مقدمة:

إن الزواج من أكبر نعم الله جل وعلا على الإنسان، فقد جعله وسيلة للتراحم والتواد والألفة والوفاق والسكينة، وبه تستريح الأنفس وتأنس من متاعب الحياة ومشاقها وعنائها، قال عز من قائل: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ  1 فيكون كل من الزوجين بهذا سكنا لصاحبه ترتاح معه نفسه، وتكون المودة التي يتبادلانها عونا لهما على الألفة والوئام، وبالرحمة يتحقق العطف والحنان بينهما. فكل زواج أسس على هذه المقومات فهو جدير بالبقاء والاستمرار والاستقرار، وكل زواج لا يقوم على هذه الدعائم فمصيره الفشل والزوال. ولقد دعا الشرع الحنيف الزوج إلى حسن عشرة زوجته، فقال تعالى: وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا 2، وقال الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسل: « خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي  3

إن ارتفاع معدلات الطلاق في مجتمعنا لينذر بمشاكل اجتماعية تؤرق العاملين في مجال التربية والاستقرار الأسري. فالطلاق من أهم أسباب تفكك المجتمع. كيف لا والأسرة هي اللبنة الأساسية التي تبنى عليه الأمة، إنها المجتمع الصغير الذي يمد المجتمع الكبير بباقي اللبنات، وإذا كان فيها خلل بسيط  فسيعيب لا محالة سلامة البناء ويهدد الاستقرار الأسري والاجتماعي، وكلما كان الأساس متينا كلما كان البناء رصينا.

أولا: تعريف “الأسرة” لغة واصطلاحا

تعريف ومعنى “أسرة ” في معاجم اللغة العربية:

– جاء في قاموس “مقاييس اللغة” ما يلي:

o الهمزة والسين والراء (أسر) أصل واحد، وقياسٌ مطرّد، وهو الحبس، وهو الإمساك. من ذلك الأسير، وكانوا يشدُّونه بالقِدِّ وهو الإسار، فسمي كلُّ أخيذٍ وإنْ لم يُؤْسرْ أسيراً.

o وأُسْرَةُ الرّجُل رَهْطه، لأنّه يتقوَّى بهم.
  – كما ورد في قاموس “لسان العرب” أن:

o الأُسْرَةُ: الدِّرْعُ الحصينة.

o الأُسْرَةُ: عشيرة الرجل وأَهل بيته.

– وجاء في معجم “المعاني الجامع”:
أُسْرة اسم؛ الجمع : أُسُرات وأُسْرات وأُسَر.

o الأُسْرة: الدِّرع الحصينة؛

o جمع : أُسَرٌ ؛ اِجْتَمَعَتِ الأُسْرَةُ في يَوْمِ العيدِ : أَفْرادُ العائِلَةِ، مِنْ أَهْلِ الأبِ وَالأمِّ مَعاً . تَحْمِلُ الأُسْرَةُ الَّتي تَنْتَمِي إلى جَدٍّ مُشْتَرَكٍ اسْماً مُشْتَرَكاً.

o جماعة يربطها أمر مشترك.

o الأُسْرة التعليميَّة: العاملون في حقل التعليم.

o ربُّ الأُسْرة: عائلها والمسئول عنها.

o أُسْرة اللُّغات السَّاميَّة: فصيلة اللغات الساميَّة.

o أُسْرة عمل: فريق عمل.

الأسرة إذا هي اللبنة الأولى في المجتمع، من مجموعها يتألف، بتآلفها يتآلف وبتفككها يتفكك. وتتكون من الأب والأم والأطفال.. وقيل تتكون من الأب والأم والأطفال والجد والجدة والأخ والأخت.

ثانيا : معنى “الاستقرار”.

ورد في معجم “المعاني الجامع” ما يلي حول معنى كلمة ” استقرار:

اِستِقرار:  اسم

o مصدر اِسْتَقَرَّ

o عَرَفَ الطَّقْسُ اسْتِقْرارًا : لَمْ يَطْرَأْ عَلَيْهِ تَغْيِيرٌ، أَيْ بَقِيَ ثابِتًا عَلى ما كانَ عَلَيْهِ

o عَرَفَتِ البِلادُ اسْتِقْرارًا وَاطْمِئْنانًا : هُدُوءاً وَثُبُوتاً وَسُكونًا

o اِسْتَقَرَّ سُكَّانُ الصَّحْراءِ : ثَبَتُوا في مَكانِهِمْ بَعْدَ تَرْحالٍ

o هُو لاَ يَسْتَقِرُّ على حالٍ : لاَ يَثْبُتُ على وَجْهٍ وَلا على قَرارٍ

o اِسْتَقَرَّ رَأْيُهُ على السَّفَرِ : أَقَرَّ رَأْيُهُ، رَضِيَهُ، أَمْضاهُ

o استَقَرَّ بالمكان : تمكَّنَ وسَكَنَ

الاستقرار في معاجم اللغة العربية إذا يدور حول الهدوء والثبات والسكون.

ثالثا : أهمية استقرار الأسرة

إن الاستقرار الأسري إذا هو بناء علاقة زوجية تقوم على السكينة والثبات والهدوء والتوازن والتكامل بين الرجل والمرأة، فإذا قامت العلاقة بين الزوجين على هذه المقومات فإن بناء الحياة الزوجية يكون على أساس من الاستقرار.

إن أهم مكون في جسم المجتمع البشري هو الأسرة، فإذا صلحت هذه الأخيرة صلح المجتمع كله والعكس صحيح. “إذ فيها ينشأ الفرد وفيها تنطبع سلوكياته. كما أنها تكسب الطفل اتجاهاته، وتكون ميوله، وتميز شخصيته بتعريفه بدينه، فيكون لها الأثر في تقويم السلوك وبعث الطمأنينة في نفسه. وهنا تكمن أهمية ومحورية دور الأسرة في التربية. فكثير من المشاكل التي تواجهها أمتنا حاليا منبعها الأسرة..”. 4        

فلو كانت الأسرة مستقرة ومتماسكة لأمكن معها تجاوز الكثير من المشاكل التي يتخبط فيها المجتمع في مهدها قبل تطورها إلى مشاكل عويصة يصعب تلافيها.

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله: “أقوى ما تستقوي به الأمة متانة بناء الأسرة، …  الأسرة لبنة الأساس في الأمة، والأسرة الصالحة أم صالحة وأب صالح وعمل صالح. 5

فالعلاقة بين الزوجين إذا كانت على نحو من الرحمة والتعاطف والمودّة فإنها تعود على الأطفال لا محالة بالحب والحنان والتماسك، لكن إذا تسللت الخلافات والمشاحنات بين الزوجين، لا قدر الله، فإن تشتت الأطفال يحل محل تماسكهم وبالتالي إلى نموهم في بيئة غير سليمة.

إن الزواج ليس فقط عقدا بين ذكر وأنثى لإرضاء الغريزة الراسخة في الإنسان وحسب، وإنما هوميثاق غليظ كما وصفه الله جل شأنه في مواضع كثيرة من القرآن الكريم، فهما خلقا من نفس واحدة، مما يخول لهما العيش في وئام وحب ومودة، كما جعل المولى سبحانه وتعالى نجاح الزوجين في وظيفتهما وضمان استقرار أسرتهما رهينا بمدى سريان الرحمة والمودة بينهما، وحرصهما على التشبع بمعاني الوفاء والإخلاص. يقول الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى: “بالمودة والرحمة الحميمين يتميز الزواج المطابق بالقصد والفعل والتوفيق الإلهي للفطرة. وبهما لا بمجرد العقد القانوني يحصل الاستقرار في البيت”. 6

ويقول كذلك رحمه الله في موضع آخر: “مُنية كل شيطان من شياطين الإنس والجن أن تنكسر الأسرة، ويضيع الأولاد ويتمزقوا. الآن يحصل هذا الضياع وهذا التمزق من جهتين: من جهة تفكك الأسرة الآخذ في التفشي، ومن جهة هيمان هذه الأعداد الغثائية من الأطفال والشباب بلا مرب ولا مراقب”. 7

خاتمة:

إن الاستقرار الأسري إذا مطلبٌ منشود وحاجةٌ مُلِحَّة، به يستقر المجتمع وتحصل السكينة والطمأنينة بينما فقدانه بلاء وامتحان، يعيش معه المجتمع بأكمله تحت وطأة شتى أصناف المصائب والانحرافات.

 


[1] سورة الروم، الآية: 21
[2] سورة النساء، الآية: 19
[3] رواه ابن ماجة، والترمذي (3895).
[4] مقتطف من حوار لموقع www.mouminate.net مع ذة. ثريا البوكيلي  بتاريخ 07 يوليوز 2017
[5] “تنوير المؤمنات”، الأستاذ عبد السلام ياسين ص 229
[6]  “العدل: الإسلاميون والحكم”، الأستاذ عبد السلام ياسين ص 268
[7] “سنة الله” ، الأستاذ عبد السلام ياسين ص 275