أصدر المركز الديمقراطي العربي، قبل يومين، دراسة حملت عنوان “حملة المقاطعة في المغرب باعتبارها فعلا احتجاجيا: دراسة ميدانية لاستقراء واقع الحال وسيناريوهات المآل”، أعدها الباحث في الجغرافيا الاجتماعية الأستاذ ميلود الرحالي، والباحث في علم الاجتماع إبراهيم بلوح.

تعرضت الدراسة بالبحث والتحليل لظاهرة المقاطعة الحالية التي يخوضها الشعب المغربي ضد منتوجات بعينها (ركزت الدراسة على منتوج الحليب)، والتي انطلقت من العالم الافتراضي الرقمي لتأخذ زخما شعبيا قويا في العالم الحقيقي، امتد في الزمن لمدة تناهز الشهرين إلى اليوم، ولم يضعفها اعتراض شهر عظيم يكثر فيه الطلب على المنتوجات المقاطَعة، ولا ردود فعل الشركات المعنية أو بعض السياسيين. ولا تزال الحملة سارية إلى اليوم بنفس القوة وبهدوء يؤشر “عن ميلاد حركة اجتماعية أسهم في إنتاجها وإعادة إنتاجها السياق السوسيوتاريخي الذي يؤشر على فشل كل أشكال الوساطة التقليدية في تحقيق مطالب عموم المواطنين”، كما جاء في ديباجة ملخص التقرير الذي وصفها بــ“حركة افتراضية المنشأ وواقعية التأثير، إعلامية المدخل وسياسية المخرج، فئوية المبادرة واجتماعية المشاركة”.

وتهدف الدراسة إلى “الكشف عما يميز هذه “المقاطعة” عن مختلف أشكال الفعل الاحتجاجي السابقة، وذلك عبر البحث عن المتحول في هذه الأخيرة، فضلا عما ظل ثابتا فيها. كما تتغيى أيضا الوقوف على حدود هذا الفعل الاحتجاجي مجاليا:  أي هل اقتصر الأمر على مغاربة الداخل فقط دون غيرهم، أم عم أيضا مغاربة الخارج؟ وما الذي فرض هذا الانزياح الاحتجاجي مجاليا؟ كما ترمي كذلك إلى رصد انعكاسات هذا الفعل الاحتجاجي الجديد على مختلف مكونات المجتمع المغربي، والكشف أساسا على استراتيجيات الفعل/رد الفعل الممكنة، سواء من قبل المقاطعين؛ أو الوسطاء التجاريين؛ أو أصحاب الشركات المقاطعة منتوجاتُها، أو من خلال مختلف التدابير والإجراءات التي اتخذتها الحكومة المغربية تعاطيا مع هذا الفعل الاحتجاجي” كما جاء في مقدمة الدراسة.

وللوصول إلى أهداف الدراسة قسمها صاحباها؛ الباحثان في علم الاجتماع ميلود الرحالي وإبراهيم بلوح، إلى قسم أول قدم “إشكالية الدراسة وفرضياتها وكذا مختلف الأسئلة التي تطرحها” والتي تحيل إلى أهداف الدراسة المذكورة أعلاه.

وقسم ثان حدد منهجية الدراسة، التي اعتمدت بحثا ميدانيا أنجز في الفترة ما بين نهاية أبريل إلى نهاية شهر ماي 2018، استنادا على عينة عشوائية، تعد أفضل أنواع العينات وأكثرها دقة في تمثيل المجتمع الإحصائي المتجانس، والتي همت تحديدا فئتين اثنتين هما: عينة من أصحاب محلات البقالة كفئة أولى (توزعت على 14 مدينة مغربية، وغطت ما لا يقل عن 20 في المائة من أحياء كل مدينة)، وعينة من مغاربة المهجر كفئة ثانية (تم توجيه استمارة إلكترونية قصد تعبٔتها وإعادة إرسالها، شملت بعض الدول الأوروبية والأمريكية والإفريقية).

وقسم ثالث عمل “على تحليل نتائج الدراسة، وقراءتها في ظل سياق حملة “المقاطعة” مع مختلف الاحتجاجات الاجتماعية السابقة، على ضوء ثنائية الثابت والمتغير، وعبر سؤال متغير المقاطعة وعبور المجال الجغرافي. ثم من خلال آليات التفاوض والحوار الجديدة، التي بات يفرضها هذا الفعل الاحتجاجي الجديد “المقاطعة”، وأخيرا من خلال سؤال الانتقال من فعل احتجاجي إلى حركة احتجاجية فاعلة ومؤسسة”.

ربطت الدراسة هذه الحركة الاحتجاجية بسابقاتها خلال العشرين سنة الماضية، والتي اتسمت بتدشين عهد جديد في علاقة الدولة المغربية بعموم المواطنين من خلال المصالحة مع الماضي الموسوم بانتهاكات حقوق الإنسان وإنشاء “هيئة الإنصاف والمصالحة” إضافة إلى مجموعة من المبادرات والتدابير للقضاء على الفقر والهشاشة، والتي سرعان ما ظهر عوارها، لتجتاح الاحتجاجات من جديد مجموعة من المناطق في المغرب (الخميسات 2000، سيدي إيفني 2005، العيون 2010، 20 فبراير 2011، الحسيمة 2017، جرادة 2018).

في هذا السياق الاحتجاجي، والذي عرف في مجمله خفوت الفعل الاحتجاجي بسبب المقاربة الأمنية التي تنتهجها الدولة في مواجهة هذه الحركات بدعوى عرقلة السير العام وتعطيل المصالح العامة وإلحاق الضرر بالممتلكات، تفردت هذه الحملة بكونها جعلت من مواقع التواصل الاجتماعي فضاء لتنظيم التعبير عن الرفض، فـ“الأمر يتعلق إذن بتحول في الفعل الاحتجاجي الذي انتقل من المجال الفيزيقي إلى المجال الافتراضي الرقمي”، والذي يتميز أساسا بسرعة انتقال المعلومة صورة وصوتا، وبالتالي سرعة التفاعل بين شريحة عريضة من المجتمع، ويتيح للجميع ممارسة حرية الرأي والتعبير، وأيضا بالبعد عن كل أشكال التضييق الأمني، مما يجعل الفعل النضالي غير خاضع لآليات الضبط والتحكم من طرف السلطة.

مما وسم هذه المقاطعة أيضا، حسب ذات الدراسة، أنها لم تعد حكرا على الفئة المهمشة “المحكورة” بل ساهمت فيها أيضا شرائح من الطبقة المتوسطة، ودعمها أكاديميون وفنانون وسياسيون غير عابئين برأسمالهم الثقافي والرمزي والاجتماعي. وانضاف إليهم شرائح مهمة من المغاربة المقيمين في الخارج مقارنين أسعار السلع والخدمات في المغرب بنظيراتها في دول المهجر. زيادة على مشاركة الوسطاء أصحاب محلات البقالة.

وأبرزت الدراسة أن زواج الثروة بالسلطة وفشل السياسات العمومية والبرامج الحكومية في حسن استثمار الرأسمال البشري والمادي، جعلها غير قادرة على تحقيق التمكين الاقتصادي والاجتماعي والسياسي للأفراد والجماعات، في غياب إشراك فعلي لحساسيات وفعاليات البلد وكذا المواطن المغربي الذي يعتبر الحجر الأساس في أي تغيير، وبقيت السمة الغالبة على كل محاولات الإصلاح هي المقاربة الفوقية والمركزية، انضاف إلى هذا كله تراجع الدولة عن وعودها التنموية إثر توصيات البنك وصندوق النقد الدوليين.

ساهمت كل هذه الظروف في تزايد أسعار جل المواد الاستهلاكية، وحصول مضاربات في الأسواق في غياب شبه تام لأجهزة المراقبة وضمان شروط الجودة والسلامة. مما حذا بعموم المواطنين إلى الانخراط في الأشكال الاحتجاجية السابقة الذكر.

ومن المظاهر التي طبعت هذه المقاطعة مشاركة أصحاب محلات البقالة حيث انقسم أصحابها، حسب ذات الدراسة، إلى ثلاثة أقسام، منهم من أعلن مقاطعته بشكل واضح وعبر وضع إشارة، وآخرون أظهروا تعاطفهم لكن بشكل متوارٍ، في حين آثرت الفئة الأكبر الحياد، لتبقى الكلمة الفصل للزبناء. وقد تباينت نتائج الدراسة نسبيا عبر مختلف مدن المغرب، وأبرزت ساكنة مدن: الدار البيضاء، مراكش، فاس، آسفي، سطات، الحسيمة، وجدة، ارتياحها للمقاطعة بنسبة 100 في المائة، مما كشف الانسجام الكبير بين الدعوة للمقاطعة وتجسيدها فعليا. مما أدى إلى تكبيد الشركة المقاطعة منتوجاتها خسائر كبيرة خاصة بالمدن الكبرى.

وقد أفاد أصحاب محلات البقالة المستجوبون أن هذه المقاطعة لم تضر بدخلهم بشكل كبير، وهو ما دفع إلى التقاط مؤشرات الدعوة لمقاطعة منتوج الحليب من قبيل دفع الشركة إلى خفض سعر المنتوج، خصوصا وأنها تمتلك 60 في المائة من المنتوج الوطني، مما سيجعل باقي الشركات تحذو حذوها، إضافة إلى استحضار سؤال جودة المنتوج.

وبخصوص آليات التفاوض فقد اتسمت في معظمها بخرجات لسياسيين وناطقين باسم الشركة تصف المقاطعين بالخونة و”المداويخ” ووصف المقاطعة بالسياسية.. وظل الخطاب استعلائيا، لتنتقل المعركة بين بعض الأحزاب والحكومة أعقبها صمت وانتظارية، ما أسهم في تأجيج المقاطعة واستمرارها خصوصا بعد الاستياء العارم من خروج وزير الحكامة السيد لحسن الداودي صحبة مستخدمي الشركة المعنية.

وقسم البحث مراحل التفاعل إلى ست مراحل: 1- مرحلة الصمت وعدم الاكتراث، 2- مرحلة التخوين، 3- مرحلة التنويم، 4- مرحلة التهديد، 5- مرحلة الاستعطاف، 6- مرحلة محاولة التمييع.

كل هذه المراحل أبرزت قوة المقاطعين وذكاءهم في التعامل معها، وفي المقابل ضعف طرح “الاقتصاديين السياسيين” وضعف قدرتهم التواصلية مع الزبناء، وأيضا ضعف التناول السياسي للحكومة. وفق ذات الدراسة.

وأكدت الدراسة أن المقاطعة الأخيرة أبرزت حجم اليأس من كل مبادرة رسمية، ولاجدوائية الحوار الرسمي، واعتبرتها مظهرا جديدا لخلخلة النظام السوسيو-سياسي باعتمادها نموذجا جديدا في التعبئة والضغط والحوار والتفاوض، واستراتيجية مختلفة في تناول بعض المفاهيم. وهو ما يؤكد أن التحول الاجتماعي الذي يتم بناؤه في المغرب الآن ينبني على نموذج جديد يعتمد تداخل المؤشرات، حيث يقوم أحدها بلعب دور العامل المهيمن، وهو في هذه الحالة قطع اليأس من الوسائط المؤسساتية والتقليدية لتنظيم التفاوض، في حين أن باقي العوامل الأخرى، الميدانية والإعلامية والتواصلية والتأطيرية، تبقى عوامل مساعدة على خلق حالة اجتماعية جديدة في سياق الانتقال.

ختم الباحثان دراستهما ببسط السيناريوهات المحتملة للمقاطعة، وجمعاها في أربع:

1-    التعامل معها، كسابقاتها، بمنطق التعامل الأمني، عن طريق الوصول إلى نشطاء المقاطعة وتحريك المتابعات في حقهم.

2-    إقدام الشركات المعنية على تخفيض الأسعار، مع محاولة تشتيت جهود المقاطعين لضمان عدم دخولهم في مقاطعة ماركات أخرى.

3-   إحداث السلطة السياسية لبعض التغييرات في بنية الحكومة، وإلصاق التهم بوزراء ومسؤولين، وهو ما يعتبر انتصارا للنظام الحاكم.

4-   قدرة المقاطعة على صناعة وعي عام، وتخطي جميع الصعوبات ونقل المجتمع من حالة السلبية إلى حالة الفاعلية، ما سيجبر السلطة السياسية على تقديم تنازلات وإحداث انفتاح حقيقي في نظام الحكم من أجل دمقرطته.