات، أي بقاء ترسانته الفكرية التنظيرية والتنظيمية والتنفيذية والتي تنعكس بشكل مباشر على سيرورة هذا الإصلاح، ليصبح اجترارا رخيصا لكل ما هو قائم، ودونما أدنى التفات إلى التحولات التي يعرفها ويفرضها العالم من حولنا، بل وحاجة البلد والعباد إلى العدل والحياة الكريمة، فتكون النتيجة توالي الإخفاقات باطراد تام مع توالي الإصلاحات/الترقيعات.

 إن تعدد الكتابات في ما توحي به السطور أعلاه من علاقة بين الأنساق السياسية المتحكمة ونتائج الإصلاحات المعلن عنها بين الفينة والأخرى، وما أنتجه من تضارب حول رجحية آلية الانعتاق، أهو إصلاح تقني بسيط لا يمس الهياكل، أم الهياكل نفسها من يحتاج إلى إصلاح، بله التغيير؟الشيء الذي يدفعنا، حقيقة، للحديث عن بنية الأنظمة العربية، والنظام المغربي على وجه التحديد وعلاقته بالتطورات على المستوى العالمي من جهة، والإصلاحات الداخلية من جهة أخرى.

 يمكن الحديث عن صنفين من الدراسات التي تتحدث عن النسق السياسي للنظام المغربي:

الأولى عبارة عن: دراسة سوسيو-سياسية تحاول فك لغز تعايش التقليد والحداثة داخله، أي علاقة التاريخي بالحداثي بالديني فيه، وكيف استطاع هذا النظام عبر توالي السنوات، منذ الاستقلال إلى الآن، التحرك داخل الحقول الثلاثة، عبر تبني الصورة الحداثية للأنظمة الديمقراطية شكلا؛ لكن في المقابل ترسيخ حقل التقليد مضمونا، إضافة إلى الحضور المكثف للرموز الدينية وما تستتبعه من تجميع للسلطات المنصوص على استقلالها دستوريا .

 ثم ومن جهة أخرى: انعكاسات كل ذلك على شكل وطريقة خلق النخب ، وتكوين، واستعمال الأحزاب السياسية، التي تتحول إلى باحث عن الوظائف، خادم للسلطة، عوض المنافسة عليها والبحث عن “تملكها”.

 أما الثانية فهي تلك التي تتحدث عن الخصوصية المخزنية للنظام المغربي أي صفته التقليدية شكلا ومضمونا، فالمخزن وهو يتماهى مع مجموع أجهزة الدولة وأشخاصها والعقليات اللامرئية المتحكمة فيها وفي المجتمع. ثم أساليبه وآلياته، علاوة على خلقه للتمثلات، وترسيخها في الذهنية والنفسية الشعبيتين.

 من خلال كل ذلك يحافظ على طريقة اشتغاله واختياره للموالين واستقطاب العائلات والأعيان ثم الإغداق عليهم بالامتيازات والوظائف، في مقابل بذلهم النفس والنفيس في سبيل إقامة وترسيخ كل الرموز والايالات السلطانية عبر الزمان والمكان. فقط تبقى قاعدة “اللي دارها المخزن هي اللي كاينة”، قائمة.

 إن هذا الصمود في دائرة التقليد سينعكس بشكل مباشر على مسار الإصلاح سواء على المستوى السياسي أوالمجتمعي من تعليم واقتصاد وغيره، إذ يكفي أن نقر بانتماء كل خطط الإصلاح إلى النسق الموصوف أعلاه، سواء من خلال الخبراء الذين أنجزوه أوالخطط والإستراتيجيات التي تمخضت عنه، لنتصور التناقض الصارخ بينه وبين المشاكل المرصود لحلها.