أجرى موقع الجماعة نت حوارا مستفيضا مع الأكاديمي والأستاذ الجامعي الدكتور أحمد بوعود، تناول موضوع “المشترك الإنساني عند الإمام عبد السلام ياسين”.

الباحث المغربي بوعود، وهو حاصل على دكتوراه في الفلسفة تخصص فلسفة الدين، وعلى دكتوراه في الدراسات الإسلامية تخصص الفكر الإسلامي، وصدرت له مجموعة من المؤلفات، منها: “الإنسان في القرآن، دراسة فلسفية مقارنة”، و”الظاهرة القرآنية عند محمد أركون، تحليل ونقد”، و”مفهوم الجاهلية وعلاقته بالتكفير، دراسة تقويمية”، و”مقاصد الشريعة من النظر إلى السلوك”. يغوص بنا في هذا الحوار في الأصول النظرية للمشترك الإنساني عند الإمام المجدد عبد السلام ياسين، وخصوصايته بالنظر إلى المشاريع المطروحة، والعقبات المعرفية والواقعية التي تعترض بناء هذا المشترك، ودور حقوق الإنسان والدين في توسيع مساحة المشترك الإنساني. 

فيما يلي نص الحوار.

1- كيف مكنت سعة اطلاع الإمام المجدد عبد السلام ياسين على المدارس الفكرية الغربية والمدارس الفكرية الإسلامية من طرح موضوع المشترك الإنساني بالعمق والإحاطة اللازمين؟

قبل الحديث عن اطلاع الإمام رحمه الله على المدارس الفكرية الغربية والإسلامية تجدر الإشارة إلى أنه تمكن من فهم القرآن الكريم فهما يعطي لمعانيه دلالات تنسجم مع مقاصده الكبرى، ولا يمكن الحديث عن بناء المشترك الإنساني في غياب هذه المقاصد القرآنية الكبرى. وهذا ما تجلى في النموذج الكامل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم والذي خاطبه القرآن الكريم ))  وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ (القلم: 4)، فضلا عن الآية المؤطرة لهذا المشترك الإنساني: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ‌ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَ‌فُوا ۚ إِنَّ أَكْرَ‌مَكُمْ عِندَ اللَّـهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّـهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ‌ (الحجرات: 13). فالأصل في الإنسانية هو التعارف وليس الاختلاف والتنافر.

إضافة إلى القرآن الكريم نجد الإمام رحمه الله متشبثا بالسنة الشريفة حريصا كل الحرص على اتباعها وتمثلها، كيف لا وهي الترجمة العملية للقرآن الكريم، فالنبي محمد صلى الله عليه وسلم كما تصف أمنا عائشة رضي الله عنها: “كَانَ خُلُقَه القُرآنَ” وفيه تجلى فكان بحق كما يقول ابن عربي أكمل الكمل. ومن منطلق الرحمة التي تضمنتها الآية الكريمة: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ (الأنبياء: 107)كان سلوكه مع العالمين، مؤمنهم وكافرهم؛ ذلك أن المقصود بالعامين هم بنو آدم عليه السلام. ولعله لن نبالغ إذا قلنا إن المشترك الإنساني يحكمه مبدأ الرحمة أولا. واقتداءً بسنة الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم نجد الإمام رحمه الله يشرح قول النبي صلى الله عليه وسلم: “لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ” أن المقصود بالأخوة هنا الأخوةُ في الإنسانية.

إن هذين الأصلين يشكلان الأرض الصلبة للمشترك الإنساني في تصور الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله، دون أن نغفل حياة السلف الذين أدركوا  معاني هذه الرحمة ومقاصد القرآن الكريم، وهكذا نجد الإمام يستعير وصف ابن القيم للصحابة رضي الله عنهم بأنهم كانوا يعلمون أسباب التنزيل، ومقاصد الشريعة العامة، وعادات العرب في أقوالها وأفعالها وأحوالها، ودخائل العدو الذي كانوا يجاهدونه، ومراتب التكليف من واجب الفعل أو الترك فما دونه.

واليوم، كثر الحديث عن بناء مشترك إنساني، لكن في غياب هذه المعاني والأصول المؤطرة لا يمكن لهذا المشترك أن يؤتي أكله؛ ذلك أنه مهما وضعنا من قواعد فإننا لن نكون بمأمن عن تداخل المصالح وتضاربها وطغيان حظوظ النفس والأنانية فينهدم ما بنينا. وعليه، فإن هذا المشترك الإنساني ينبغي أن يكون سلوكا أصيلا في الإنسان، نابعا من فطرته، وبالنسبة للمسلم يستقي من معين القرآن الكريم والسنة النبوية وسلوك الصحابة رضوان الله عليهم.

ويمكن القول إن الأصول التي تحدثنا عنها آنفا غذاها الإمام رحمه الله بسعة الاطلاع على المدارس الفكرية المختلفة، إذ نجد الإمام رحمه الله يعرض أطروحات هذه المدارس على تلك الأصول شارحا ناقدا مطورا. وعندما نتحدث عن المدارس الفكرية الغربية فإنه لا يغيب عن ذهننا أنها تدور حول “الإنسان”؛ فالفكر الغربي ولد من رحم صراع العلم والكنيسة التي شوهت صورة الإنسان وآدميته فأنتجت إنسانا متشائما ضعيفا خائفا كما يوضح الفيلسوف جاك لوغوف. لكن هذه النهضة الإنسانية لم تكن لتبني مشتركا إنسانيا رغم إعلائها من قيمة الإنسان، مطلق الإنسان، ولكن أفرزت إنسانا ذا بعد فردي أناني. ولعل قيام الثورة الفرنسية (1789) بشعار الحرية الإخاء المساواة كان من أجل محاربة هذه النزع الفردية والأنانية. لكن بسبب غياب القيم المؤطرة والأصول البانية نجد الفيلسوف الوضعي أوغست كومت (1850) بعد حوالي قرن يصرخ مناديا بضرورة محاربة هذه النزعة الفردية والأنانية وكأن شيئا لم يتحقق بعد قيام الثورة الفرنسية. (ولن نغوص هنا في طبيعة هذه الثورة وكيف تعاملت مع الإنسان والكرامة الإنسانية فإن الحديث يطول). فقد أعلن كومت محاولا إعادة بناء الوعي الغربي أن الإنسان ينتمي إلى الإنسانية وأنه يستقي من خيراتها ليؤكد أن علاقة الإنسان بأخيه الإنسان ينبغي أن تسودها الغيرية وليس الأنانية.

نعم، لا يمكن أن ننكر هنا على المستوى النظري أطروحات كثير من المفكرين الغربيين التي حاولت التقعيد لهذا المشترك الإنساني، منادية بضرورة العقل والحرية والحق والتسامح… إن الإمام رحمه الله رجل خبر الفكر الإنساني وألم بجميع تياراته ومذاهبه، فضلا عن التجارب الإنسانية الكبرى في السياسة والاجتماع والاقتصاد. وهذا الأمر واضح في كتبه، يستحضر منه ما تدعو الحاجة إليه ويستفيد منه ما دام لا يصادم الفطرة الإنسانية.

أما فيما يخص الفكر الإسلامي فإننا يمكن أن نلخص سعة اطلاع الإمام رحمه الله في قراءته النقدية الفاحصة للتراث وكذلك للواقع الإسلامي، وذلك حين نجده يعلق على كثير من المفاهيم المرتبطة بالمشترك الإنساني، كما هو الشأن بالنسبة لتقسيم الفقهاء دار حرب/دار سلم، دار إيمان/دار كفر وغير ذلك، وكذلك بالنسبة لبعض الفتاوى الفقهية التي لا تنسجم مع قيام مشترك إنساني، فضلا عن تعليقه على بعض الأحداث التاريخية ونقده لها.

ومن جهة أخرى، يشيد بقيم الرحمة والتعارف والتعاون التي حفلت بها كتب العلماء المسلمين في مختلف مجالات المعرفة.

2- ما هو الحد الفاصل – في معالجة الإمام المجدد لهذه القضية – بين خصوصيات المشروع الإسلامي وثوابته وبين خصوصيات غيره من المشاريع وثوابتها؟

إن الحديث عن المشترك الإنساني عند الإمام رحمه الله لا يمكن فصله عن الأصول السابق ذكرها، وهي بمثابة الحدود الفاصلة بين التصور الإسلامي للمشترك الإنساني وبين غيره من التصورات. وهنا يجب توضيح أن الإمام رحمه الله ليس بصدد التنقيص من هذه التصورات، بل يقدرها ما دامت تقصد مد الجسور بين مختلف بني البشر أيا كان لونهم أو عرقهم أو دينهم. لكن تجدر الإشارة إلى أن الأصول الفلسفية التي يبنى عليها المشترك الإنساني في التصورات الأخرى هي أصول مادية عقلانية مقطوعة عن الوحي، وبالتالي صار هذا المشترك مهددا بطغيان المصلحة وتلونها بلونها، بينما تصور الإمام، أو التصور الإسلامي، يجعل من المشترك الإنساني مسؤولية وواجبا يجازى عنه من عند الله. وهذا ما نجده يتحدث عنه مثلا في كتاب “إمامة الأمة” موضحا مهام الأمة الإسلامية تجاه المستضعفين في الأرض، وهم بنو الإنسان، حيثما كانوا، من كان منهم يعيش في بلاد الاستكبار أو في دار الإذلال والاستعمار والإفقار، وهذا أسمى مقصد للمشترك الإنساني.

3- ما هي أهم العقبات المعرفية والواقعية التي تُضَيِّقُ مساحة المشترك الإنساني من وجهة نظر الإمام المجدد؟

إن بناء مشترك إنساني، رغم كثرة الدعوات إليه، لا يمكن أن يتحقق بين عشية وضحاها، وذلك لوجود مجموعة من العقبات التي منها ما هو متعلق بالمسلمين ومنها ما هو متعلق بغيرهم. فأما ما يتعلق بالمسلمين فيمكن أن نذكر هنا طبيعة أنظمة الحكم في العالم الإسلامي التي تقيد الإرادات وتضيق حريات التحرك نحو الآخر، فضلا عن الهموم السياسية والمشكلات الاقتصادية الداخلية؛ فبدل الانطلاق لبناء هذا المشترك يبقى الإنسان المسلم منشغلا بما هو ذاتي، رغم ما يمكن التنظير له أدبيا وفلسفيا. أضف إلى ذلك غياب تربية نبوية للإنسان المسلم في هذه المجتمعات التي يصفها الإمام رحمه الله بالمجتمعات المفتونة حيث اختلط الحق بالباطل. والحديث عن التربية النبوية يبدو ضرورة ملحة حين نبحث في التراث الإسلامي الذي نجد فيه مثلا أن آيات التعامل مع الكفار منسوخة بآيات القتال، رغم غياب الدليل الواضح لهذا النسخ… لذا، فإن التراث الإسلامي بتأويلاته وفتاويه يشكل عقبة أمام هذا المشترك الإنساني، ولا حل لذلك إلا بتنقيته ونقده بعيون السنة النبوية والمقاصد القرآنية.

ثم إن غياب الهم الدعوي الرسالي للإنسان المسلم المعاصر يشكل أيضا عقبة أمام بناء المشترك الإنساني؛ لأنه يوقعنا في العزلة والأنانية في الوقت الذي نحن فيه مأمورون بالانفتاح والمبادرة مسترشدين بهذا المقصد الأسمى والأسنى. وهنا نستحضر قوله رحمه الله في كتاب مقدمات في المنهاج: “رسالتنا لأنفسنا وللعالم أن يكون الله غاية كل فرد من العباد”. إن الوعي بهذه الرسالة يكفي أن يكون حافزا لمد الجسور مع الناس؛ ذلك أن المشترك الإنساني في تصور الإمام رحمه الله ليس غاية في ذاته، وإنما هو من صميم المهمة الرسالية الدعوية القرآنية النبوية. ولعل في قصة الغلام اليهودي الذي كان يخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم خير مثال على هذا، فلما َمَرِضَ، َأَتَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُه، فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَقَالَ لَهُ: “أَسْلِمْ”! فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهُوَ عِنْدَهُ، فَقَالَ لَهُ: “أطِعْ أَبَا الْقَاسِمِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ”. فَأَسْلَمَ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقُولُ: “الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنْ النَّارِ”. وهكذا لا بد من تربية الإنسان المسلم وتعليمه بهدف الانخراط في هذا المشترك والمبادرة إلى بنائه من منطلق الأمر القرآني والسلوك المنهاجي.

من جهة الغرب، هناك أيضا عقبات لا تقل خطورة، منها مثلا تغوّل الاستكبار الذي يوظف إعلامه لاتخاذ مواقف عدائية تجاه العالم الإسلامي، وهذه النظرة ليست وليدة اليوم، بل هي وليدة قرون أحدثت نفورا من المسلمين. واليوم تطورت هذه النظرة بتطور العلوم الإنسانية ومناهج البحث وتطور التكنولوجيا فصار الاستكبار يوظف مثقفين ومفكرين خبراء بمراكز الأبحاث والدراسات غايتها تصريف مواقف الاستكبار العالمي وتبرير مواقف الدول العظمى تجاه كثير من القضايا، كما هو الشأن بالنسبة للمثقفين الأمريكيين الستين (منهم صمويل هنتنغتون) الذين وقعوا بيانا صادرا عن معهد القيم الأمريكية في فبراير 2002 بعنوان “على أي أساس نقاتل” يبررون فيه الحرب التي شنتها أمريكا عقب أحداث 11 سبتمبر 2001.

ومما له صلة بهذا الموضوع موقف الغرب من قضية فلسطين التي تعتبر بالنسبة للمسلمين القضية المركزية الأولى؛ فهذا الموقف يورث لدى أبناء المسلمين موقفا سلبيا بغيضا من الغرب لأنه يتواطأ مع قتلة المسلمين بفلسطين، فلو كان الغرب جادا في بناء مشترك إنساني لما ساند قتلة الفلسطينيين ومحاصريهم.

لكن، رغم هذا، فلا يمكن أن ننكر مواقف ذوي المروءات في الغرب من كثير من قضايا المسلمين، خاصة أولئك الذين يعملون ضمن جمعيات غير حكومية همهم مد الجسور بينهم وبين غيرهم في العالم، فمثل هؤلاء يدعو الإمام رحمه الله إلى التواصل معهم والتعاون لأنهم نظراؤنا في الخلق كما يصفهم.

4- هل يستطيع طرح الإمام، وهو يحاور الغرب، أن يوسع من مجال المشترك الإنساني معه، مع ما وجهه من سهام النقد لتوجهات الفكر الغربي في مجالات الفكر والفلسفة وعلم النفس وعلم الاجتماع والاقتصاد والتاريخ؟

كان الإمام رحمه الله مهموما بالإنسان ومصيره، ومن هذا المنطلق كان يضع الفكر الإنساني كله فوق منضدة التشريح فيتناوله بكل موضوعية ومن غير تشنج مستفيدا ومعقبا، فتراه يثني على فكر ما أو موقف بخصوص قضية ما، وينتقد ما لا يتفق معه مبينا نواحي القصور معللا بعيدا عن التعصب الأعمى. وهنا لا بد أن نشير إلى أن نقد الفكر الغربي في مجالات السياسة والفلسفة والاجتماع وغير ذلك يسلكه الغربيون أنفسهم، فالعديد منهم غير راضين عما آل إليه الفكر الغربي، فتجدهم ينتقدون الحداثة والعقلانية، كما تذهب إلى ذلك عالمة الأديان البريطانية كارين أرمسترونغ في أكثر من كتاب، وكما عبر غيرُ واحد عن خراب الفكر الغربي وخوائه ووصوله إلى الباب المسدود. وتحضرني هنا قصيدة الشاعر ت.إس. إليوت التي تحمل عنوان “أرض اليباب” حيث يكشف عقم الحياة المعاصرة واستلابها وسأمها وعدميتها وخرافتها وأنانيتها ويأسها، كما يبرز صور الانحلال الروحي للفكر الغربي. وهناك كثيرون كتبوا في الموضوع يدقون ناقوس الخطر الذي صار يتهدد الحضارة الغربية برمتها…

من هنا، فلا أرى أن النقد عائق أو حاجز أمام بناء المشترك الإنساني، بل على العكس من ذلك قد يكون عامل تطوير له وتوسيع لأفقه. هذا من جهة. ومن جهة أخرى، فإن الإمام رحمه الله عندما يتحدث عن المشترك الإنساني فإنه يتحدث مخاطبا الفطرة الإنسانية؛ فهذه الفطرة (السليمة طبعا) لا يمكنها إلا أن تتفق مع حب العدل والخير والفضيلة والتعاون وغير ذلك. وهنا نجد الإمام رحمه الله يؤكد مسيس الحاجة إلى تصحيح الفطرة الإنسانية التي تُلوَّث بالماديات التي أُغرقت فيها حتى صار الإنسان يصرخ أن لا وقت له ليستجيب لنداء الفطرة بحكم الجري المستمر والسريع وراء الدنيا والماديات، فلا يفكر في نفسه أحرى أن يفكر في أخيه الإنسان.

 5- يعتبر مجال حقوق الإنسان من أهم المجالات التي تتسع فيها المساحة الإنسانية المشتركة بين بني البشر بمختلف مشاربهم وإيديولوجياتهم وأديانهم، كيف عالج الإمام ياسين هذه النقطة وهل وضع لها من حدود تسيجها؟

تحرير الإنسان من عبودية العباد ورفع الظلم عنه غاية أسمى جاءت من أجلها رسالة الإسلام. وهذا ما ينبغي تبليغه للعالمين. يقول الله سبحانه وتعالى: وَلَقَدْ كَرمْنا بَني آدَمَ وَحَمَلْنَاهُم في الْبَر والبَحْر وَرَزَقْنَاهُم ِّمنَ الطيبات وَفَضَلْنَاهُم على كَثير مِمَّن خَلَقْنا تَفْضيـلاً  (الإسراء: 70).

ولعل الحديث عن المشترك الإنساني يتصل مباشرة بالحديث عن حقوق الإنسان. وهكذا فالإمام رحمه الله يرى أن هذا المجال مجال خصب للتعاون مع الآخرين، بل يعتبر الدفاع المخلص عن حقوق الإنسان شغلة خلقية رفيعة يبذل فيها الفاضلون من غير ديننا الجهود المحمودة. هذا أمر واقع لا ينال منه تنكر الساسة المحترفين ولا ينبغي أن نتردد في التعاون المخلص مع نداء الضمير الإنساني الرائع الذي يدفع الجمعيات غير الحكومية عند نظرائنا في الخلق للتضحيات المشكورة، ما لم يتعارض ذلك النشاط الإنساني مع أصل من أصول ديننا، كما يوضح ذلك في كتاب “العدل الإسلاميون والحكم”.

كما أن الإمام رحمه الله يشيد بما كان يسمى بحلف الفضول الذي تعاهد فيه الناس وتعاقدوا أن لا يجدوا بمكة مظلوما من أهلها وغيرهم ممن دخلها من سائر الناس إلا قاموا معه وكانوا على من ظلمه حنى ترد عليه مظلمته. ويصفه بأنه حلف للفضائل والمروءة يحمى بمقتضاه الضعيف والغريب.

وهذا النوع من العقود نجده حاضرا في مختلف معاهدات النبي صلى الله عليه وسلم كما في وثيقة المدينة.

وتجدر الإشارة إلى أن الحديث عن حقوق الإنسان ومكانته في المشترك الإنساني لا ينبغي أن ينسينا في أمرين:

الأول: أن أول حق ينبغي أن يكفل للإنسان، كما يلح على ذلك الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله، في كتاب “الإسلام والحداثة”، هو حقه في معرفة خالقه استجابة للفطرة الإنسانية.

الثاني: إن الحديث عن حقوق الإنسان في العالم الغربي، خاصة في الدوائر الحكومية، يقتضي التساؤل عن ماهية هذا الإنسان، هل هو أي إنسان؟ أم فقط الإنسان الذي لا يمس بمكانة الاستكبار الغربي ومصالحه؟ والجواب واضح في الموقف من العديد من القضايا الإنسانية والإسلامية كالقضية الفلسطينية التي سبق الحديث عنها.

6- تشكل الرؤية للدين وحجم حضوره في الفضاء العام واحدة من نقاط الخلاف بين التصور الإسلامي والعلماني، ماذا يقترح الإمام لتجاوز هذه النقطة الخلافية؟

إن فهم علاقة العلمانية بالدين في العالم الإسلامي يقتضي فهم ذاك الصراع الذي كان بين الدين والسياسة في الغرب بدءا بما سمي بعصر النهضة إلى عصرنا هذا الذي سماه كثير من الفلاسفة بأنه زمن العودة إلى الدين، وكيف أن هذه العلمانية جعلت العقل حاكما ومرشدا، فدعت إلى الفصل بين الدين والسياسة. لذا فإن العلمانيين في بلادنا الإسلامية هم أهل عقل ينبذون النقل. ولا يحكمون إلا بمعيار العقل والعقلانية. ومعنى هذا أن تكون مرتهنا إلى واجبات عقلانية، ومحاذير عقلانية، ومباحات عقلانية.

وهنا يجدر التنبيه إلى لبس بخصوص العقلانية، حيث نجد أنفسنا أمام مفهومين: Rationalité وهي عقلانية بمثابة منهج علمي للفهم والتفكير، وRationalisme وهي بمثابة إيديولوجيا الإلحاد واللادينية والتي لا تؤمن إلا بالعقل، ولا وصاية إلا وصاية العقل.

وعندما نتحدث عن عقلانية العلمانية فإن المقصود هو هذا المعنى الأخير، وهذا هو الذي يجر العلمانيين في العالم الإسلامي إلى عدم التمييز بين شرع الله المنزل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وبين اجتهادات المجتهدين وفقه الفقهاء وخطإ البشر في الفهم عن الله ورسوله وفي تنفيذ ما أمر الله به ورسوله.

كما أن كثيرين منهم ينصبون أنفسهم مجتهدين من منطلق خلود الشريعة ودورانها حول المصلحة. والمصلحة في تصورهم إنما يضمنها العقل المتصرف على ضوء المكتسبات الإنسانية المتطورة في ميادين القانون والاجتماع والاقتصاد والسياسة. والإشكال عندهم هو كيف لنصوص عمرها أربعة عشر قرنا أن تستجيب لمستجدات هذا العصر ومشاكله؟

لكن الإمام رحمه الله يرد بأن “الشريعة هي المصلحة وفي حدودها يجتهد العقل”، وأي مصلحة عارضت نصا أو مقصدا فلا تعتبر.

من هنا يلح الإمام رحمه الله أنه يجب أن لا نخاف اليوم وغدا بحول الله مقارنة الآراء فيما بيننا وبين اللاييكيين أنصار العقل المعاشي ضامن المصلحة في اعتقادهم، كما يجب أن لا نخاف تعدد الاجتهاد فيما بين الفصائل الإسلامية وعلماء المسلمين بشروط الاجتهاد المعتبرة، وللشعب أن يختار وهو حر بين البدائل.